رغم الجمود الذي لحق بمسار المفاوضات السوري الإسرائيلي، إلا أن الحديث بشأنه انتابه الانتعاش مؤخرا على خلفية الحديث عن مساعي كل من الطرفين لتعزيز ترسانتهما العسكرية وهو ما أثار التساؤلات حول دلالات ذلك وتأثيره على مسيرة المفاوضات المتوقفة بشكل مؤقت؟

بداية فإننا لا نميل إلى المبالغة بشأن تأثير قضية التسلح من قبل الطرفين على مسار المفاوضات حيث انها تأتي كجزء طبيعي من سياسات الدولتين، فإسرائيل لم تتوقف يوما عن الحصول على أحدث الأسلحة من الولايات المتحدة بدعاوى وأهداف مختلفة، وسوريا هي الأخرى تبذل قصارى جهدها للحصول على السلاح على نحو يمكنها من الحفاظ على حقها في مسعى استعادة أرضها المحتلة حال انعدام الخيارات الأخرى.

فضلا عن ذلك فإن النتيجة للأسف تبدو محسومة لصالح إسرائيل حيث انه فيما تتزود بسلاح دون قيود، فإن أي مسعى سوري يواجه بانتقادات للدول الموردة غالبا ما تنتهي بتقزيم صفقات السلاح المستهدفة.

ورغم أن ذلك يلقي بتأثيره على مسار المفاوضات والنتيجة التي يمكن أن تنتهي إليها، إلا أنه لا يمكن القول انه متغير جديد طارئ سيكون له أثر محوري يختلف عن تأثيره المتواصل على هذه المفاوضات.

وعلى ذلك فإننا في استعراضنا لمسيرة المسار السوري الإسرائيلي سننطلق من الظروف التي واجهها هذا الملف في الشهور الثلاثة الأخيرة استكمالا لما قدمناه على صفحات هذا الملحق؟

راجع العدد رقم 4 بتاريخ 6 يونيو الماضي؟ في محاولة لفهم أبعاد الجمود الذي أشرنا إليه والذي جاء بعد انتعاشة مفاجئة تمت على خلفية الوساطة التركية.

من خلال النظرة المتأنية لما يجري على صعيد هذا الملف يمكن التأكيد على الرغبة السورية الخالصة في إغلاق هذا الملف بمختلف الطرق من خلال استعادة أراضيها المحتلة في ظل التمسك بمجموعة من الثوابت التي رسمت سياستها على مدار العقود الماضية وإن كان بقدر من المرونة في تحديد هذه الثوابت.

ويعزز هذا التصور التصريح الواضح الذي أدلى به الرئيس السوري بشار الأسد إثر القمة الرباعية في دمشق التي جمعته مع الرئيس الفرنسي ساركوزي ورئيس الوزراء التركي وأمير قطر، وأشار خلاله إلى أن المفاوضات غير المباشرة التي جرت بوساطة تركية إنما تؤسس لمرحلة تحضيرية ضرورية للمحادثات المباشرة وهو ما يكشف عن تخلي سوريا عن الخوض في مثل هذه المحادثات بأقل قدر من الضجيج في مراحل سابقة.

غير أن سعي دمشق للمفاوضات في هذه المرحلة اصطدم بعقبتين خارجتين عن إرادة المفاوض السوري الأمر الذي انتهى به إلى تفضيل تأجيلها وتتمثلان بشكل رئيسي في التطورات الجارية على الصعيد الإسرائيلي والمتمثلة في استقالة ايهود أولمرت على خلفية فضائح فساد وكذا الأوضاع في الولايات المتحدة والمتمثلة في قرب انتهاء فترة حكم الرئيس بوش ما جعل إدارته عاجزة عن اتخاذ أي موقف يدعم إمكانية تحقيق اختراق على هذا المسار على النحو الذي كانت تتمتع به إدارة كلينتون.

هذا فضلا عن عدم رغبة هذه الإدارة في تحريك الملف السوري واللعب على الملف الفلسطيني في ضوء مسعاها للضغط على سوريا في إطار مواقفها التي توافقت بشكل كبير مع خصوم واشنطن في المنطقة وعلى رأسهم بشكل رئيسي إيران وحزب الله وحركة حماس، التصور الذي دعمه مسؤول سوري بإشارته إلى أن بلاده لا تعتقد أن الإدارة الأميركية الحالية معنية بعملية السلام على المسار السوري.

