من يحاور الدكتور عمر عبد العزيز يعرف كيف يبدأ حديثه، لكنه سيحتار قطعاً في كيفية الإدارة وإنهاء مقابلته، لا لشيء سوى أنه شخصية آسرة بلباقته ومعلوماته وتاريخه الكبير، فهو إعلامي بارز وفنان تشكيلي وناقد وقارئ من طراز فريد، حاصل على ماجستير في العلاقات الاقتصادية الدولية ودكتوراه دولية في العلوم الاقتصادية، حياته العملية حافلة بدأها مع الإعلام كمحرر صحافي بوكالة عدن عام 1971 ثم عمل إعلاميا في وزارة الخارجية اليمنية عامي 1972 و1973.
بعدها عمل معاونا لشؤون التخطيط والثقافة والإعلام عام 78 وحتى عام 80 الذي تسلم فيه منصب مدير عام تلفزيون اليمن الجنوبي حتى عام 85، وفي هذا العام أوكل إليه منصب مدير عام معهد الفنون الجميلة بعد عام 90 حيث رأس تحرير مجلة الوطن الخاصة بالمغتربين اليمنيين، وترأس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين من عام 93 على عام 95 كما عمل محاضرا منتدبا لمادتي (علم الجمال) بكلية التربية و(الاقتصاد الدولي) بكلية الاقتصاد بجامعة عدن عامي 84و85، ومنذ عام 1995 هو مقيم في الإمارات وعمل فيها صحافيا في جريدة الخليج متنقلا بين المهام العديدة ككاتب لزوايا سياسية وثقافية ومسئولا عن التقييم اليومي للأداء الصحافي ومشرفا عاما على قسمي الثقافة والفنون.
ثم أمين سر مجلس التحرير في الجريدة وبعدها مشرفا عاما على مجلة كل الأسرة، ويرأس حاليا قسم البحوث والدراسات بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة ويرأس تحرير مجلة الرافد، وكذلك يرأس مجلس إدارة النادي الثقافي العربي هذا بعض من سيرة الدكتور عمر في حياته المهنية يضاف إليها إبداعاته كفنان تشكيلي أقام الكثير من المعارض الخاصة نذكر منها معرضيه الأول والثاني في عدن عامي 86 و88، كما شارك في المعارض الجماعية بصنعاء والشارقة، أما مؤلفاته فهي كثيرة نذكر منها (كتابات أولى في الجمال) و(مقاربات في التشكيل) و(ناجي العلي الشاهد والشهيد) و(الصوفية والتشكيل) و(تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية).
و(منازل الرؤية) و(متوالية القديم والجديد) وكتب أخرى لا يتسع المجال لذكرها، وإضافة إلى كل ما سبق يبقى للدكتور عمر حضوره كمقدم برامج في تلفزيون الشارقة، فقد أعد وقدم برنامج (مدارات) و(زمن الإبداع) وهذا البرنامج نال الجائزة الثانية في مهرجان القاهرة للبرامج الثقافية العربية، وقدم أيضا برامج (تشكيل) و(رواق الفنون) و(متوالية الطبيعة) أما المقالات الصحافية فهو فارسها ومازال القارئ على موعد معها من خلال الصحف والمجلات مثل مجلة الرافد ومرامي وعشتروت السورية والثقافية اليمنية وجريدة أخبار العرب والخليج والجمهورية اليمنية.
وأمام هذه القامة الإبداعية والفكرية يتوقف المرء حائراً من أين يبدأ سيرة متلاحمة إلى حد الاشتباك، وماذا يقول الدكتور عمر عن بدايات حياته يعود ضيفنا بذاكرته ويستحضر النشأة والطفولة بقوله: ولت لأبوين يمنيين يقيمان في بلد شقيق هو الصومال وفي مقديشو على وجه التحديد عندما كانت الصومال تحت الاستعمار الإيطالي، وتبعاً لذلك كان علي أن أدرس في المدرسة الإيطالية وكنا نتحدث في البيئة العامة باللغتين العربية والصومالية وكانت هناك روافد ثقافية متعددة ومتنوعة بطبيعة الحال.
