يستقطب ما يجري في تركيا من تسخين لجبهة المواجهة مع حزب العمال الكردستاني ـ بعد العملية الأخيرة التي شنها الحزب على موقع عسكري للجيش التركي أوقع 17 جندياً ـ الاهتمام في ظل استمرار هذا الصراع الذي بدأ في عام 1984 عندما انطلق حزب العمال الكردستاني اليساري بزعامة عبدالله أوجلان بالكفاح المسلح من أجل تحصيل الحقوق القومية للأكراد في تركيا.
وتواجه حكومة حزب العدالة والتنمية بقيادة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان والتي تتولى السلطة في تركيا مأزقاً كبيراً في طريقة التعامل مع المشكلة الكردية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو: هل سيتمكن الحزب من الخروج من هذا المأزق الذي له بعدان، أحدهما يتعلق بكيفية تعامل الحزب مع المعارضة السياسية المتمثلة في الأحزاب القومية المتشددة والجيش التركي اللذين يريان أن الحزب الحاكم يتساهل في تعامله مع حزب العمال الكردستاني، والآخر يرتبط بأسلوب مواجهة العمليات العسكرية الكردية وبحث إمكانية اجتياح مناطق من شمال العراق لتصفية الوجود العسكري لحزب العمال وتوجيه ضربة قاصمة لنشاطه انطلاقاً من الأراضي العراقية؟
تعود جذور الصراع إلى أيام قيام الجمهورية التركية بقيادة كمال أتاتورك الذي قمع الأكراد وعمل على تهجيرهم وتجاهل مطالبهم، ما أثار المشاعر القومية عندهم ودفعهم إلى المطالبة بحقوقهم، وكانت النقطة الفاصلة في تاريخ ذلك الصراع هو قيام حزب العمال الكردستاني الذي نشأ في أواخر السبعينات من القرن الماضي بإعلان الصراع المسلح في 1984 في إطار مساعيه للحصول على استقلال الأكراد عن تركيا. وتعتبر المسألة الكردية من القضايا الحساسة جداً بالنسبة للأتراك، ولم تجرؤ أي حكومة تركية منذ أتاتورك على الاعتراف حتى بوجود شعب كردي أو مشكلة قومية كردية، وعندما تشكل حزب العدالة والتنمية وطرح برنامجه الإسلامي المعتدل استطاع أن يكسب تأييد شريحة واسعة من أكراد تركيا الذين يتركز وجودهم في جنوب شرق البلاد، وذلك من خلال إطلاقه وعوداً بتنمية مناطق الأكراد التي تعتبر الأفقر والأكثر تخلفاً في تركيا، وبمنح الأكراد بعض الحريات والحقوق الثقافية. وقد ساعد هذا الأمر الحزب في الوصول إلى السلطة، ولكن يبدو أن الشعارات شيء والواقع شيء آخر.
صحيح أن حكومة حزب العدالة والتنمية عملت على تنفيذ بعض المشاريع التنموية في مناطق الأكراد وحاولت تطبيق سياسة كسب العقول والقلوب مع أكراد تركيا عبر سلسلة من الإصلاحات الإدارية، إلا أنها واجهت مقاومة على جبهتين: الجبهة الأولى كانت مع الأحزاب القومية المتشددة التي تعتبر أن أي اقتراب من الاعتراف بحقوق الأكراد يعد خيانة كبيرة لمبادئ الجمهورية التركية التي أرساها أتاتورك.
والجبهة الثانية كانت مع حزب العمال الكردستاني الذي يعتبر أن حزب العدالة يشكل تهديداً لنفوذه في أوساط الأكراد لأنه بسياسته التي تستهدف تحسين أوضاع الأقلية الكردية الكبيرة، التي يقترب عددها حسب بعض التقديرات من 15 مليون نسمة، إنما يسحب البساط من تحت أقدام الحزب.
