إلى أين تسير عملية المصالحة في لبنان؟ وهل يعتبر تأجيل مؤتمر الحوار من سبتمبر الماضي إلى الخامس من نوفمبر المقبل إقرارا بفشل المصالحة، وأن هناك عقبات كأداء تحول دون إتمامها؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون فرصة لالتقاط الأنفاس وترتيب الأوراق من أجل التدشين الشامل للمصالحة في شكلها النهائي؟
هذه محاولة لرصد الخط العام لمسيرة الموقف في لبنان على مدى الشهور الماضية منذ أحداث 7 مايو الماضي التي وضعت البلاد على شفا الحرب الأهلية. ورغم أن تشابكات الواقع اللبناني تدعو أي مراقب إلى التزام الحذر بشأن تحديد رؤيته في ضوء تنوع وتعدد المتغيرات التي تتحكم بتطورات الأوضاع هناك.
إلا أنه يمكن الإشارة إلى أنه يسير في منحنى إيجابي من منظور المصلحة القومية اللبنانية، الأمر الذي يتمثل للوهلة الأولى في أن شبح الحرب الأهلية أصبح شيئا من الماضي قياسا على ما شهدته البلاد خلال مايو المنصرم.
وهذا في حد ذاته تطور يعتد به إذا ما وضعنا في الاعتبار المآل الذي كانت البلاد مهددة بالوصول إليه في ظل صراع مرير على السلطة استمر 18 شهرا بين الائتلاف المناهض لسوريا بقيادة سعد الحريري زعيم تيار المستقبل والتحالف الموالي لها بزعامة حزب الله.
غير أن هذه الصورة لا تعني أن الدولة اللبنانية وصلت إلى المرحلة المبتغى لها والمتمثلة في تحولها إلى دولة مؤسسات على النحو المعروف والذي يجعل منها كيانا طبيعيا مثل غيره من الكيانات القائمة والممثلة على صعيد النظام الدولي، وذلك في ضوء حقيقة أن الاحتراب الطائفي هو المهيمن على الأمور حتى الآن بغض النظر عن التحولات الإيجابية التي سنشير إليها.
تطورات إيجابية
وفي المجمل يمكن الإشارة إلى مجموعة الملاحظات التالية على مسار المصالحة في لبنان وهى ملاحظات تشير كما ذكرنا إلى تطورات إيجابية تبشر باحتمال وصول قطار المصالحة إلى محطته الأخيرة بسلام.
أولا - أن كافة الأحداث على الساحة اللبنانية، باستثناء بعض الخروقات، تشير إلى أن اتفاق الدوحة ما زال يشكل أساسا للحوار وأنه رهن التنفيذ، ما يؤكد حقيقة أنه تم انتشال البلاد من براثن الحرب الأهلية حيث سمح بانتخاب رئيس للبلاد وتشكيل حكومة وحدة وطنية.
ثانيا - تزايد الثقة في مؤسسة الجيش خاصة بعد الاشتباكات في طرابلس بين السنة والعلويين وفي هذا يشار إلى أن وثيقة التفاهم الخاصة بهذا الأمر والتي وقعت 8 سبتمبر الماضي تمت على أساس تسليم الأمن في المدينة إلى الجيش اللبناني لضمان استقرارها. ولاشك أن أحد مقومات استعادة لبنان لعافيته ووحدته الحقيقية إنما يتمثل في تمتع الجيش بالإجماع من قبل كافة الفصائل الوطنية.
ثالثا - تغليب لغة الحوار.. فقد توارى السلاح وأصبح الحوار هو اللغة السائدة. ورغم أن مؤتمر الحوار المؤجل في سبتمبر الماضي يعد ثالث حلقة من الحوار الذي بدأه الفرقاء اللبنانيون برعاية بري، إلا أن أجواءه، فضلا عن طبيعة القضايا المطروحة تشير إلى ضيق الشقة بين الأطراف المتحاورة ما يعني تجاوز الكثير من القضايا محل الخلاف، الأمر الذي يعزز فرضية السير في الطريق الصحيح.
رابعا ـ تسيد مناخ المصالحة.. حيث يرتبط بالنقطة السابقة وفيما يمثل نوعا من التطبيق العملي لها على أرض الواقع، المنحى الذي سلكه نهج المصالحة اللبنانية والمتمثل فيما نصفه بـ (تفكيك الخصومات) على نحو يصب في النهاية في تعزيز أسس المصالحة الشاملة. فهناك مصالحة تيار المستقبل وحزب الله، ومصالحة طرابلس بين العلويين والسنة وغيرها من المصالحات بين الفرقاء؟ راجع الموضوع المنشور على الصفحة المقابلة والتالية؟ ولا شك أن كل مصالحة تمثل خصما من رصيد النزاع والتوتر بين الفصائل المتنازعة في لبنان.