الرافد العربي الإسلامي بالمعنى الواسع للكلمة، واليماني على وجه التحديد، والرافد الصومالي العربي الإفريقي الذي كانت له بصماته فيما يتعلق بالتذوق الموسيقي تحديداً، ثم الرافد الإيطالي اللاتيني بالمعنى الواسع، وهو رافد لعب دوراً كبيراً جداً فيما يتعلق باستشراف جماليات اللغة الإيطالية من جهة والثقافة الأوروبية من جهة أخرى.
فكل هذه العوامل مجتمعة كان لها تأثير في مستهل حياتي، وكل حالة من هذه الحالات كانت لها ظلال مؤكدة، فعلى سبيل المثال فيما يتعلق بالتقاليد العربية الإسلامية الدينية كانت ذات طابع متصوف بالمعنى الواسع، وكانت ذات طابع اجتماعي مختلف عن أنماط الحياة الأوروبية.
ولكن في نفس الوقت كنا في مدرسة أوروبية بامتياز، وكانت العاصمة الصومالية مقديشيو نسخة مصغرة من روما الايطالية، ليس فقط من حيث التخطيط الحضري، بل أيضاً من الناحية الثقافية اللغوية، وبعض أنساق الحياة اليومية، ومن هنا نستطيع أن نلتقط بعض المسائل المتعلقة بالملامح الأولى للطفولة.
أنا ولدت كما أسلفت في العاصمة الصومالية وتربيت هناك، وكانت لي تداخلات بالثقافة العربية الإسلامية، اليمانية بتحديد العبارة، لأن الحارة التي كنت بها كانت يمانية بامتياز، وأيضاً الثقافة الصومالية الإسلامية العربية، والأفريكانية ذات الجذور التاريخية، والثقافة الإيطالية التي كانت تعتبر مستودعاً حقيقياً للثقافة اللاتينية الأوروبية بمعناها الواسع.
ولها ميزة أخرى وهي التفاعل مع ثقافات أخرى، وعندما انتقلت إلى اليمن بعد نهاية الثانوية العامة كنت كأنني أنتقل إلى الحارة ذاتها، لا يوجد شيء غريب بالنسبة لي، وبما أنني عشت بعيداً عن اليمن فأنا أعتبر تلك المُقدمات حالة للثقافة العربية الصومالية الأفريقية الأوروبية.
والحالة اليمنية تمثل معادلاً مركزياً في هذا الأفق، وهذا ما يمثله اليمن بالنسبة لي، فالانتماء يتجاوز المعنى السلالي ليصبح حالة دالة ويتجاوز الزمكانية إلى ما أسميه بالحضارة بوصفها الترميز الأقصى للحقيقة الكلية، ولهذا كانت من حسنات إقامتي الطويلة في المهاجر أني أصبحت على يقين بأن الإنسانية واحدة، واللغات واحدة، وأن ما يجمع الناس أكثر بكثير مما يفرقهم لولا القوانين والأعراف الدنيوية.
ويواصل الدكتور عمر ذكرياته قائلا: كأنما هذا المسار مرقوم في الغيب، وكأنه كان مقرراً أن أنشأ في هذه البيئة حيث علي أن أتحدث بثلاث لغات. أتعلم بالإيطالية وأتحدث العربية والصومالية، وتالياً الإنجليزية والرومانية، فتعلمت من الإيطالية وسياقها الصرفي البنائي والصوتي العلاقة ذات الطابع الاستثنائي بالموسيقى وبالتشكيل أو بالمعالجات البصرية اللونية.
لأن مدرستي الابتدائية الإيطالية كانت تعلم اللون والموسيقى بالتجاور مع الكتابة والنطق، وكأنه كان مرصوداً في لوح الغيب أيضاً أن تصل بي هذه المقدمات إلى دراسات علمية رياضية جبرية برهانية.. أن أدرس الاقتصاد في الجامعة ببوخارست، ثم أواصل الماجستير عبر رسالة عن إشكالية التبادل النقدي الدولي وأثرها على البلدان النامية، وان أتوج كل ذلك بنيل الدكتوراه في الاقتصاد الدولي.
