انشغلت الأوساط السياسية والدبلوماسية الدولية، مؤخراً، بتصريحات وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حول اقتراح روسيا بعقد قمة أوروبية تحضرها روسيا والولايات المتحدة للبحث في خطة تهدف إلى إنشاء منظومة (جماعية وموثوقة) للأمن في أوروبا.

وقد أثار هذا التصريح تساؤلات من قبيل: ما الذي يرمي إليه الروس من وراء طرح هذا الاقتراح؟ لماذا اختار لافروف منبراً دولياً كالجمعية العامة للأمم المتحدة لكي يعلن عنه؟ وهل هناك ارتباط بين هذا الاقتراح وما جرى في القوقاز مؤخراً من حرب بين جورجيا وروسيا وتوتر في العلاقات بين دول حلف شمال الأطلسي وروسيا وصل إلى حد التلويح بعودة الحرب الباردة من جديد؟

هذه الأسئلة وغيرها الكثير لا تزال تطرح من قبل المراقبين الذين يرون أن روسيا أرادت أن تحقق من خلال ذلك الاقتراح أكثر من هدف. فهي أرادت من ذلك أن توصل رسالة إلى العالم كله مفادها أن اللعبة الدولية قد تغيرت وأن ما كانت روسيا تقبل به قبل الحرب في القوقاز ما عاد مقبولاً لديها وأنها من الآن فصاعداً ستحرص على أن يكون لديها صوت مسموع حول كافة القضايا الدولية التي تمس مصالحها.

ومن جهة أخرى اعتبرها المراقبون هجوماً مقنّعاً على مخطط واشنطن لنشر 10 صواريخ اعتراض في بولندا ورادار استهداف في جمهورية التشيك في إطار منظومة دفاع صاروخية قائمة بالفعل في الولايات المتحدة وبريطانيا وجرينلاند.

وتستهدف الخطة الروسية بإنشاء منظومة أمنية سحب البساط من تحت أقدام حلف الناتو الذي أغضب روسيا بسعيه إلى ضم الجمهوريتين السوفييتيتين السابقتين جورجيا وأوكرانيا إليه. وتعتبر موسكو أن الخطة الأميركية ببناء منظومة الدفاع الصاروخية وتعهد الناتو بضم دول كانت تعتبر فيما مضى ساحة النفوذ الروسي يعدان بمثابة تهديد قوي للأمن القومي الروسي ولمصالح روسيا الاستراتيجية.

وكان لافروف قد قال في خطابه إن البنية الحالية للأمن الأوروبي (لم تنجح في اجتياز اختبار القوة في الأحداث الأخيرة)، وذلك في إشارة منه إلى الصراع الأخير في جورجيا. وأضاف ان القمة الأوروبية المقترحة ينبغي أن (تلقي نظرة شاملة على المشكلات الأمنية).

لكن لافروف لم يقل متى وأين ستعقد هذه القمة، غير أنه قال إن مهمتها ستكون دراسة اقتراح كان قد قدمه الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في برلين في يونيو الماضي بالتوصل إلى (معاهدة حول الأمن الأوروبي، شيء من قبيل هلسنكي 2).

يذكر أنه قد تم التوقيع على معاهدة هلسنكي من قبل 35 دولة في العاصمة الفنلندية عام 1975 في محاولة لتحسين العلاقات بين الكتلة الشيوعية بقيادة موسكو والغرب في فترة كانت الحرب الباردة فيه على أشدها بين المعسكرين الشرقي والغربي.

ويعتقد الروس أن الزمن قد تغير فالحرب الباردة قد انتهت وآن الأوان لكي يتم تغيير المنظومات والاتفاقيات الأمنية التي كانت سائدة في حينه. وقال لافروف محاولاً شرح المعاهدة المقترحة من رئيس بلاده: إنها عملية تضم كافة المشاركين الذين سيعيدون التأكيد على التزامهم بالمبادئ الرئيسية للقانون الدولي كعدم استخدام القوة وتسوية النزاعات بطريقة سلمية والالتزام بسيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في الشؤون الداخلية .

وعدم جواز تقوية أمن أحد الأطراف من خلال المس بأمن الآخرين. وكانت الرسالة التي نقلها لافروف في خطابه من خلال الاقتراح الذي قدمه ودفاعه عن موقف بلاده في الحرب مع جورجيا هي أن روسيا لم يعد باستطاعتها أن تتحمل أي محاولات أخرى لتسوية الأوضاع المتأزمة في مناطق الصراع (عن طريق خرق الاتفاقيات الدولية أو من خلال الاستخدام غير المشروع للقوة). وهدد قائلاً: (إذا لم يتم ضبط مثل هذه المغامرات، فإننا سنخاطر باتخاذ سلسلة من ردود الأفعال).

على كل حال لا يزال من غير الواضح كيف سيكون الرد الأميركي والأوروبي على الاقتراح الروسي، حيث ان الجميع منشغل حالياً بالأزمة المالية الراهنة التي باتت الشغل الشاغل لتلك الدول، ولكن يستبعد المراقبون أن تتم الاستجابة الأميركية-الأوروبية للاقتراح الروسي نظراً للبرود والتوتر اللذين يعتريان العلاقات بين الطرفين.

ضرار عمير