عقبات قائمة
لا يعني ما سبق أن الأمور وصلت إلى منتهاها بالنسبة للمصالحة، فما زالت هناك بعض العقبات التي تواجه الخوض فيها صعوبات قد تفجر المصالحة من أساسها وإن كان ذلك يرتبط، في رأينا، بمتغيرات أخرى لا بد لها لتحقق هذا السيناريو الذي لا يتمناه أي لبناني أو عربي.
أول هذه العقبات وقد تكون الوحيدة في ضوء ثانوية العقبات الأخرى، الاستراتيجية الدفاعية ويمثل سلاح حزب الله القلب منها. دون تكرار نشير إلى ما هو معلوم لكل متابع لهذا الملف من أن سلاح حزب الله يمثل قضية خلافية داخلية وخارجية في الوقت ذاته، وقد زاد البعد الداخلي لها إثر أحداث مايو الماضي التي راح البعض يرى فيها ـ عن حق ـ أن حزب الله قد يستخدم سلاحه للاستقواء في الداخل وليس فقط للمواجهة في الخارج وتحرير الأرض.
من المتصور (راجع ص 15) أن هناك أفقا لحل هذه القضية على الصعيد الداخلي وأن المشكلة تبقى معلقة بمواقف أطراف خارجية، وتلك هي جوهر المعضلة اللبنانية، والمتمثلة في تحول لبنان بفعل عوامل عديدة إلى ساحة للصراعات بين أطراف إقليمية ودولية عديدة على نحو تتراجع معه إرادته هو كدولة.
وفي ضوء المناخ السائد حاليا في لبنان فإن الآمال تتزايد بأن تنبذ القوى السياسية الداخلية لعب دور الوكيل لصالح أجندات خارجية، وهى الآمال التي من الصعب الحسم بأنها قد تدخل نطاق الواقع أم لا. في تأكيد على هذه الرؤية وفيما يعزز ما نذهب إليه بشأن اتجاه الخط العام في لبنان نحو المصالحة.
نشير إلى أنه مما يفسر تسيد المناخ التصالحي اللبناني انشغال الأطراف الخارجية بقضايا أخرى تراجع معها نسبيا الاهتمام بالوضع في لبنان. وعلى سبيل المثال نشير إلى تشابك مجموعة من العوامل ألقت بتأثيرها على موقف الإدارة الأميركية بالوضع في لبنان على نحو لم يعد يحتل معه مرتبة أولى.
على عكس تلك التي كان يحتلها خلال حرب الصيف قبل الماضي والتي استهدفت الإجهاز على حزب الله، على نحو يتيح لواشنطن صياغة الأوضاع هناك وفقا لما تراه مناسبا بشأن مجمل خريطة الوضع في الشرق الأوسط ككل.
دور الأطراف الخارجية
من بين هذه العوامل، حسبما نرى، اقتراب رحيل إدارة بوش، وتزايد المشاكل التي تواجهها هذه الإدارة في أيامها الأخيرة ومنها أزمة القوقاز والأزمة المالية وغيرها. وذلك على خلاف تأكيد مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد هيل بأن هموم أميركا لا تشغلها عما يصفه بالتزاماتها تجاه لبنان. على الجانب المقابل فقد تم استغراق إيران في قضية برنامجها النووي.
ورغم أن لبنان يعد أحد الأدوات المهمة لطهران إلا أن تطورات النظام الدولي أتاحت لها التحليق في أجواء أخرى من أجل مواجهة أزمة البرنامج النووي. وعلى المنوال ذاته، فقد انشغلت سوريا بترتيب علاقاتها مع الغرب المتوترة على خلفية القضية اللبنانية، فضلا عن انغماسها في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، لاستعادة أرضها المحتلة.
ومع ذلك يبقى السؤال حول مستقبل المصالحة في لبنان قائما. رغم أن المؤشرات تشير إلى أنها، كما ذكرنا، تسير بوتيرة جيدة، إلا أن الأمر يبقى مفتوحا على كل الاحتمالات، وإن كان سيناريو المصالحة الشاملة هو الأقرب إلى التحقق لحين إشعار آخر.
إضاءة
رغم أن مؤتمر الحوار المؤجل في سبتمبر الماضي يعد ثالث حلقة من الحوار الذي بدأه الفرقاء اللبنانيون برعاية بري، إلا أن أجواءه، فضلا عن طبيعة القضايا المطروحة تشير إلى ضيق الشقة بين الأطراف المتحاورة ما يعني تجاوز الكثير من القضايا محل الخلاف، الأمر الذي يعزز فرضية السير في الطريق الصحيح.
مصطفى عبد الرازق