لكن، وبالترافق مع كل هذا، كانت اهتماماتي متقادمة بعلم الجمال والفلسفة والديانات والرؤى والتشكيل. لم تأت هذه الأمور تلقائياً ولكن محمولاتها الأولى كانت قادمة من الطفولة. أنا أزعم أن مثل هذه الأشياء لا يُخطط لها الفرد بل تأتي بشكل تلقائي .. ضمن هذا النوع من التواشجات التصادمية الحميدة، التي تؤكد في نهاية المطاف الاقتراب المعنوي والدلالي والذوقي من كل رافد من هذه الروافد.
ولهذا أشعر، وعلى سبيل المثال، أن علم الاقتصاد تعلمت منه النظرة الكلية لعلم الظواهر، ومن الفلسفة تعلمت كيفية قراءة ظواهر الوجود وعلم قوانين الطبيعة والمجتمع، وتعلمت من الرياضيات علم الموسيقى، ومن الرياضيات تعلمت ما يسميه جابر بن حيان علم الميزان أو علم دوزنة الحقائق.
تقول د. آمنة النصيري: الدكتور عمر شخصية استطاعت مجاوزة الواقع العربي لأنه عاش ولا يزال يعيش للفكر والإبداع بغض النظر عن كل الانتكاسات المحيطة وعلى عكس استسلام المثقف العربي، فقد وظف الإشكالات التي من حوله لتصبح محرضا للإبداع، وهو يتعاطى مع الحياة بروح الصوفي المتأمل، ويفيد من تداعيات هذه الروح لديه على استيعاب كل المتغيرات حتى العنيفة منها.
وفي اعتقادي عندما يكتب فهو كأنما يحلق متعاليا على هشاشة السائد، وهذا يجعل نصوصه ذات طابع تأملي إذ يأخذ المتغير بروية، ويكتب مثلما السالك في دروب المعرفة والمحلل الذي يرى دوما القادم بعين المتفائل.
وأنا أعرفه من سنوات طويلة وفي كل مرة أقرأ له نصا أو كتابا أجده يضيء السبل فيما يكتب، وكإنسان لا يختلف كثيرا عن عمر الذي نعرفه على الورق فلا توجد ازدواجية بين الكائن الاجتماعي فيه وبين المفكر، فهو في الحياة شديد الدماثة وكثير المحبة لأصدقائه، ووديع في مواجهة كل الأحداث الجادة سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي.
ويقول الدكتور شهاب غانم: الدكتور عمر عبد العزيز مثقف كبير ومطلع على جميع المدارس ويمازج بينها ليخرج دائما بفكر وقناعات خاصة به، وهو أيضا لديه القدرة على الإمساك بالتراث والحداثة ويأخذ منهما ما يمكن أن نسميه أطروحات جديدة تتفق مع المستجدات.
ونلاحظ هذا التوجه في كتاباته النقدية وإصداراته المتعددة وفي ندواته الفكرية، وهو أيضا فنان تشكيلي له خطوطه المميزة التي تظهر جليا في لوحاته، ونرى حبه للتشكيل بارزا في مجلة الرافد التي يرأس تحريرها من خلال حرصه على إفراد مساحات للكتابة النقدية ونشر اللوحات الجميلة.
إضاءة
عمر عبد العزيز حاصل على ماجستير في العلاقات الاقتصادية الدولية ودكتوراه دولية في العلوم الاقتصادية، بدأ حياته المهنية محررا صحافيا بوكالة عدن عام 1971 ثم عمل إعلاميا في وزارة الخارجية اليمنية عامي 1972 و1973.
بعدها عمل معاونا لشؤون التخطيط والثقافة والإعلام عام 78 وحتى عام 80 الذي تسلم فيه منصب مدير عام تلفزيون اليمن الجنوبي حتى عام 85، وفي هذا العام أوكل إليه منصب مدير عام معهد الفنون الجميلة بعدأن حتى عام 90 حيث رأس تحرير مجلة الوطن الخاصة بالمغتربين اليمنيين.
وترأس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، كما عمل محاضراً منتدباً لمادتي (علم الجمال) بكلية التربية و(الاقتصاد الدولي) بكلية الاقتصاد بجامعة عدن، ومنذ عام 1995 هو مقيم في الإمارات وعمل صحافياً في جريدة الخليج متنقلا بين المهام العديدة فيها، ويرأس حاليا قسم البحوث والدراسات بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة ويرأس تحرير مجلة الرافد.
عز الدين الأسواني



