مدارات عالمية

الاتفاق النووي الأميركي الهندي يطلق سباق تسلح جديداً

صورة

خطت الولايات المتحدة والهند، مؤخراً، خطوة متقدمة نحو تعزيز علاقات التعاون بينهما بإقرار الكونغرس بمجلسي الشيوخ والنواب اتفاقية التعاون النووي السلمي بين البلدين والتي كان الرئيسان الأميركي والهندي جورج بوش ومانموهان سينغ قد أعلنا عنها كمبادرة في يوليو 2005 في بيان مشترك.

وقد واجهت هذه الاتفاقية عقبات في طريق إقرارها من الجانبين الهندي والأميركي. فعلى الجانب الهندي، واجهت الاتفاقية معارضة من أحزاب يسارية على رأسها الحزب الشيوعي الذي اعتبر أن الاتفاق سيقلص من حق الهند في متابعة برنامجها النووي، بما في ذلك حرية اختبار الأسلحة ويرى اليسار الهندي أن بلاده ستفقد بهذه الطريقة استقلالها في مجال الشؤون الخارجية والأمنية. وسيؤثر على تحالفات الهند الإستراتيجية بما فيها الأواصر التي تجمع الهند بإيران، حسبما يرى الأمين العام للحزب الشيوعي الهندي براكاش كارات.

وعلى الجانب الأميركي، هناك منتقدون للاتفاق أيضاً وهم من الجماعات المعارضة للانتشار النووي، حيث يرون أن الاتفاق سيضعف صيغة عدم الانتشار النووي العالمي، ويساعد الهند على بناء ترسانة أسلحة نووية ويطلق العنان في الوقت نفسه لسباق التسلح النووي الخطير في شبه القارة الهندية وآسيا بشكل عام، خاصة في ضوء أن الهند هي من البلدان النووية غير الموقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

تجارب نووية وعقوبات

وكانت الهند قد قامت بأول تجربة نووية في عام 1974 ثم اتبعتها بسلسلة من التجارب في عام 1998، مما اقتضى فرض عقوبات دولية عليها تحظر بيعها أي من المواد أو التقنيات النووية من قبل مجموعة الدول الموردة للمواد النووية.

وبالنظر إلى حقيقة أن الهند تمتلك احتياطي من اليورانيوم يقدر بحوالي 80 ألف طن، فإن لديها أكثر مما يكفي من المادة الانشطارية لتزويد برنامج أسلحتها النووية بما يحتاجه من تلك المادة، حتى لو قامت بحصر إنتاج البلوتونيوم على 8 مفاعلات فقط من مفاعلاتها الحالية التي يبلغ عددها 17 مفاعلاً.

غير أنه في ضوء أن كمية الوقود النووي التي يحتاجها قطاع توليد الكهرباء تعتبر أكبر بكثير من الكمية المطلوبة للحفاظ على برنامج أسلحة نووية، وفي ضوء حقيقة أن الاحتياطي الهندي المقدر من اليورانيوم يمثل 1% فقط من الاحتياطي العالمي المثبت، فإن قيود التصدير الخاصة باليورانيوم التي فرضتها مجموعة الدول الموردة للمواد النووية قد أثرت بشكل أساسي على قدر البلاد في مجال توليد الطاقة النووية السلمية.

وبسبب حجم الاقتصاد الهندي وقطاعها المحلي الكبير نسبياً، فإن العقوبات الدولية التي فرضت على الهند لم يكن لها تأثير كبير على الهند، التي استمر الناتج المحلي الإجمالي لديها بالنمو رغم العقوبات، ارتأت إدارة بوش إسقاط العقوبات المفروضة على الهند في نهاية عام 2001.

وقد حاولت أحزاب المعارضة الهندية حجب الثقة عن الحكومة بسبب الاتفاقية النووية مع الولايات المتحدة، ولكن حكومة المؤتمر الوطني نجت من هذه المحاولة التي جرت في 22 يوليو 2008 حيث جاء التصويت لصالحها بنتيجة 275 صوتاً في مقابل 256 صوتاً في البرلمان الهندي الذي يبلغ عدد أعضائه 543 عضواً، الأمر الذي سمح للحكومة بالمضي قدماً في الاتفاقية مع الولايات المتحدة.

ويرى المؤيدون للاتفاق النووي مع الولايات المتحدة من الهنود أن الاتفاق سيتيح للهند إمكانية استيراد الوقود النووي والتكنولوجيا النووية وهذا سيفيدها في تنفيذ برامجها الفضائية وفي مجالات الطب والتكنولوجيا الحيوية، وسيمنحها القدرة على مواجهة أي قوة عظمى من أجل حماية مصالحها القومية.

