الصورة عن الأزمة المالية الأميركية الراهنة ليست واضحة، حتى اللحظة؛ من كافة جوانبها، المحلية والدولية. لا لناحية حلولها ومخارجها. ولا لناحية أكلافها وتداعياتها. ما زال يلفها الكثير من الضباب والالتباس، وإلى حين. بيد أن الذي لا شك فيه، هو أن ما كان قبلها لن يبقى على حاله بعدها. لا على صعيد النظام المالي الأميركي، واستطراداً العالمي؛ ولا على صعيد النظام الدولي، الذي ساد فترة ما بعد الحرب الباردة. الأوضاع تشهد عملية تغيير، فرضت نفسها. المؤكد فيها، ولو هي لا تزال قيد التكوّن. أنها دخلت طور المخاض بين بداية أفول مرحلة، وبين بزوغ فجر أخرى.
خلاصة تتقاطع عندها، معظم القراءات والتوقعات؛ لدى المراقبين والمحللين. وبالذات الأميركيين. وإذا كان هذا الانتقال جار بصورة ملموسة على صعيد النظام المالي الأميركي؛ فإنه محكوم بأن يترك ارتداداته التغييرية، على مستوى العلاقات والتوازنات الدولية. فالوضع الممتاز الذي تنعم به الولايات المتحدة الأميركية، في الخارج، والذي سمح لها بالكثير من التمادي والتفرّد؛ لم يكن سوى تعبير عن تفوّق قدراتها. ومن بينها متانة اقتصادها ونظامها المالي. اليوم اختلت هذه المعادلة.
تبعاً لذلك، صار من الصعب وربما من المستحيل؛ استمرار احتفاظها بالموقع الأحادي، في المعادلة الدولية. ومن هنا كانت الدعوات التي انطلقت، من أكثر من عاصمة لصياغة معادلات ومنظومات جديدة، تعكس الواقع المستجد. الرئيس ساركوزي ومن على منبر الجمعية العمومية للأمم المتحدة، تحدث عن الحاجة، إلى نظام مالي دولي آخر. كلام بمثابة نعي للنظام المعمول به؛ والذي كاد انهياره يهدّد بانهيار اقتصادي كارثي؛ يطال مجمل الأوضاع في العالم، بدرجة أو بأخرى.
أزمته بحدودها الراهنة، المفترض أنها لم تخرج بعد من تحت السيطرة، وصلت شظاياها إلى ساحات كثيرة. وحتى المحصّنة منها، في أوروبا مثلاً، لم تسلم من انعكاساتها. والكلام عن نظام آخر، في هذا السياق، لا يتعلق بالجانب التقني، من تنظيمات وقواعد وآليات، ضابطة. فهذه أمور وخطوات متروكة لواشنطن؛ باعتبارها صاحبة الاختصاص والعلاقة المباشرة. المقصود بالصيغة الجديدة المطلوبة، يتعلق بالموقع الفريد والأوحد، الذي تحتله واشنطن؛ في هذا المجال. فهي التي تتربع على قمة الهرم التنظيمي المالي، في العالم. تتحكّم بالمؤسسات المالية الدولية وسياساتها. وبالتحديد البنك الدولي. وإلى حدّ بعيد بصندوق النقد الدولي.
ترجمة ذلك، أن بقاء الهيمنة هذه على حالها، بات بمثابة مجازفة باهظة الثمن. صحيح أنها ليست المرة الأولى التي تقع فيها انهيارات مالية أميركية. ولا هي المرة الأولى التي يهرع فيها القطاع العام في اميركا إلى التدخل في شؤون القطاع الخاص، خلافاً لقوانين السوق وقواعده؛ والتي تعتبرها واشنطن بمثابة المحرمات.
لكن الصحيح أيضاً، والذي دقّ ناقوس الخطر،أن السقوط المدوّي، كاد هذه المرة، أن يتحول إلى «ذوبان» على حدّ تعبير مدير البنك المركزي الأميركي -- كما يطيح ليس فقط بالنظام المالي، بل أيضاً بالوضع الاقتصادي برمته؛ وبالتالي بعموم الاقتصاد العالمي؛ بفعل علاقات التشابك، التي أحكمت سياسات واشنطن ربطها عن طريق العولمة. ولم تنحصر أصوات التجديد بالنظام المالي. ولا هي اقتصرت على الرئيس ساركوزي او الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون،-- الذي طرح صيغة التوسّع القيادي -- .
موسكو تناولت الموضوع من الزاوية الأمنية - السياسية؛ حين دعا وزير خارجيتها، لافروف، إلى صياغة معاهدة أمن أروبية جديدة. فحوى دعوته أن الأحادية الأميركية، لم تفشل فقط ؛ بل هي تسببت بخسائر كبيرة، تمثلت بحالة التدهور السريع التي بلغتها العلاقات الغربية - الروسية في الآونة الأخيرة؛ والتي تنذر باندلاع حرب باردة جديدة.
ما لا جدال فيه، أن واشنطن تمادت كثيراً في الانفلات. خاصة في سنوات الرئيس بوش الثماني الأخيرة. ليس فقط في توجهاتها وسياساتها الداخلية؛ وهذا ما يكاد يجمع عليه الأميركيون في الكونغرس ووسائل الإعلام كما في أوساط الخبراء والمراقبين. بل أيضاً في تعاطيها مع العالم وقضاياه الساخنة، من الشرق الأوسط إلى أوروبا، مروراً بقضايا البيئة ومشكلات الفقر وأوضاع الأمم المتحدة ودورها المتآكل..
