شكل الطب الشعبي مقدمة مهمة لما نراه اليوم من صروح طبية، وعبر الفترات الماضية لم يخرج الطب عن شكله الشعبي الذي استمد قوته من البيئة، والرحلات التجارية، والفتوحات الاسلامية. يقول الباحث في التراث الشعبي الدكتورعبد الله الطابور: ''الطب الشعبي خلاصة مجموعة من التجارب الشعبية لطرق العلاج وأنواع الأمراض الشائعة في المجتمع، وما تنبته الأرض من نباتات، وغيرها.
وجذور الطب الشعبي في الامارات غارقة في القدم ، فقد ظل يمارس طوال القرون الماضية حتى مطلع الستينات، لكنه بدأ يختفي مع انشاء المستشفيات والعيادات، والقائمون به هم المطببون، أي الذين كانوا يمارسون مهنة الطب بالوراثة والخبرة وهم على ثلاثة اصناف هي: الطبيب الريفي أو القروي الذي ورث الطرق العلاجية عن اجداده وكان العلاج بالكي الأكثر انتشارا عندهم، والطبيب البدوي وكان يستلهم طرقه من بيئته البدوية، والثالث طبيب المدينة وكان اكثرهم تطورا بحكم التواصل الثقافي والحضاري بين المدن الساحلية والعالم الخارجي، وهو اكثر استخداما لفنون العطارة والختان والحجامة.
اشكال الطب الشعبي : وللطب الشعبي أشكال عدة منها: العلاج الديني الذي تولاه ''المطوع'' وهو إمام وخطيب المسجد والمعلم ايضا، وبجانبها كان يعالج الأمراض المستعصية بقراءة القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية على المريض، ويقدم بعض الوصفات لعلاج العين (الحسد). وعلاج المصروع من الجن (المس)، و''المحو'' وهو كتابة بعض التعاويذ الدينية أو الآيات القرانية بماء الزعفران في صحن أبيض ثم محوها بماء الورد، وحفظها في كأس ليشربها المريض، وأكثر من اشتهر به المطوع أحمد بن محمد بن هاشل.
ويعد العلاج بالاعشاب الذي تولاه الحواج أو العطار أو العشاب وهو بائع الأدوية العشبية شكلا اخر، ولذلك تعتبر العطارة من مهن العرب القديمة التي ما زالت تمارس حتى اليوم. وقديما انتشرت دكاكين أو حوانيت العطارة في المدن الرئيسيه مثل ابو ظبي، ودبي ، ورأس الخيمة، والشارقة وكان محمد بن عبد الله بن علي، وعلي بن عبد الله المقبالي من أشهر العطارين في العين ، وأحمد بن حسين بن علي ، ومحمد عبد الرضا غلوم في دبي ، وغلوم حسين في رأس الخيمة.
وكانت العقاقير والنباتات تستورد من إيران والهند والاتحاد السوفيتي سابقا وافغانستان الى جانب ما ينمو في أرض الامارات، من نباتات جبلية وأخرى برية وثالثة بحرية أبرزها: الشكاع، الزهر، السدر، الاشخر، الصبر، الشريش ، الجعده ، والجبسن ، وغيرها.ومن أشكاله الأخرى الكي أو الوسم ، وكان يطلق على صاحبها اسم ''الكواي''. وللكي أو الوسم ثلاثة أنواع هي: ''المخباط''، و''بكرة وقعود'' وشكله كحرف ''اكس'' بالانجليزية، و''لكزة'' أو ''مركاز'' وسمي بذلك لأنه يلكز به الجسم مرة واحدة ، وقديما كان يعالج بالكي نحو 26 مرضا .
وجرت العادة أن يكتوي الفرد في أي وقت عدا عصر يوم الخميس وصباح الجمعة، لاعتقادهم أنها لا تنفع ولا تضر، وقد اشتهر بعض الرجال في هذا النوع ومنهم سيف خميس سباع ''رحمه الله''، الذي يعتبر أشهر وسام في رأس الخيم؟، ومحمد بن حطمة العامري بالوثبة ، ومحمد بن سويف بام القيوين ، ومن النساء فاطمة بنت خميس برأس الخيمة ، وحمدة بنت حميد الهاملي في ابو ظبي.
وهناك ''التجبير'' ويعتبر من العمليات الطبية المعروفة لدى العرب ، وقد تفنن فيه بعض المجبرين ، وكانوا يستخدمون الجبائر أو ''الزفارة'' ـ كما في اللغة المحلية ـ وهي عيدان من جريد النخيل تشد على العظم المكسور لتجبره، ولعلاج الكسور كان المجبر قديما يستخدم العديد من الأدوية منها نبات ''العنزروت'' أو ''انزروت'' كما في الفارسية للمحافظة على حركة العضو المكسور، ولب البطيخ المبلول بالماء والملح بوضعه على العضو المكسور لتليينه بهدف تجبيره مرة أخرى.