أسباب الاتفاق

لكن ما الذي دفع واشنطن إلى الإسراع في إنجاز الاتفاق مع نيودلهي وفي هذا التوقيت بالذات؟ يرى المراقبون أن هذا القرار الذي اتخذته الإدارة الأميركية إنما يرجع إلى عدة أسباب، نذكر منها:

قرب انتهاء فترة بوش الرئاسية ورغبة الرئيس الأميركي في تقديم إنجاز يحسب له في ظل الإخفاقات الكبيرة التي منيت بها إدارته على صعيد الحرب في العراق وأفغانستان وعلى صعيد الاقتصاد.

تأمين حصة الأسد للشركات الأميركية في تجارة المواد والتقنية النووية مع الهند التي تقدر قيمتها بحوالي 150 مليار دولار خلال العقد المقبل في مواجهة منافسة حامية من شركات فرنسية وروسية. موازنة النفوذ الصيني المتعاظم في المنطقة من خلال دعم الهند، التي تعتبرها واشنطن أكبر ديمقراطية في العالم.

ضرب المصالح الروسية في الهند، حيث كانت الهند تعتبر الحليف الأكبر للاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة، خاصة بعد التوتر الحاصل في العلاقات الأميركية الروسية بعد الحرب الجورجية الأخيرة. تأمين الدعم الهندي للحرب الأميركية على الإرهاب خاصة في أفغانستان، حيث تعتبر الهند من أكبر المستثمرين في مشروعات إعادة الاعمار في هذا البلد الذي دمرته الحرب ولا تزال تدمره.

تؤكد الولايات المتحدة أيضاً أن الاتفاق النووي بين واشنطن ونيودلهي لا يمس الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الخاصة بمنع الانتشار النووي، حيث إنه يشترط أن تسمح الهند لفرق المفتشين الدوليين التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية بإجراء عمليات تفتيش لمنشآتها النووية المدنية وليست العسكرية، كما يشمل تعهد الهند بعدم استئناف تجارب الأسلحة النووية.

لكن الاتفاق كرس في الواقع مبدأ عدم احترام الإدارة الأميركية لكل اتفاقات منع الانتشار النووي، بل إن توقيت الإعلان عن الاتفاق، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة إيران وهي عضو بمعاهدة منع الانتشار النووي، يثير التساؤل حول مصير نظام منع الانتشار بأكمله.

ويشير مراقبون إلى أن الحرية التي تتمتع بها الهند في منع قيام أية عمليات تفتيش على أية مفاعلات نووية مستقبلية، تناقض مزاعم الإدارة الأميركية بأن الاتفاق يفيد الحد من الانتشار النووي، فالاتفاق الأميركي الذي سبقه اتفاق تعاون فرنسي هندي في المجال النووي وقع في فبراير 2006 هو اعتراف صريح بدخول عضو جديد للنادي النووي رغم عدم توقيعه على اتفاقية منع الانتشار.

وبات بإمكانه أن يمارس الاتجار في المواد النووية وتصدير التكنولوجيا النووية للخارج، وهو الأمر الذي اعترض عليه عدد من النواب بمجلسي النواب والشيوخ الأميركيين، لأنه يؤدي لمزيد من مخاطر الانتشار النووي عالميًّا.

نظرة متشائمة

يبدي بعض المحللين قدراً أعلى من التشاؤم إزاء نتائج هذا الاتفاق، حيث يذهبون إلى القول إن الصين ستفعل الشيء نفسه مع باكستان وتمدها بمزيد من القدرات النووية، وأن هذا الأمر لن يؤثر فقط على إجراءات بناء الثقة في جنوب آسيا وشرقها، بل ستمتد آثاره إلى بلدان الشرق الأوسط بداية من استمرار تمسك إيران بخيارها النووي وصولاً إلى دخول الصين وأميركا سباقًا للتسلح الإقليمي قد يفضي إلى أن يكون السلاح النووي جزءًا من حفظ أمن الدول.

ولعل هذا الرأي السابق يتماشى مع أبسط المقولات القديمة التي فسرت انتشار الأسلحة النووية والتي تقول بأن الانتشار يولد الانتشار. فالاتحاد السوفييتي سعى للحصول على السلاح النووي لمواجهة الحرب الوقائية الأميركية، وسعت كل من بريطانيا وفرنسا لمواجهة الخطر السوفييتي.

كما قامت الصين ببناء ترسانتها النووية خوفًا من التهديد الأميركي، ثم سعت الهند لتطوير برنامج نووي لمواجهة التهديد الصيني خاصة بعد خسارتها حرب 1962 بين البلدين، وهكذا فعلت باكستان في محاولة التكافؤ ولو القليل مع الهند.

لقد جاء الرد من الأطراف الإقليمية سريعاً على الاتفاق النووي الهندي-الأميركي، حيث اعترضت باكستان على ذلك الاتفاق لأنه سيمكن الهند من إنتاج كميات كبيرة من المواد القابلة للانشطار والأسلحة النووية من المفاعلات التي لا تخضع لأي معايير أو ضوابط بهذا الشأن.

