في العراق .. كل شيء ممكن، حتى بعض ما لم نجده في أفلام الرعب، أو «الخيال العلمي» أو الرومانسية المفرطة.. كل شيء ممكن، ولكن هذا الممكن غالبا ما يكون عصيا على التفسير، والتوصل إلى الأسباب والنتائج.
وهنا .. لا نريد الدخول في «عالم الغيبيات» الذي يمثله الوضع العراقي العام اليوم ، بل هو الواقع الجميل، ربما الفريد في نوعه، والذي تمتد غرابته إلى تحدي المفاهيم الفيزيائية الطبيعية. من يتصور وجود بحيرة ماء طبيعية واسعة، وسط صحراء مترامية الأطراف، يجفّ ويتيبس فيها حتى الطائر الذي يضل طريقه ويمر عبرها !! بل وحتى الأسماك الغريبة الموجودة فيها لا يزيد طولها على عشرة سنتيمترات.
والأغرب من ذلك، أن مستوى المياه في هذه البقعة التي تتوسط بحر الرمال في البادية الجنوبية أعلى بـ «خمسة أمتار» من الأرض القاحلة المحيطة بها، ولكي لا تتسرب هذه المياه، و«تذوب» في رمال الصحراء، كوّنت لنفسها تلقائيا حواجز كلسية، لا يعرف من أين أتت بها !!.
ولكن الرائي عندما يمر بها لا يشاهد هذه الحواجز من بعيد، وكل ما يراه هو البقعة المائية «المحدودبة» التي تبدو كالسراب النافر.
إنها «بحيرة ساوة» العراقية، مجهولة المنشأ والتاريخ، غير أن الروايات تقول إن هذه البحيرة المحافظة أزليا على مستوى الماء فيها، لم يرتفع ماؤها سوى مرة واحدة، حتى أنها فاضت على الصحراء المحيطة بها، في يوم مولد النبي محمد، وهذا ما يكسبها نوعا من القدسية عند المسلمين في المنطقة.
نعم .. هي بحيرة ماء وسط صحراء مترامية، ولا احد يعرف كيف حافظت على شكلها كل هذه القرون، ولا احد يعرف سبب نسبة الأملاح العالية في مياهها ..
شكلها يشبه ثمرة الكمثري وهي ببساطة أشبه بـ «بطة»، وتبلغ مساحتها 5 .12 كيلو مترا مربعا، ويتحول عرضها إلى نصف كيلو متر في أضيق منطقة. أما عمقها 2- 5 .4 أمتار عند الحافّات، ويصل إلى 5 - 5 .5 أمتار في المساحة التي تغطي أكثر من 70% من البحيرة، ومع ذلك فهي ترتفع خمسة أمتار على الأرض المحيطة بها !
كما ترتفع مياه البحيرة 11 مترا عن مستوى نهر الفرات ، وبذلك يمكن تصريف المياه عن طريق نهر العطشان الذي يبعد عن البحيرة بـ 10 كم ، ولكن ذلك يشكل خطورة على مياه النهر ، من خلال زيادة نسبة الملوحة فيه.
لقد احتار في سرها الخبراء ، وكادوا يضيعون في تفسير تكوينها ومصادر المياه التي تغذيها من دون ان يكون لها اي مجرى مائي سطحي، حيث يعتقد بعض العلماء أن هنالك ينابيع مجهولة هي التي تغذيها ، ولكن مستوى المياه فيها ثابت رغم مرور الزمن .. فكيف تناسب ما تضخّه هذه الينابيع المجهولة مع نسبة التبخر طيلة هذه القرون ، كما أن هذه الينابيع، إن وجدت ، لا تجد تفسيرا لها ، ولاستمراريتها المنتظمة ، وسرّ وجودها في هذه الصحراء القاحلة المترامية الأطراف.
يسميها أهالي المنطقة «ساوة الجميلة» ، وكأنما يشيرون إلى حبيبة بارعة الحسن ، أودعها التاريخ في ذاكرته المنسية ، وغادرت الجغرافية ، بعد أن عجزت عن تفسير سرها المحير، حتى باتت طلسما يحتار فيه أهل الجيولوجيا .
وفي التاريخ الحديث عرفت بحيرة ساوة منذ الأربعينيات من القرن الماضي وتوافد عليها أهل السماوة قبل غيرها ، ثم عرفت بعد ذلك على نطاق أوسع ، بعد أن زارتها بعثة سوفيتية لدراسة إمكانية إقامة مدينة سياحية عليها عام 1976 ،وفعلا تحولت البحيرة فيما بعد إلى موقع سياحي وزاد عدد زوارها من داخل السماوة وخارجها، إلى أن امتدت إليها أيادي الإهمال والتخريب والعبث.
إن بحيرة ساوه بجمالها وسحرها ، تقف في أقصى الجنوب الغربي من مدينة السماوة ، مركز محافظة المثنى ، التي هي المحافظة الحدودية بين العراق والمملكة العربية السعودية ، وعبر طريق تحف به الرمال من يمينه وشماله تتردد في الذاكرة أصوات تذكّر المارّين بصور الرحيل الابدي إلى الصحراء المترامية ، التي تلاحق الماضي والحاضر ، وكأنها مستودع لأسرار تاريخ عربي طويل.