الختان والحجامة
ويعتبر «الختان» من اشكال الطب الشعبي، واطلق على صاحبه «المختن» وهو الذي يقوم بختان الصبيان بالطرق التقليدية، وكان درويش المختن وعيسى برغوه، وعائلة أبو الصفارد من أبرز المختنين في رأس الخيمة، وعائلة بو كلاه ومن أشهرهم حسن بوكلاه في الشارقة، وصالح البلوشي في كلباء، بينما يكاد درويش بن كرم أن يكون الأشهر في أبو ظبي، فقد مارسه في عمر 18عاما.
وأنحصرت أدوات الختان قديما في القلم أو المرص، والمرود، والموس، والمسنة، والجلد، وقد مارس هذه المهنة الحلاق أو المحسن او المزين. أما «الحجامة»، فقد انتشرت كثيرا في الدولة قبل ظهور النفط وكان يمارسها الحلاق، والجراح المتخصص في معالجة الجروح بالأدوية والمركبات الطبية، وكان الناس قديما يحتجمون 16 حجمة بروبية واحدة.
وقد عرف في رأس الخيمة بممارسة الحجامة درويش المختن، حيث كان يمارسها في دكانه بمنطقة البطح، وفي المقابل تعتبر زينب بنت قمير من أشهر الحجامات في رأس الخيمة، وكانت تقوم بها في المنازل، كما كانت تدور في أحياء رأس الخيمة امراة فارسية تدعى «روشان» تحمل على رأسها «بقشة».
وهي صرة من الكتان توضع فيها أدوات الحجامة وبعض العقاقير والأعشاب الطبية، وتنادي على المنازل «حيامة»، ولكن الكثير من النساء كن ينهرنها ولا يفتحن لها لاعتقادهن انها تمارس اعمال السحر والشعوذة.
وممارس الحجامة دأب على استخدام بعض الادوات التي يأخذها من بيئته، وتتألف من القرن (قرن الثور) ، والمخرز وهي أداة حديدية مدببة من الأمام، وبعد ذلك استحدث الحجام اداة اخرى هي الشيشة عوضا عن القرن.
ويعتبر المسح من طرق العلاج القديمة وكانت تستخدم لعلاج العديد من الامراض مثل: الكبد، والكلية، وآلام الظهر، والرأس، ومن أشهر المساحين في الشارقة سعيد أبو الدخان، اما الترفيع أو القمز أو الدغر فكانت تستخدم لعلاج اللوزتين، وبعض الأمراض التي تصيب الاطفال، وعادة ما تمارس بواسطة الاصابع، وكثيرا من «القمازة» أو المرفيعين كانوا يضعون الملح أو السمن على الأصابع قبل عملية القمز، وهناك أيضا العلاج بالدفن .
حيث كان الشخص يدفن دون رأسه بهدف علاجه من مرض معين، وكانوا بستخدمونها لعلاج أثر الرضوض والكدمات. أما طريقة «الخوية» فكانت تستخدم لعلاج فقر الدم، وألم الرأس، وأوجاع الظهر والصدر وغيرها. ومن طرق العلاج الاخرى «التخبين» (كاسات الهوا).
وكذلك «التقميع» وقد عرف هذا النوع لدى الحبوس وسكان الجبل الذين كانوا يستخدمونه لعلاج الآم الأذن والأسنان عند الأطفال حديثي الولادة. وفي حال كان المرض ينقل العدوى يتم عزل المريض في منطقة بعيدة، مثل منطقة بخور خلفان في رأس الخيمة.
العلاج بالماء
عرف الأوائل ايضا العلاج بالماء ، وتعتبر «عين خت» في رأس الخيمة من أشهر عيون الإمارات، وكذلك «عين غمور» وهي من العيون الكبريتية وتقع جنوب الفجيرة، و«عين مضب» وتقع في شمال الفجيرة وتعتبر من المنتجعات السياحية المهمة في الامارات. وكذلك عرفوا «الداية» أو القابلة التي كانت تعالج النساء وتشرف على ولادتهن.
ومن أشكال الطب التقليدي «وصفات السحر» التي كان يمارسها المشعوذون والسحرة، وهم دخلاء على المجتمع الإماراتي، ومن أبرزهم أصحاب الزار الذين يعقدون حلقات الزار ويمارسون الرقص والغناء لعلاج حالة التلبس، و«اصحاب الحروز والعقود» وهم الذين يمارسون أعمالاً سحرية خفيفة بعمل الحروز التي توضع حول الرقبة، و«السحرة» وهم الذين يمارسون بعض الاعمال السحرية التي تعرف في الامارات باسماء «الطب، أسوأ، عمل، صدف».
إضاءة
يوضح لنا الدكتورعبد الله الطابور المولود برأس الخيمة عام 1964 أن الإمارات توجد فيها الوان كثيرة من الادب الشعبي التي تدور حول الوصفات العلاجية وانواع المرض والوقاية منه، وتتركز في الامثال والاشعار الطبية والاقوال .
ونذكر منها: ''اللي عوكك من بطنك وين اتيك العافيه''، و''مب كل من عاب صبعه قصه''، ''عاصب راسه بلا وجع''، و''لما شاب ختنوه''، و''العاقل طبيب نفسه''، وغيرها ، بالمقابل قدم العديد من الشعراء المحليين قصائد عدة في ذلك من أبرزهم الشاعر راشد الخضر وهو من شعراء النبط الكبار في الامارات.
غسان خروب