ولم يكن الصوت الباكستاني هو المعارض الوحيد على تفاصيل الاتفاق، بل انضمت إليه أصوات أخرى، حيث سبق وأن هاجمت صحيفة رسمية ناطقة باسم الحزب الحاكم في الصين الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والهند ووصفته بأنه (ضربة قوية) لما أسمته جهود حظر الانتشار النووي.

وقالت صحيفة الشعب التابعة للحزب الشيوعي الصيني (سواء كان الدافع اعتبارات متعلقة بالجغرافيا السياسية أو مصالح تجارية، فقد وجه الاتفاق النووي الأميركي الهندي ضربة قوية للنظام الدولي لحظر الانتشار النووي).

ويقول خبراء إنه من غير المتوقع أن تعطل الصين الاتفاق النووي الهندي الأميركي وتغامر بدفع نيودلهي إلى أحضان واشنطن أكثر في الوقت الذي تسعى فيه بكين إلى تفادي الدخول في مواجهة مع جارتها الآسيوية الصاعدة، لكن كثيرين يرون أيضا أن بكين قلقة من تأثير الاتفاق على الأمن الإقليمي والحد من التسلح.

احتواء مزدوج

يبدو أن الإدارة الأميركية استهدفت من وراء هذا الاتفاق ضرب عصفورين بحجر واحد، فهي أولاً تسعى إلى شراكة مع الهند، ولكن مع احتواء النزعة القومية لها وتوقفها عن استكمال مشروعها النووي الضخم الذي يحولها بالفعل إلى قطب عالمي جديد.

فليس خافيًا أن الهند قدمت عقيدتها العسكرية النووية في أغسطس 1999 بشيء من الغموض الهادف إلى تعزيز قدراتها النووية طبقًا للتغيرات الجديدة على الصعيد الدولي، وأنها لا تزال تتعمد الغموض رسميًّا في الكشف الدقيق عن حجم ترسانتها وقوتها النووية. ومن ثَم فإن بناء شراكة مع الهند إيجابي بالنسبة للولايات المتحدة، ولكن مع تقييد الطموح النووي الهندي بشكل هادئ.

لذلك تم الاتفاق على أن تمد الولايات المتحدة الهند بالتكنولوجيا النووية اللازمة للأغراض المدنية حلاًّ لمشكلة تزايد الطلب على الطاقة بالهند. وبالمقابل ستقوم الهند بفصل برامجها العسكرية عن المدنية، وفتح عدد من مفاعلاتها النووية لعمليات التفتيش الدولي.

وبالرغم من أن الهند هي التي ستقرر أيًّا من مفاعلاتها لأغراض مدنية وأيها لأغراض عسكرية، فإن الحصيلة النهائية هي تعرضها للتفتيش ودخولها معاهدة منع الانتشار النووي، بل وتعرضها فيما بعد لضغوط أميركية وغربية تحول دون تطويرها الترسانة النووية التي تسعى لامتلاكها في العقود القادمة.

الاحتواء الثاني الذي قصدته إدارة بوش كان موجهاً إلى الصين. ولا يخلو التوقيع على الاتفاق من تلك الدلالة، فثمة تخوف أميركي من الصعود الصيني من جانب، وتخوف من قيام تحالف مستقبلي بين العدوين اللدودين سابقًا (الهند والصين) من جانب آخر.

فقد شهدت السنوات الماضية تحسناً كبيراً في علاقة الدولتين الجارتين، إذ وقعتا عام 1993 اتفاقية لحفظ السلام والهدوء، وتم تدشين حوار أمني وإجراءات لبناء الثقة بين البلدين عام 2000، ووقع اتفاق عام 2004 ينص على توطيد علاقاتهما العسكرية، توج بإجراء مناورات عسكرية مشتركة في ديسمبر 2007.

ولعل دخول أميركا إلى الهند بقوة قد أحدث مفعولاً سريعاً، فبعد أشهر من بدء الحديث عن الاتفاق النووي مع الهند منذ يوليو 2005، قام الشريكان الصين وباكستان أواخر عام 2005 بتوقيع 22 اتفاقاً للتعاون أحدها تتعهد فيه الدولتان ألا يقوم أحدهما بعمل قد يؤثر في أمن البلد الآخر وسلامته، أي هو اتفاق موجه إلى الهند والولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يعيد أي تحسن في العلاقات الهندية الصينية والهندية الباكستانية خطوات إلى الوراء.

إضاءة

حاولت أحزاب المعارضة الهندية حجب الثقة عن الحكومة بسبب الاتفاقية النووية مع الولايات المتحدة، ولكن حكومة المؤتمر الوطني نجت من هذه المحاولة التي جرت في 22 يوليو 2008 حيث جاء التصويت لصالحها بنتيجة 275 صوتاً في مقابل 256 صوتاً في البرلمان الهندي الذي يبلغ عدد أعضائه 543 عضواً، الأمر الذي سمح للحكومة بالمضي قدماً في الاتفاقية مع الولايات المتحدة

ضرار عمير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات