تصلح قضية المزاعم بشأن سعي سوريا الحصول على قدرات نووية والمشكلة التي أحاطت بشغلها مقعد مجلس وكالة الطاقة الذرية، كدلالة على نموذج في العلاقات الدولية بشأن كيف يمكن أن تسعى الدول الكبرى إلى العمل على تطويع إرادات الدول الصغرى المخالفة لها في سياساتها.
وتتمثل القضية بشكل أساسي في إدعاءات من قبل الولايات المتحدة بشأن بناء مفاعل نووي سوري بالتعاون مع كوريا الشمالية، وهى الإدعاءات التي من المؤكد أنها تستهدف التأثير على مجمل السياسات السورية والتي تبدو مناهضة للتوجهات الأميركية وكذا المتعلقة بالمفاوضات مع إسرائيل.
وللارتقاء بهذه المزاعم إلى مستوى يقترب من الحقيقة على نحو يثير القلاقل لسوريا أقدمت إسرائيل، مدعومة أميركيا، على شن غارة على موقع المفاعل المزعوم رغم عدم شرعية ذلك حتى في حال التيقن من كون الموقع المزعوم محلا لمفاعل نووي حقيقي الأمر الذي انتقده محمد البرادعي المدير العام لوكالة الطاقة الذرية باعتباره تقويضا لإتمام عملية التحقق على الوجه الأكمل.
وقد أثارت واشنطن وتل أبيب وقتها قدرا من الضبابية بشأن الغارة إدراكا لعدم شرعيتها إلى أن تهيأت الأجواء للكشف عنها بشكل صريح من قبل قيادات إسرائيلية وأميركية إلى حد تقديم الاستخبارات الأميركية صورا للموقع الذي قصفته إسرائيل باعتبارها دلالة على صحة الإدعاءات، فيما أن هذه الصور تمثل إدانة لإسرائيل بغض النظر عن قضية سعي سوريا لامتلاك سلاح نووي أم لا.
المهم أنه إمعانا في التضليل من قبل الحليفين وإزاء تأكيد الوكالة الدولية أنها لا تملك أدلة على وجود برنامج نووي سوري سري، وأن تحليل عينات الموقع المشار إليه لا يثبت وجود نشاط نووي في الموقع المدمر، كان الرد أن سوريا دمرت الأدلة خلال عملية تدمير باقي المنشآت التي بقيت إثر الغارة. وهو ما يمثل محاولة لإحكام الطوق حول سوريا واتهامها بالسعي لامتلاك أسلحة دمار شامل ..
التهمة التي أصبحت في وقتنا الحالي بمثابة تفويض لتقويض أنظمة وإطاحتها وعزل أخرى وفرض العقوبات على ثالثة وهكذا.. إلى أن تنصاع.
ومع تعليق تهمة الحصول على قدرات نووية دون إلغائها تماما لم تفوت الولايات المتحدة الفرصة لكي تثير المشاكل أمام دمشق على خلفية الموضوع ذاته، وعلى ذلك فإنه بمجرد إعلان سوريا اعتزامها الترشيح لتولي مقعد في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدأ ما يمكن اعتباره مضايقات من قبل واشنطن من أجل إثناء سوريا عن مسعاها، وكان تشجيع دولة مثل أفغانستان بدعم أميركي كامل لكي تحل محلها.
ورغم التأييد الذي كانت تتمتع به دمشق من قبل مجموعة دول الشرق الأوسط وجنوب آسيا، إلا أنها قررت الانسحاب والتخلي عن فكرة ترشيح نفسها تحت وقع الضغط المتزايد الناجم عن التلويح بتصعيد ملفها النووي المزعوم على نحو قد يجعلها في دائرة الضوء ويسبب لها صداعا لا لزوم له.
لا يعني ذلك بأي حال إغلاق الملف تماما فمواقف سوريا ما زالت كما هي لم تتغير ولم تتجه للرضوخ للولايات المتحدة، كما حدث من آخرين، وفي هذا الشأن تحديدا فإن دمشق تصر على رفضها التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على حساب أمنها القومي مؤكدة عدم السماح لمفتشي الوكالة بزيارة الموقع الذي قصفته إسرائيل العام الماضي مرة ثانية ما لم تتلق نتائج تحليل العينات البيئة التي أخذها المفتشون من الموقع.
وبغض النظر عن صلابة سوريا في مواقفها من عدمه، فإن قضية المفاعل النووي ستبقي شوكة في خاصرة دمشق يلوح بها الأعداء كلما تصوروا أن في ذلك مجالا للضغط ولي ذراع سوريا، الأمر الذي يعكس أحد سلبيات طبيعة تركيبة النظام الدولي القائم.
