جائزة نوبل للسلام.. تأخرت لسنوات عديدة عن الوصول للرئيس الفنلندي الأسبق مارتي أهتيساري الذي كان يستحقها طوال العقود الثلاثة الماضية. فالرجل له بصماته على الصعيد الدولي في قارات إفريقيا وآسيا وأوروبا ..

قد لايعلم الكثيرون عنها أي شيء. بل يحسب له حماسه لأن يكون صانعا للسلام في المناطق الساخنة من العالم، الى درجة أنه أسس مع بداية الألفية الثالثة منظمة تعرف باسم « مبادرة إدارة الأزمات» لا تألو جهدا من أجل نزع فتيل الحروب والتوصل الى تسويات سلمية مجدية بين المتصارعين.

والمثير أن اسمه ليس مألوفا عند كثيرين مع أنه كان رئيس دولة على درجة عالية من الكفاءة، في حين أنه لا يكاد يخلو أسبوع من تصريح مثير لأسماء دولية لامعة لايخلو أسبوع من تصريح مثير لها.. لم تنجز شيئا سوى الثرثرة وتكرار ماتقوله عن السلام بشكل ممل وكأن الأمر بالنسبة لها تحصيل حاصل.

أهتيساري اختير من بين 197 مرشحا ليحصل على جائزة نوبل للسلام وقيمتها مليون يورو. أهم بصماته.. دوره في استقلال ناميبيا عام 1990. ولعب أيضا دورا مهما في إقليم أتشيه.. فقد ساعد عام 2005 في إنهاء قتال دام ثلاثين عاما بين متمردي الإقليم والحكومة الإندونيسية. ومن خلال وساطته ، وقع اتفاق سلام في هلسنكي بعد سبعة أشهر من المفاوضات، لتنتهي أطول حرب أهلية، قتل خلالها أكثر من 15 ألف شخص. كما أدت وساطته في نهاية التسعينات إلى وقف ضربات حلف شمال الأطلسي على يوغوسلافيا.

فقد تمكن مع رئيس الوزراء الروسي السابق فيكتور تشيرنوميردين من إقناع الرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوشيفيتش بوقف ضرباته في كوسوفو ضد الألبان مقابل وقف ضربات الأطلسي. ولكنه لم ينجح العام الماضي في التوصل الى اتفاق حول وضع الإقليم، واضطر للتخلي عن الوساطة وأعلنت كوسوفو استقلالها هذا العام. وتنتقد صربيا منحه جائزة نوبل لأنه يمثل بالنسبة لها رمزا لاستقلال كوسوفو ومهندسا لانفصال الإقليم عن الصرب. واتهمت بلغراد اهتيساري بالانحياز.

حيث شبهته صحافتها بهتلر. كما تنظر موسكو إلى اختياره للفوز بنوبل على أنه محاولة من الغرب لتبرير الاعتراف باستقلال كوسوفو. كان لأهتيساري دوره أيضا في نزع أسلحة الجيش الجمهوري الايرلندي. اذ دعته بريطانيا الى الإشراف على نزع هذا السلاح عام 2000 بعد إعلان الجيش الجمهوري التخلي عن العنف.

والعام الماضي، نظم محادثات بين عراقيين سنة وشيعة للتقريب بينهما. وكان قد أجرى كدبلوماسي عملي ومباشر تحقيقا بشأن عمليات الأمم المتحدة في العراق اثر التفجير الذي وقع في عام 2003 وأدى إلى تدمير مقر المنظمة ببغداد ومقتل 22 شخصا بينهم رئيس البعثة سيرجيو فييرا دي ميلو. وكشف عن أن الأمن كانت يشوبه الخلل.

انخرط أهتيساري في السلك الدبلوماسي عام 1965، أي قبل أن يبلغ الثلاثين. وأجاد على مدى سنوات عمره أهم ثلاث لغات في أوروبا وهي الانجليزية والفرنسية والألمانية إلى جانب الفنلندية والسويدية. وانطلق كنجم دبلوماسي ناجح من أفريقيا، اذ عمل سفيرا في تنزانيا بين عامي 73و1976. ثم عين مفوضا للأمم المتحدة لشؤون ناميبيا عام 1977، ثم ممثلا خاصا للامين العام للأمم المتحدة في هذا البلد الذي واكبه بصفته رئيسا لبعثة دولية حتى استقلاله عام 1990.

وفي العام التالي (1991) اختير لمنصب مساعد الأمين العام للأمم المتحدة. وظهر نشاطه الملموس في البلقان. وفي عام 1994 انتخب رئيسا لفنلندا لست سنوات كان خلالها ناشطا مؤثرا على الساحة الدولية، وقاد بلاده للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في عام 1995 والوحدة الاقتصادية والنقدية في عام 1999.

ويمكن القول أنه أمضى حياته العملية في العمل الدبلوماسي. ولذلك ينظر إليه على أنه أكثر الماما بالشؤون الدولية من السياسة المحلية. ولم يترشح بعد ولايته الأولى وكان يقول إن السياسة الفنلندية كانت بالنسبة إليه بمثابة «مغامرة خارج إطار الزواج».

حسن صابر