لا يكاد سعيد خلفان أبو ميان، أحد فناني ورواد المسرح الإماراتي يفارق مجلسه المقام على باب دكانه الذي يضم بين جدرانه أجهزة وانتيكات قديمة، حتى يعود إليه مرة أخرى.
في مجلسه الذي لا تفارقه دلة القهوة، والمطل على الخور الذي يشق أرض رأس الخيمة، حيث كانت تشدو الأصوات المسافرة نحو المجهول، يجتمع أبو ميان مع رفاقه لاستحضار بعض من ذكريات الماضي، ليثبت لنا أن رحى الزمان التي لا تتوقف أبداً لا تستطيع سحق الذاكرة التي ما زالت تعلق بها الأحداث، رغم السنوات التي حفرت خطوطها على صفحات الوجوه. ففي ذات المكان ولد الستيني سعيد أبو ميان، ليعاصر شظف العيش وتطور إمارته، وفي سنواته الأولى درس على يد المطوع. حيث كان يشرف عليه الاستاذ سلطان والاستاذ عيسى، لينتقل بعدها إلى مدرسة القاسمية برأس الخيمة التي تأسست عام 1959، وما أن اشتد عوده حتى سافر كبقية أقرانه للعمل في الكويت والبحرين والسعودية، وبعد عودته إلى حضن الوطن عام 1968 توجه للعمل في ابو ظبي، حيث كانت بوادر النهضة بالبروز، واستمر هناك حتى قيام الدولة لينتقل إلى وزارة الصحة، حيث عمل رئيسا لقسم التفتيش والرقابة وبقي فيها حتى عام 1973، لينتقل بعدها إلى وزارة الإعلام والثقافة.
ومنذ نعومة أظفاره كان أبو ميان أحد نشطاء الحركة المسرحية في الدولة، حيث قدم أول أعماله عام 1969 وكان بعنوان (غلاء المهور دهور الأمور) وهي من تأليف حمد سلطان، وإخراج جماعي، وبطولته بالإشتراك مع جابر نغموش، وحمد سلطان، وراشد أبو الحمام، وأحمد غنيوات، وأحمد فارس، وسعيد سرور، ومحمد توير، وعيسى شكر، وسالم بن صرم. وكان أبو ميان واحداً من أولئك الذين عاصروا نشأة الحركة المسرحية في الدولة، وهو ما أعطاه فرصة المساهمة في بنائها وتطويرها عبر اشتراكه في إنشاء عدد من المسارح العاملة في الدولة، وحول ظروف النشأة يقول أبو ميان: البداية الأولى للحركة المسرحية خرجت من رحم حركات الكشافة التي كانت تتبع للمدارس والأندية الثقافية المختلفة، حيث كنا نقوم بين الفينة والأخرى بعقد حفلات السمر التي تتضمن مقاطع تمثيل إرتجاليه، وأذكر أنها كانت تلقى رواجا وإقبالا واسعا بين الأهالي لدرجة أن بعضهم كان يطالبنا بعقدها على الأقل مرة واحدة شهريا.
وقد شجعنا ذلك على تأليف فرقة مسرحية ضمت بالإضافة لي كلاً من: موزه المزروعي، وإبراهيم جمعة، وظاعن جمعة، وعبدالله مطوع من الشارقة، وسلطان الشاعر، وعيد الفرج من عجمان، وجابر نغموش وحمد سلطان وخلفان علي خلفان وسعد بن سالم من رأس الخيمة، وقد ساهمت هذه المجموعة بتأسيس المسرح القومي بدبي عام 1971، وأذكر اننا كنا نتوجه يومياً من رأس الخيمة إلى دبي، متحملين التعب والشقاء لحضور البروفات التي تعرض على خشبة المسرح القومي، حينها قدمنا عملين مسرحيين وعملاً تلفزيونياً واحداً بعنوان (قوم عنتر) والذي تحول فيما بعد إلى مسلسل سنوي نعمل فيه. وما أن اشتد عود المسرح القومي في دبي حتى حدثت خلافات بين الأعضاء اضطرت البعض للخروج منه، وكنا نحن من ضمن المجموعة التي خرجت، وعلى إثرها اقترح علينا بعض الأخوة في الشارقة فكرة تأسيس مسرح خاص بهم طالبين منا الانضمام إليهم، وبالفعل عملنا على تأسيس مسرح الشارقة الوطني، وحينها اشترك معنا محمد سلطان وجابر نغموش وكان ذلك عام 1974.