السؤال الملح الذي يطرح نفسه اليوم هو: من له المصلحة الأكبر في تسخين الجبهة التركية ـ الكردية اليوم، أهو حزب العمال الكردستاني أم الجيش التركي، أم هناك طرف ثالث تتغذى سياساته ومراميه من تفعيل هذا الصراع وتأجيجه؟
كان حزب العمال الكردستاني قد أعلن بعد تلقيه ضربة قاسية في 1999 باعتقال زعيمه عبدالله أوجلان وتوقيع تركيا اتفاقاً مع سوريا انتهى بموجبه الدعم والتسهيلات التي كانت تقدمها دمشق لحزب العمال عن مبادرة لوقف اطلاق النار من جانب واحد لمدة خمس سنوات واتخذ عدداً من الخطوات التي استهدفت تغيير صورته وتوسيع رقعة شعبيته في صفوف الأكراد، وقام أيضاً بتخفيض سقف مطالبه من الاستقلال إلى الحكم الذاتي ومن ثم إلى مطالبة أنقرة بالسماح له بالانخراط في العملية السياسية بتركيا. غير أن الحزب عاد واستأنف نشاطه العسكري في عام 2004، وتصاعد ذلك النشاط في العامين الأخيرين.
وتقول مصادر الحزب إن العمليات العسكرية التي يشنها عناصره على أهداف عسكرية تركية ما هي إلا رداً على عمليات يقوم بها الجيش التركي ضد مواقع وعناصر الحزب. وكانت القوات التركية قد شنت هجوماً برياً وجوياً على مواقع لحزب العمال الكردستاني في الجبال الواقعة شمال الأراضي العراقية بعد هجمات موجعة شنها الحزب على أهداف عسكرية تركية. فهل يمكن أن تكرر تركيا تلك التجربة اليوم بعد الهجوم الأخير لحزب العمال الكردستاني؟
لقد بدأ الجيش التركي بالفعل بتوجيه ضربات جوية لمواقع الحزب في الجبال جنوبي تركيا وفي شمال العراق ولم يستبعد أردوغان قيام الجيش بالتوغل في شمال العراق «إذا لزم الأمر» كما قال. وحاول رئيس الوزراء التركي طمأنة أكراد العراق بأن الهدف هو «المنظمة الإرهابية فقط» وليس المدنيين أو وحدة الأراضي العراقية.
فما السبب الحقيقي لإقدام المقاتلين الأكراد في هذا الوقت بالذات على تنشيط عملياتهم ضد المواقع العسكرية التركية، وفي الوقت الذي نجح فيه حزب العدالة والتنمية في ترسيخ وضعه بعد نجاته من محاولة حظره في المحكمة وفي ظل الوضع القوي الذي يتمتع به سياسيا حيث يتمتع بأغلبية مقاعد البرلمان وما يعنيه ذلك من احتمال التقدم خطوات جديدة وملموسة نحو تخفيف معاناة الشعب الكردي ربطاً بالاهتمام المعروف لدى هذا الحزب بمعالجة أوضاع الأناضول وتالياً بالوعود التي أطلقها في حملته الانتخابية لتخصيص مزيد من الجهد والمال لتنمية تلك المناطق وضمان الحقوق الثقافية للأقليات القومية فيها؟
ولا ننسى أيضا أن هذا الوقت يعد مناسباً للجيش التركي الذي يتحين أي فرصة لرد الاعتبار لدوره وتكريس حضوره السياسي في البلاد بعدما منيت القوى الملتفة حوله بإخفاق مشهود في الدفاع عن وصايته على العلمانية وفي نيل وزن أكبر في الانتخابات الأخيرة.
وقد جاءته هذه الفرصة على طبق من ذهب، عندما وضع المقاتلون الأكراد البرلمان التركي أمام واجب لا مجال للالتفاف عليه وهو التصويت على تمديد الترخيص الممنوح للجيش بشن عمليات عسكرية واسعة ضد مواقع حزب العمال في الأراضي العراقية كانت فاتحتها في فبراير الماضي بملاحقة المقاتلين الأكراد داخل الحدود العراقية، ثم إعلان ثلاث ولايات كردية مناطق عسكرية مغلقة خاضعة لسيطرة قوات الأمن والجيش ومحرمة على وسائل الإعلام والصحافة، تلتها الحشود الكثيفة على طول جبال كردستان وحدودها مع العراق.
إن تعذر تعليل توقيت هذه الاندفاعة في الصراع الكردي التركي، وصعوبة تقديم إجابة شافية عن ضرورة اختيار هذا الوقت بالذات، يثيران المزيد من الأسئلة عن غرض حزب العمال من فتح جبهة الحرب مرة أخرى من الحدود العراقية، وهو الذي التزم سنوات ومن طرف واحد بوقف إطلاق النار.
