في تصوري أنه ما من مسلم، أيا كان مذهبه، إلا وقد سعد بمشهد العناق الحار بين الدكتور القرضاوي وعلي أكبر ولاياتي مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية والذي جرى على هامش الجلسة الافتتاحية للمؤتمر السادس لمؤسسة القدس منذ أيام في الدوحة.
فمن المفترض أن هذا المشهد يغلق ملفا لا ينبغي له أن يغلق في صمت إزاء الدوي الكبير الذي لازمه منذ أن بدأ بالتصريحات التي أدلى بها الدكتور يوسف القرضاوي لجريدة المصري اليوم، وإنما يجب الاحتفاء بالنهاية «السعيدة» التي وصل إليها، رغم أنها تأتي على شاكلة نهايات الأفلام العربية، فضلا بالطبع عن محاولة استلهام الدروس والعبر مما جرى.
لقد كانت الفترة الماضية والتي تجاوزت شهرا ما بين إدلاء القرضاوي بتصريحاته وما بين «المصالحة»، إذا صح التعبير، بمثابة محنة تضاف إلى المحن التي تواجهها الأمة بكافة أطيافها.
وقد أكدت المحنة، من ناحية، مخاوف البعض من ضراوة الاختلاف على خلفية دينية أو طائفية بمعنى أصح، وهو أمر قائم في مختلف الأديان، وليس الدين الإسلامي فقط، وهو ما يستدعي تكريس فكر التسامح، الأمر الذي نعتقد أننا ـ للأسف ـ ما زلنا بعيدين عنه، وأن الموقف قد يتطلب عقودا قبل أن نصل إلى المستوى المطلوب على هذا الصعيد.
من ناحية ثانية، وبغض النظر عن المظهر السلبي للأزمة فإنها كشفت عن المكانة التي يحتلها عالم دين بوزن القرضاوي في حياة المسلمين، وهي مكانة من الممكن أن تحرك شعوبا، ما يدعونا إلى الأمل بأن يتواصل دوره في الذود عن مصالح الأمة بكافة مذاهبها، وفي الوجهة التي تحظى بإجماع علماء المسلمين.
من جانب ثالث، فقد كشفت الأزمة عن المعدن الأصيل لأغلب علماء الأمة من السنة، الذين لم يتوانوا، رغم علاقاتهم الحميمة التي تربطهم بالقرضاوي، والتقدير الكبير الذي يحظى به لديهم، عن قول ما يعتقدون أنه الحق.
فضلا عما سبق، فإن موقف المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي يستحق الإشادة، حيث لم يتوان عن تقديم ما يمكننا تسميته اعتذارا إيرانيا عما قد يكون بدر من طهران حتى ولو بشكل غير رسمي تجاه القرضاوي اعترافا بمكانته وتقديرا له.
مع التأكيد في الوقت ذاته على أن المراجع الإيرانية لم يصدر عنها إساءات تمس شخصية القرضاوي، ما يعكس مناخا تصالحيا لا شك أنه يضفي أجواء إيجابية تساعد على تجاوز أثار المحنة.
ونصل إلى الجانب الأكثر سلبية من المحنة ويتمثل في الكشف عن فريق يسعى للفتنة وإشعالها، وهو فريق يبدي العمل بالإسلام والتمسك به، على نحو يثير الدهشة والتساؤل بشأن فهم هذا الفريق للإسلام وقيمه ومبادئه التي تدعو إلى التسامح ليس مع أبناء الإسلام الآخرين مهما كان مذهبهم وإنما مع أصحاب الديانات الأخرى، بل وغيرهم.
ومن الغريب هنا أنه في الوقت الذي كانت الأنباء تتوالى الاثنين الماضي عن أجواء المصالحة، كان ممثلو هذا الفريق يواصلون نشر ما في جعبتهم من شرور لتوسيع نطاق الفتنة.
ولعل أفضل ما تم طرحه في هذا السياق ذلك الطرح الذي قدمه الدكتور أحمد كمال أبو المجد ويتمثل في ضرورة حل القضايا المتعلقة بوحدة الأمة ومصالحها الكبرى في مراحلها الأولى على الأقل، بعيدة عن كل صخب إعلامي قد يعنيه الإنفراد بالخبر أو السبق فيه، وأنه لا يجوز تعريض المصالح الكبرى للخطر من خلال الإعلام حتى يجلس العلماء والخبراء ويتشاورون في هدوء وروية في إطار الإحساس بالمسؤولية والرؤية التامة لعناصر الموقف كلها.
مؤدى هذا الفهم بالضرورة لقاءات معمقة بين علماء المذهبين السنة والشيعة لتجاوز أية تداعيات سلبية للمحنة، مع العمل في الوقت ذاته على الدفع بعملية التقريب بين المذاهب على الأسس التي يرتضيها علماء المذهبين، الأمر الذي نحسب أنه بدأ في مصر ونتمنى أن يتواصل دون أن يكدر صفوه فريق إيقاظ الفتن!
