شهدت السنوات الأخيرة حركة نسائية مكثفة استطاعت خلالها المرأة من انجاز الكثير عطفا على مطالبها المتتالية في القرن الماضي.

ومع أن الحركات النسائية كانت تمسك بزمام المبادرات ونجحت إلى حد بعيد في إنهائها لصالحها، إلا أن الفتاة هي التي استلمت الراية الآن لتتجاوز مبادراتها حيز المطالبة بالحقوق ورفع شعار المساواة مع الرجل لتصل إلى آفاق أوسع. والآن نرى المجتمع قد رفع يديه وسلم عنوة أو عن تفهم بحق الفتاة في التعليم والعمل والموافقة على الزوج (هذا حق شرعي في الأصل) واختيار ملابسها وعند بعض الأسر والمجتمعات اختيار أصدقاء لها وحقها في أن تحب قبل الزواج، وكل ما سبق لم يكن يحدث في الماضي لكنه أصبح أمرا واقعا. واليوم نستبق بدورنا ما يمكن أن تفكر فيه الفتاة لنفاجئها بالأسئلة ولنرى مدى تجاوبها مع مبادرات تخرج على استحياء هنا وهناك من بعض الفتيات، فبعد وصول الفتاة إلى قدر كبير من الجرأة هل تستطيع أن تأخذ زمام المبادرة في البوح بمشاعرها لمن تحب؟، وهل يأتي يوم وتذهب مع أسرتها لتطلب يد فتى أحلامها من أسرته؟ وما هو رأي الشباب في هذه المبادرات وكيف سيتصرفون إن حدثت معهم؟.

في البداية أبدت عرين عواد (طالبة) استغرابها من السؤال وأجابت بعد تفكير قائلة:

بالنسبة لبوح الفتاة بمشاعرها فهذا موجود منذ القدم، ولكن بطريقة مغلفة تصون لها كرامتها، كأن تبادر بتحية الصباح أو تبدي اهتمامها بالشخص وتنتظر النتائج، فإن وجدت تجاوبا منه وسمعت تصريحه بما في قلبه تبدأ في البوح بمشاعرها، هذا بالنسبة لفتاة تأخذ المبادرة في تكوين العلاقة.

لكن الذي يحدث في العموم أن الشاب هو دائما ما يكون مبادرا في هذا الأمر، فإما أن يجد القبول أو ندخل في قضية الحب من طرف واحد، وكذلك الأمر بالنسبة للفتاة ولكن مع اختلاف جوهري، فإن وجدت صدى لرسائلها العاطفية المبطنة فهي تستمر.

إما إذا وجدت تجاهلا فهي تكتم في قلبها وأبعد شيء يمكن أن تفعله هو البوح لصديقة مقربة، وتبقى مسألة مبادرة الفتاة بالقول مباشرة أمر صعب عليها، لأنها لا تعرف كيف سينظر إليها الشاب، وهل سيتفهم أم سيذهب بظنونه إلى بعيد، وما قلته عن البوح بالمشاعر ينطبق على مبادرة الفتاة بطلب يد من تحب، وهذه الجزئية بالتحديد لا يمكن أن نتجاوز فيها تعاليمنا الإسلامية التي كرمت الفتاة ووضعتها في مكانة المطلوبة للزواج وليس العكس.

وهذا الباب إن فتح سيجر علينا الكثير من المتاعب والمشاكل، كأن يطالب الشباب بأن ندفع لهم مهورا بعد أن أصبح التعاون في الجهاز وتأسيس البيت أمرا واقعا، أنا لست مع هذا التفكير على الإطلاق مهما ذهبت الفتاة بمبادراتها، فهناك أشياء معقولة يمكن نفكر فيها لصلاح أسرنا ومجتمعنا.

وترى منار عبده (طالبة) أن هذا الأمر يحدث بالفعل وهناك فتيات اقتحاميات لديهن من الجرأة ما يمكنهن من البوح بمشاعرهن، ولا فرق عندهن إن تجاوب الشاب معهن أو صدهن، تقول : هذه النماذج من الفتيات لا يكترثن إلى ما يمكن أن يجر عليهن هذا التوجه من إساءة لهن ولأسرهن.

