اتهم إعلاميون وصحافيون في قطاع غزة الصحف المحلية بأنها ساهمت في تعميق الانقسام الداخلي الفلسطيني وخاصة بين حركتي حماس وفتح. ووقع إعلاميون على عريضة تطالب بوقف الحرب الكلامية كما طالبوا مؤسسات صحافية بتوقيع ميثاق شرف بين الصحافيين. وقال الدكتور أسامة ابو نحل الأستاذ بجامعة الأزهر لـ «البيان» :

مما يؤسف له أن كل الصحف المنتشرة على الساحة الفلسطينية هي صحف مؤطرة، ولا تعمل بمهنية مطلقة، وإنما جل هدفها هو خدمة وجهة نظر الحزب أو التنظيم التي تنتمي إليه.

وأضاف كان للصحف ذات الصبغة التنظيمية دور مقزز في تعميق حالة الانقسام داخل المجتمع الفلسطيني، ولم تحاول أن تنقل للمتلقي العادي الصورة الحقيقية لِما يدور من أحداث، وإنما عمدت عن سابق إصرار إلى تجيير الأحداث التي حصلت لمصلحة تنظيمها، فوقف القارئ في منتصف الطريق لا يدري أين الحقيقة التي يعتمدها.

وألمح أبو نحل إلى أن المواطن العادي يفقد التمييز ثم يصل إلى قناعة بأن الجميع مخطئون، وهذا الأمر أدّى في نهاية الأمر إلى تشرذم المجتمع فوقف هذا مع يزيد بن معاوية ووقف الآخر مع الحسين بن علي، وأضحى الجميع كما يقول المثل الشعبي بين «حانا ومانا»، لكنه لا يعرف أين تكمن الحقيقة نظراً لعدم وجود صحف تنقل الخبر للقارئ بصورة سليمة.

معالجات متحيزة

الى ذلك حصلت مؤخرا باحثة من غزة على درجة الدكتوراه عن بحثها في الإعلام التي خلصت فيه الى ان الصحف المحلية عمقت الانقسام الفلسطيني وكانت عينة الدراسة صحيفتا الايام وفلسطين وقالت في بحثها إن 87% مما قدمته الصحف الفلسطينية خلال شهر يونيو 2007 ساهم في تعميق الانقسام في الشارع الفلسطيني. وأظهرت نتائج التحليل الذي شمل جميع القوالب والأشكال الصحافية بالجريدتين المعالجة «المتحيزة» المعبرة عن كل فصيل، والتي تجلت في الألفاظ المستخدمة في وصف الفصيل المخالف.

وبينت على سبيل المثال أن صحيفة «الأيام» استخدمت ألفاظا ك «حماسستان» «ميليشيات حماس» في إشارة لحركة حماس، واستخدمت صحيفة فلسطين ألفاظا مثل «زمرة أوسلو، الدحلانيين» لوصف حركة فتح.

وأجمع ما بين 85% إلى 87% من عينة الدراسة أن وسائل الإعلام الفلسطيني كانت سببا مهما في تعميق حال الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني .وأظهرت الدراسة أهمية وسائل الإعلام وأثرها على اللاجئين الفلسطينيين في الشتات، حيث يعتمدون بالدرجة الأولى بحسب الدراسة - على الإنترنت والفضائيات لمتابعة كل ما يتعلق بقضايا الداخل الفلسطيني ومسار الصراع العربي الإسرائيلي

بدورها قالت الصحافية سمر العرعير لـ «البيان» أنا أوافق على ما خلصت إليه الدراسة موضحة : أنا اعتبر أن وسائل الإعلام استخدمت بشكل هدام خلال فتره الانقسام والصراع بين حماس وفتح .. الأمر الذي أصبح بمثابة صب البنزين على النار وأصبح المواطن في حيرة من أمره هذا ان لم يكن ينتمي إلى حماس أو ذاك الذي ينتمي إلى فتح ورأت العرعير ان صحف ومواقع فتح تتفنن في إشعال نار الانقسام بين الإخوة وكلما كان هناك بادرة لإجراء الحوار بذلت موقعهم وصحفهم ما في وسعها لإفشاله.

حرب وسائل الإعلام

أما نادية ابوزاهر الباحثة في الديمقراطية وحقوق الإنسان فقالت لـ «البيان» نعم، أتفق مع الاستنتاج بأن وسائل الإعلام الفلسطينية ساهمت في تعميق الانقسام الفلسطيني. وأضافت ان وسائل الإعلام الفلسطينية للأسف لم يكن لها دور فقط على صعيد الانقسام الفلسطيني وتعميقه وإنما كانت مؤشرا واضحا على انهيار رأس المال الاجتماعي الفلسطيني.

حيث بتنا نرى اقتتالا علنيا وتناحرا بين الفصيلين الفلسطينيين حماس وفتح عبر وسائل الإعلام وبشكل علني، ودون الأخذ بعين الاعتبار لما ينبغي أن تكون عليه الأحزاب الفلسطينية من تضامن وتعاون في مواجهة العدو الإسرائيلي المغتصب للأرض الفلسطينية.