هل يعني ذلك عودة الملف إلى المربع صفر؟

في ظل افتقاد الأطراف العربية للأوراق التي تمكنها من الضغط في اتجاه تحريك مسار قضاياها في الوجهة التي تريدها أو عدم قدرتها على الاستخدام السليم لهذه الأوراق، الأمر الذي ينطبق على الموضوع محل التناول، فإن مستقبل المفاوضات السورية الإسرائيلية يبقي غامضا ويبقى مرتبطا باتجاهات طبيعة الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية المقبلتين وقد أشار إلى ذلك الرئيس الأسد بشكل محدد بتأكيده على أنه من غير المحتمل الانتقال إلى مرحلة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل قبل تنصيب رئيس جديد للولايات المتحدة.

أما على الصعيد الإسرائيلي فإذا كانت الأمور قد انتهت إلى تولي تسيبي ليفني عملية تشكيل الحكومة فإن اتجاهات تل أبيب تبقى مرتبطة برؤية رئيسة الوزراء الجديدة وهى توجهات كانت تشير من موقعها كوزيرة للخارجية إلى أنها قد تزيد من تعقيد عملية المفاوضات حيث تشترط ليفني ضرورة تخلي دمشق عن علاقاتها مع الثلاثي إيران وحزب الله وحماس، الأمر الذي من المؤكد أن سوريا ترفضه بشكل مبدئي وهو ما يرجح احتمال أن يبقى مستقبل المفاوضات غامضا في ظل حكومة ليفني المقبلة.

ويعزز ذلك الأنباء التي أشارت إلى اقتراح من كتلة حزب العمل الذي قد يشارك في الحكومة بسن قانون يلزم إجراء استفتاء شعبي قبل الانسحاب من الجولان في أي تسوية بين البلدين.

ورغم ما سبق، وفي ظل الإقرار بأن مستقبل المفاوضات يبقى مرهونا بتطورات على الساحة الأميركية والإسرائيلية، إلا أنه يمكن الإشارة إلى بعض الجوانب التي قد تقلل من قتامة الصورة وتكشف عن بعض المزايا التي يتمتع بها الموقف السوري وتتمثل في :

ـ محورية الموقف السوري على نحو يجعل من الصعب تجاوز دمشق في أي عملية مفترضة لتحقيق السلام في المنطقة، وكذا على النحو الذي يبقي استقرار المنطقة مرهونا بإنجاز تقدم على صعيد إعادة الجولان.

ـ رغم غياب التفاصيل بشأن مسار المفاوضات الأخيرة، ما يصعب من مهمة تقديم تحليل متماسك بشأن حدود التقدم الذي حققته، إلا أنها تقوم في جوهرها على ما تحقق إنجازه من قبل والمتمثل بشكل أساسي فيما أصبح متعارف عليه باسم وديعة رابين والتي تقوم على التسليم بإعادة الجولان إلى السوريين مقابل التزامات محددة على دمشق.

ولعله فيما يشير إلى استمرار هذا الأساس للمفاوضات إشارة أولمرت إلى ما وصفه بتنازلات مؤلمة يجب تقديمها من أجل التحرك على المسار السوري بغض النظر عن اختلافنا مع التوصيف باعتبار أن إعادة الجولان هو حق لسوريا في إطار حقيقة كونها جزءا من أراضيها.

يعني هذان العاملان أن أساس التسوية قد تم الاتفاق عليه وأن الأمر يبقى معلقا بتفصيلات تتعلق بالتزامات أطراف التسوية، وأنه في حال انطلقت المفاوضات قد تتوصل سريعا إلى تسوية نهائية فيما حدث توافق أميركي إسرائيلي على تحقيق هذا التطور..

وهو أمر لا ينتقص من الموقف السوري على نحو كبير في ظل أن النتيجة النهائية ستحقق المطلب السوري الرئيسي المتمثل في استعادة أرضه كاملة غير منقوصة.

مصطفى عبدالرازق