وربما يكون تصرف الفتاة بهذه الصورة انعكاسا لخلل في تربيتها أو نفسيتها، اللهم إلا إذا كانت أسرتها لا ترى عيبا في ذلك، وبشكل عام قد تصدر مثل هذه المبادرات من الفتيات الصغيرات كنوع من إثبات الذات، ومنهن من تغير علاقاتها كما تغير فساتينها، أما إذا حدث ذلك من فتيات تجاوزن سن الرشد فهذا شأنهن وهن أدرى بما يفعلن، نحن في مجتمع له عاداته وتقاليده ولا نعيش بمعزل عنه، وحتى الآن لا أرى أن محيطنا يمكن أن يستوعب هذا الأمر وعلى وجه الخصوص الشباب مع أنهم هم الطرف الثاني في المعادلة.

أما أن تبادر الفتاة بطلب يد من تحب فهذا يأتي ضمنيا عندما تكون هناك علاقة مبنية على الصدق والتفاهم ومن الطبيعي أن تنتهي بالزواج، ويمكن للفتاة أن تدفع الشاب للتقدم لها، أما أن يحدث العكس فتلك كارثة، حتى ولو كان الأمر برضا والد الفتاة، لأننا بذلك نتعدى على العرف الاجتماعي الذي لا يرحم، صحيح أن والد الفتاة بإمكانه أن يختار زوجا لابنته وبموافقتها، لكن أن تفرضه هي على أسرتها وتطلب يده فهذا مستحيل.

ونذهب إلى رأي الشباب ليبدي يحيى عمر (طالب) امتعاضه من هذه القضية قائلا: أنا ضد كثير من تصرفات الفتيات هذه الأيام، وأقر بأن بعضهن لديه جرأة تصل إلى حد الوقاحة، وأقر بأن هناك من تبادر بالتعبير عن مشاعرها بالقول صراحة ودون سابق إنذار، ومعظم هذه المبادرات تكون عبر الهواتف المتحركة التي كثرت في أيدي الشباب من الجنسين، لكن كم من فتاة وقعت في يد شاب مستهتر ودفعت الثمن من سمعتها على الأقل؟

نحن لسنا في مجتمع مثالي وكثير من الشباب تسيرهم العشوائية وعدم تحمل المسؤولية، أنا لا أنكر على الفتاة حقها في أن تقيم علاقة عاطفية، لكنها في الوقت نفسه هي مشهورة بأساليبها الذكية لكي تعرف ما يكنه لها شاب بعينه من مشاعر، أما أن تطلب الفتاة يد شاب فهذا ما أرفضه تماما، ومن المؤكد أنني سأردها حتى وإن أعجبتني ثقافتها وشكلها.

وتقول فاتن علي (طالبة) : الزمن يتغير، وإذا عدنا إلى الماضي سنجد أن الفتاة كانت تواجه صعوبات في التعبير عن مشاعرها أو البوح بها، ويتم طلب يدها من والدها ومطلوب منها أن توافق في كل الأحوال، وقليلا ما كان يؤخذ برأيها في حال رفضها، الآن الوضع في تغير مستمر وليس غريبا أن تبادر الفتاة بالبوح بمشاعرها للشاب وأن تطلب يده أيضا.

الأمر ليس سهلا بالطبع لكن علينا أن ندافع عن مشاعرنا بعد استماتة المرأة في الدفاع عن حقوقها سابقا، فما العيب في مبادرة الفتاة ما دامت في الحدود، أما أن لا يفهمها الشاب الفهم الصحيح فهذا عيب فيه أو في تربيته، المسألة تخص المشاعر لا أكثر وفي النهاية هي عملية قبول أو رفض فلماذا يفسر الأمر بسوء خلق الفتاة؟

نعم هناك فتيات مستهترات يقابلهن شباب بالصفة ذاتها ونحن لا نتحدث عن هؤلاء، والكلام نفسه ينطبق على طلب الفتاة يد من تحب، فإذا تعاملنا مع الموضوع بحسن نية وأخلاق رفيعة فليست هناك مشكلة، أما إذا عملنا حسابا للمجتمع فلن نتقدم خطوة واحدة.

عز الدين الأسواني