وأشارت الى مساهمة وسائل الإعلام الفلسطينية فى تعميق الخلاف والانقسام الفلسطيني بدل أن تساهم في تخفيف حدة الخلاف والدعوة إلى الوحدة. ونوهت «كنت قد رصدت مؤخرا عددا من المصطلحات الإعلامية التي استخدمتها وسائل الإعلام والتي لم نكن نسمع بها من قبل، وهذه المصطلحات ساهمت في تعميق الخلاف والانقسام الفلسطيني، مثل:

1. المارقون: مصطلح إعلامي أطلقته حركة حماس على أبناء حركة فتح إثر الاقتتال الذي حدث بينهما في بداية أكتوبر عام 2006.

2. قائمة العار: مصطلح إعلامي أطلقته وسائل الإعلام التابعة لحركة حماس ويقصد به قائمة تتضمن رموز الفتن والفساد من حركة حماس.

3. القتلة: مصطلح إعلامي استخدمته وسائل الإعلام التابعة لحركة فتح وأطلقته الحركة على أفراد القوة التنفيذية من حماس. وأكدت أبو زاهر ان هذا الأمر انعكس أصلا على وسائل الإعلام العربية فظهرت مصطلحات جديدة استخدمتها وسائل الإعلام العربية مثل مصطلح اقتتال بالوكالة: مصطلح إعلامي استخدمه بعض الصحافيين والمثقفين الفلسطينيين وروجت له وسائل الإعلام ويقصد به الاقتتال الداخلي الذي حدث بين حركتي فتح وحماس في عام 2006، وذلك لاعتقادهم بأن هذا الاقتتال هو بالأصل بين أميركا وإيران وتخوضه فتح بالنيابة أو بالوكالة عن فتح وحماس بالنيابة أو بالوكالة عن إيران.

ومثل التناحر الإعلامي: مصطلح إعلامي أطلقته وسائل الإعلامية العربية بشكل كبير ويقصد به استخدام وسائل الإعلام الفلسطينية التابعة لكل فصيل في الرد على الفصيل المعادي «فتح وحماس».

ميثاق شرف

من جهته أطلق المعهد الفلسطيني للاتصال والتنمية عريضة إعلامية للصحافيين والإعلاميين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، تحت شعار «نعم لخطاب الوحدة»، من اجل وقف حملات التحريض الإعلامي والتراشق بين طرفي الصراع الداخلي حركتي فتح وحماس. وتطالب العريضة التي وقع عليها عشرات الصحافيين والإعلاميين الفلسطينيين جميع الإطراف الفلسطينية، بوضع آليات لحماية الحريات العامة، لاسيما «حرية الرأي والتعبير، وتحييد الصحافيين والإعلاميين وإبعادهم عن دائرة أي صراع».

وأعلن المعهد الفلسطيني تسليم نسخة عن العريضة إلى الرئيس محمود عباس، وكل الأطراف المعنية

من جهته أكد د. زهير عابد نائب عميد كلية الإعلام بجامعة الأقصى على ضرورة أخذ زمام المبادرة لوضع ميثاق الشرف بين الصحافيين، داعيا المؤسسات المدنية المستقلة إلى تفعيل دورها من أجل إخراج الإعلام من دائرة التعصب الحزبي، والارتقاء بالصحافة والإعلام بعيدا عن التجاذبات والتغيرات السياسية.

ودعا عابد إلى توظيف العلوم الحديثة لخدمة المجتمع، وإعداد خريجين قادرين على ممارسة العمل الاعلامى، وعزل الدخلاء على الإعلام من غير المتخصصين، مطالبا بتعزيز أخلاقيات المهنة الصحافية وترسيخ المصداقية داخل الوسط الاعلامى.

وجدد عابد الدعوة للصحافيين بتجاوز التحريض على الآخر، واتباع الشفافية واستخدام الفعل دون العاطفة في التغطية الإعلامية، لافتا إلى ضرورة العمل على تحييد الصحافيين عن التجاذبات السياسية وضمان احترام حقوق الإنسان بدلا من أن يكون الصحافيون أداة للتعدي عليها وتوتير الأوضاع..

ودعا خبير الاعلام الدكتور جواد الدلو عميد كلية الإعلام بالجامعة الإسلامية بغزة إلى تشكيل لجنة من الصحافيين بغية توجيه وتصويب الأخطاء الإعلامية، ووضع برامج وخطط كافية بمعالجة الأزمة التي يحياها الإعلام الفلسطيني، مشددا على ضرورة تضافر الجهود من أجل حل هذه الأزمة حتى لا تنعكس على الأجيال القادمة.

وأشار الدلو إلى قيام بعض الصحافيين بفبركة الأخبار عبر الإعلام والاستمرار في شن الحرب الإعلامية عبر الشائعات التي تزيد من الأزمة رغم دعوات المصالحة.

ماهر إبراهيم