هل ثمة خطة جديدة لدى حزب العمال الكردستاني أم أن الأمر مجرد خبطات ثأرية لا تضع في اعتبارها منحى أو هدفا؟ أم يتعلق السبب بتوافقات خفية مع قوى إقليمية أو عالمية غرضها إحراج أكراد العراق وتجد في تعسير هذا الصراع ما يحقق لها بعض أهدافها؟
أم هناك حاجة ذاتية إلى تأكيد الوجود وربما كرفض طفولي لنتائج الانتخابات التركية التي وضعت عملياً القضية الكردية على سكة الحل السياسي وربما كشكل من أشكال الرد الانفعالي على حالة من العجز عن اتباع الوسائل السلمية والنضالات المدنية لتعزيز الحضور ونيل ثقة الشارع، وما يعنيه ذلك من رفض ضمني لاحتمال أن ينجح حزب العدالة والتنمية في تخفيف معاناة الشعب الكردي وكسب مستوى أعلى من تعاطفه.
خاصة أن مرشحي حزب المجتمع الديمقراطي -وهو حليف حزب العمال الكردستاني- قد أخفقوا في منافسة مرشحي حزب العدالة والتنمية في المناطق الكردية للفوز بالمقاعد البرلمانية المخصصة لها.
من دون شك تتحمل السلطات التركية مسؤولية مزدوجة تجاه استمرار المشكلة الكردية وتجاه ما يجري، مرة بإصرارها المزمن على تجاهل خصوصية الوضع القومي في الجبال وإهمال مطالب الشعب الكردي بالتنمية الاقتصادية في مناطقهم، ما انعكس إحباطا سياسياً واحتقاناً اجتماعياً في صفوفهم، ومرة بتكرار اللجوء إلى الخيار العسكري لمعالجة التوترات الحاصلة.
لكن ثمة مسؤولية أيضاً تقع على عاتق حزب العمال وبخاصة ما يشاع عن عودته إلى أسلوب الكفاح المسلح كطريق رئيسي لتحصيل الحقوق، وما يعنيه ذلك من احتمال طي نتائج المراجعة النقدية التي أجراها قبل وبعد اعتقال زعيمه أوجلان، والتي كرست قبوله بمبدأ الحكم الذاتي في إطار الدولة التركية واعتبار حل المسألة الكردية جزءا لا يتجزأ من معالجة القضية الديمقراطية العامة في البلاد.
هذا الوضع بتفصيلاته المعقدة يضع عبئاً أكبر على كاهل حكومة أردوغان في محاولة البحث عن مخرج يكون فيه الحزب كاسباً، فهو إن استجاب لمطالب الجيش التركي بتنفيذ عملية برية واسعة ضد حزب العمال عبر الأراضي العراقية، فإنه سيثير عداء الأكراد له ويقوض شعبيته في صفوفهم. وإذا لم يستجب لمطالب الجيش، فإنه يخاطر بذلك بفقدان السلطة عبر إحياء محاولات حظره وبظهوره بمظهر الضعيف في الدفاع عن المصالح القومية التركية.
المشكلة هي أن الصراعات من النوع القائم بين تركيا والأكراد لا يمكن أن تجد لها حلاً عسكرياً، بل إن العمليات العسكرية ستزيد الأمور تعقيداً وستجر إلى مزيد من العنف يهدد حزب العمال الكردستاني بأنه سيطال المدن التركية هذه المرة ولن يكون محصوراً على الأهداف العسكرية فقط. ومن هنا لا بد للحكومة التركية أن تبحث في جذور الصراع وتحاول التوصل إلى تسوية سياسية تمنح أكراد تركيا بعض الحقوق التي يطالبون بها وبالتالي تنزع فتيل الصراع المستعر منذ عقود والذي أدى إلى مقتل أكثر من 40 ألف شخص وإصابة الألوف وتهجير مئات الألوف عن مدنهم وقراهم في منطقة الأناضول.
ولا شك أن إنهاء الصراع يصب في مصلحة تركيا ككل بكل مواطنيها الذين ينتمون إلى أعراق وقوميات مختلفة، فقد خسرت أكثر من 100 مليار دولار نتيجة لذلك الصراع، ناهيك عن تأثيرات المشكلة على فرص انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، حيث تطالب الدول الأوروبية تركيا باحترام حقوق الانسان وإشاعة الديمقراطية وإدخال إصلاحات سياسية داخلية ضرورية قبل أن تحظى بفرصة للانضمام.
ضرار عمير