وبعد الانتهاء من الشارقة انتقلنا للعمل في رأس الخيمة، حيث طلب منا الشيخ عبدالعزيز بن حميد القاسمي إنشاء مسرح خاص برأس الخيمة، نظرا لامتلاكنا الخبرة الكافية في هذا المجال، وبالفعل بدأنا التحرك والمشاورات على الفور، حينها اجتمعنا في بيت عبدالله الاستاذ بدعوة منه، حيث قمنا بتشكيل مجلس إدارة برئاسة الشيخ عبدالعزيز بن حميد القاسمي، وعضوية عبد الله محمد الاستاذ، وسعيد ابو ميان، وجابر سلطان نغموش، وحمد سلطان خلفان، وأحمد سعيد غنيوات، وغيرهم، وأطلقنا عليه اسم مسرح الشعب.
ولبدء العمل قمنا باستئجار بيت سالم بن سيفان وحولناه إلى مقر لإدارة المسرح، وقد ساهم بعض الأخوة بتأثيث المقر، وقمنا في الوقت ذاته بالاتفاق مع مدرسة ثانوية رأس الخيمة لتنفيذ عروضنا على خشبات مسرحها، حيث لم تكن لدينا الامكانيات لإنشاء خشبة مسرح خاصة بنا، ولهذا توجهنا نحو المدارس.
وما أن توفرت لدينا الميزانية حتى قمنا بشراء شبكة إضاءة وصوت مسرحية كاملة بتكلفة 85 ألف درهم، وقمنا بتعيين طالب الصوري مسؤولاً عنها وذلك لدرايته وتخصصه في هندسة الصوت والإضاءة، خاصة وانه كان أحد الشباب الذين ابتعثناهم إلى الخارج لدراسة المسرح وتقنياته، وأذكر انه لم يكن أي من مسارح الدولة يمتلك مثل هذه الشبكة.
ولهذا فقد كانت تعمل على مستوى مسارح الدولة. ولا بد لي أن أذكر هنا، اننا تلقينا دعمنا كبيرا من قبل عبدالله النويس، وكيل وزارة الاعلام والثقافة، فقد كان يصرف لنا ميزانية سنوية تصل إلى 200 ألف درهم، كون مسرح رأس الخيمة من أكثر مسارح الدولة نشاطا إلى جانب مسرح الشارقة الوطني.
خاصة وإنه لم يتخلف منذ لحظة تأسيسه عن تقديم العروض المسرحية التي كان يبدأها في مسقط رأسه ومن ثم يتجه بها إلى الإمارات الأخرى من أبو ظبي وحتى الفجيرة مستخدما مسارحها الوطنية وقاعات أنديتها الثقافية. ومنذ اللحظة الأولى لتأسيسه، قامت إدارة مسرح رأس الخيمة الوطني بتغيير الإسم ثلاث مرات.
حيث بدأها باسم مسرح الشعب لينتهي باسمه الحالي، وحول ذلك يقول أبو ميان: انطلق مسرح رأس الخيمة الوطني عام 1976 باسم مسرح الشعب الا أن الاسم لم يدم طويلا وتم تغييره إلى المسرح الأهلي برأس الخيمه، خوفا من حدوث تضارب في الاسم مع نادي الشعب الثقافي والمسرح الشعبي في الشارقة، وبقي المسرح محافظا على اسمه الجديد لمدة ثلاث سنوات، ليتم تغييره إلى مسرح صقر الرشود برأس الخيمة.
وذلك تيمنا وإحياء لذكرى الفنان الكويتي صقر الرشود الذي عرض آخر عمل مسرحي له على خشبة مسرح رأس الخيمة، وبعدها توفي إثر حادث سير أثناء قيامه ومجموعته بنقل الديكور الى الفجيرة تمهيدا لعرضها هناك، وقد اشتهر مسرح رأس الخيمة بهذا الإسم عربيا وعالميا. وبناءً على رغبة إدارته الجديدة تم تغيير الاسم عام 1989 إلى مسرح رأس الخيمة الوطني.
يواصل أبو ميان: لم يكن صقر الرشود يعمل لدينا في المسرح، إنما كان موجها لنا، حيث كان حريصا على تنظيم محاضرات وندوات للجمعيات العمومية لمسارح الدولة، وكان رحمه الله لا يستهين بمتطلباتنا واحتياجاتنا، فهو الذي أحضر لنا عام 1978 ـ حسبما أذكر ـ المخرج البحريني خليفة العريفي الذي عمل على ترتيب البيت الداخلي لادارة المسرح ونظم شؤونه.
ولذلك نعتبره الأب الروحي لمسرح رأس الخيمة الوطني، وبقي معنا حتى رحيل صقر الرشود، وقد عمل خليفة ومن قبله صقر الرشود على تشجيع شبابنا للتوجه نحو دراسة المسرح وتقنيات الإخراج، ومنهم د. حبيب غلوم، وإبراهيم بو خليف، وطالب الصوري، وعبدالله الاستاذ، وغيرهم.
وخلال سنوات عمله قدم مسرح رأس الخيمه أكثر من 38 عملاً مسرحياً، قادته نحو المراتب الأولى وجعلت منه نداً لمسرح الشارقة الوطني.
غسان خروب



