السابع عشر من أكتوبر من عام 1973، يوم تاريخي في حياة العرب. لايغفل عن ذكره كل من يتشوق لاسترداد العرب لإرادتهم ومكانتهم المفقودة الآن على الساحة الدولية.

في ذلك اليوم، بدأ إشهار سلاح النفط في وجه الغرب، لتبلغ الأمة العربية ذروة تضامنها وتكاتفها وراء مصر وسوريا اللتين جمعتهما كلمة واحدة لاسترداد الأرض العربية المغتصبة. كان السادس من أكتوبر يوم العبور التاريخي للمصريين لاسترداد سيناء، ويوم انطلاق الجيش السوري لاسترداد مرتفعات الجولان المحتلة. وكان السابع عشر من نفس الشهر يوم انتفاض الأمة باستخدام ما لديها من سلاح غير الرصاص والمدافع لتصوبه ضد خصومها، وهو سلاح البترول. هنا.. يقول التاريخ كلمته في حق من أشهروا هذا السلاح دفاعا عن كرامة الأمة وعزتها. فعلى رأس من حملوا هذا السلاح حكيم العرب وفقيد الأمة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه. لن يغفل التاريخ كلمته المأثورة التي مازالت تدوي في آذان أبناء الأمة، وهي:

«سنقف مع المقاتلين في مصر وسوريا بكل ما نملك ، ليس المال أغلى من الدم العربي وليس النفط أغلى من الدماء العربية التي اختلطت على ارض جبهة القتال». كان زايد مستعدا لتقديم الغالي والنفيس من أجل استرداد الأرض المحتلة. كان لسان حاله يقول عندما تفتح المدافع فوهاتها ، سنغلق على الفور صنابير النفط. قال زايد طيب الله ثراه، إن البترول يشكل ثروة اقتصادية يستخدمها العرب من أجل التنمية والتقدم وإذا تعرض العالم العربي لخطر الحرب فمن البديهي أن هذه الثروة هي وجميع الموارد الأخرى سوف تعبأ للدفاع عن العالم العربي. ويسجل له التاريخ قوله أيضا «أصدرت قرار قطع البترول خلال حرب أكتوبر ولم أكن أنتظر كل هذا التأييد .. ولم أكن أتطلع إليه لحظة واحدة.. لقد أصدرت القرار لإيماني بأنني أؤدي واجبي كاملاً تجاه أهلي وقومي»

ولقد دافع رحمه الله عن الموقف العربي مرارا بالقول «إن على هؤلاء الذين يصفون العرب بالابتزاز أن يعودوا إلى تاريخهم مع العرب ليجدوا أنه كان في مسلكهم ما يندي له الجبين خجلاً.. فقد كان العرب دائماً ومازالوا أصحاب أخلاق ووفاء وقد يرجع هؤلاء إلى أنفسهم ليقرأوا صحيفتهم مع العرب وعندئذ سيجدون أن العرب قد صبروا على الظلم طويلاً وأنه لابد أن يكون للظلم نهاية».

هكذا كان زايد الخير والعطاء كما قال التاريخ عنه. لم يتردد لحظة واحدة في توفير كل ما لدى الإمارات من إمكانيات مالية لمساندة مصر وسوريا خلال حرب أكتوبر. يشهد له التاريخ أنه أول من سارع لتقديم الدعم المادي لهما. كان على استعداد لتقديم آخر فلس من خزينة الدولة من اجل معركة العرب. اقترض من بنوك لندن لدعم المعركة. وفر لها مئة مليون جنيه إسترليني على الفور دون أن يطلب منه ذلك( وهو مبلغ لا يستهان به آنذاك). وبتوجيهاته، جندت الإمارات كل طاقاتها وأجهزتها لخدمة المعركة، ولتكون جاهزة تحت الطلب.

وتسجل مواقع الانترنت مواقف زايد القومية خلال حرب أكتوبر، ومنها رده على سؤال من الصحافة الأجنبية حيث قال في شجاعة «لا أخاف على حياتي سأضحي بكل شيء في سبيل القضية العربية ، إنني رجل مؤمن والمؤمن لا يخاف إلا الله».

زايد رحمة الله عليه ومعه المغفور له بإذن الله الملك فيصل بن عبد العزيز وكل قادة الدول العربية المنتجة للنفط،أشهروا سلاح النفط ، فكان ضربة موجعة للغرب وبالتحديد أولئك الذين وقفوا الى جانب إسرائيل وفي طليعتهم الولايات المتحدة وهولندا والدنمارك ( الدول الثلاث كانت قد سارعت في تقديم الدعم لإسرائيل مع اندلاع الحرب )

خرج سلاح النفط من غمده في السابع عشر من أكتوبر 1973، ففي ذلك اليوم اجتمع وزراء البترول في الكويت، وقرروا تخفيض الإنتاج الكلي للنفط بنسبة 5 % شهريا فورا واستمرار الخفض بتلك النسبة شهريا حتى انسحاب إسرائيل إلى خطوط 4 يونيو 1967. وما أن أتى شهر ديسمبر من نفس العام حتى صار حظر النفط كاملا. وكانت الإمارات قبل ذلك التاريخ قد قالت كلمتها على لسان زايد بإطلاق سلاح النفط وحظر تصدير البترول كلية إلى أية دولة تدعم إسرائيل بما في ذلك الولايات المتحدة.

وفي كتابها «النفط والعقل»، تقول الكاتبة ليزا مارغونيللي إن التساؤل الذي كان مطروحا هو ما إذا كان العرب قادرين على تغيير سياسة أميركا وبريطانيا باستخدام سلاح البترول ، وبالفعل قرروا معاقبة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بسبب تأييده لإسرائيل خلال حرب 1973 ففرضوا حظراً على إمدادات النفط ، ووجد الأميركيون أنفسهم واقفين في صفوف طويلة من أجل الحصول على بنزين لسياراتهم، واهتزت وقتها ثقتهم في أنفسهم وفي إمكانات بلادهم.

نعم.. لقد ثبتت فعالية سلاح النفط الذي أشهره المغفور له بإذن الله الشيخ زايد وأشقاءه من قادة الخليج. في ذلك الوقت كنا على ثقة بأنفسنا وكانت لنا قوة إرادة لاتهزها تهديدات الغرب.

حسن صابر