رغم صعوبة تقديم ما يمكن اعتباره جردة لحصاد رؤية الدكتور يوسف القرضاوي بشأن المد الشيعي، إلا أن المؤشرات حتى الآن غير مبشرة وتشير إلى أن ''إثمها'' أكبر من نفعها. فمتابعة موقف الدكتور القرضاوي توضح أن الأمر يتجاوز حوار جرى مع صحيفة عبّر الشيخ من خلاله عن موقفه والسلام، وإنما هو تعبير عن موقف للرجل، من الواضح أنه على استعداد لبذل الغالي والنفيس من أجله.
ويؤكد ذلك عدم ممانعته في الإدلاء بمزيد من الحوارات يعيد فيها التأكيد على موقفه، وهى حوارات تزيد المعركة تأججا دون أن تضيف الكثير إلى جوهر القضية في ضوء أنها لا تتضمن جديدا يذكر عما نشر في الحوار الأول بشأن القضية الأساسية محور الجدال. هناك ملاحظات أساسية على مضمون هذه الحوارات أولها أن القرضاوي ليس لديه أرقام محددة تبرر حالة الفزع بشأن القضية التي حذر منها، وإنما كل ما لديه ''مشاهدات'' أو بمعنى أدق ''انطباعات''.
واستطرادا نشير الى ما ذكره رئيس جهاز الإحصاء في مصر من أن التعداد الأخير الذي تم في نوفمبر 2006 لم يسجل أي ذكر للشيعة في مصر. ليس الأمر محاولة للتهوين وإنما محاولة لمواجهة التهويل بما يضعنا على حقيقة الموقف على أرض الواقع. وقد يعكس ما ذهب اليه الدكتور سليم العوا الأمين العام للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين الرؤية المتوازنة للأمر وتتمثل في أنه لا يوجد مد شيعي وإنما إعجاب بنماذج الشيعة في إسقاط الشاه والمقاومة.
أما ثاني الملاحظات فهي التحول في لغة القرضاوي من الديني إلى السياسي بإشارته إلى أحلام إمبراطورية لدى إيران، وهو ما يستدعي الطرح الذي ذهب إليه عبدالرحمن الراشد في مقالة له بجريدة ''الشرق الأوسط'' وكذلك ما أشارت إليه صحيفة ''الجارديان'' البريطانية من أن الأمر قد يعكس ''صراعا بين حكومات وليس صراعا دينيا'' يجري من خلاله استخدام رجال الدين سواء بشكل مباشر أم غير مباشر، عن علم أو دون علم.
ثالث الملاحظات تأكيد القرضاوي على موقفه الأصيل المشهور عنه وهو تدعيم الحوار مع الجميع بما فيهم البوذيون والهندوس بل واليهود.. وكذلك الشيعة، ولكن مع تحفظ تجاه هذه المجموعة الأخيرة يتمثل في عدم تجاوز الخطوط الحمر، ما يثير المخاوف من تحول القضية الى نوع من التشبث بشروط مسبقة و''شخصنة'' الموضوع محل الجدال، على شاكلة شقاق فتح وحماس وشروط عباس للحوار.
على أرض الواقع تحقق ما أشرنا إليه في المقال السابق بحدوث تحرشات ''افتراضية'' على خلفيات مذهبية تمثلت في تبادل عمليات القرصنة على مواقع عبر شبكة الإنترنت، وهو ما يعزز حالة الانقسام الطائفي.. الملمح الذي من المفترض أن نسعى إلى تجاوزه. غير أن التطور الأكثر مدعاة للتأمل ذلك المتمثل فيما يمكن اعتباره نوعا من الانقسام في المجتمع السني. الجديد في هذه النقطة، اننا يمكن أن نرصد في هذا الخصوص الانقسام الحاصل في القطاع الذي درج على تسميته بـ ''التيار الإسلامي الوسطي المعتدل'' .. فقد أصبح هناك اعتدال ووسطية ''خشنة'' ؟
يمين الوسط - يمثلها تيار القرضاوي ويضم مثلا راشد الغنوشي والجماعة الإسلامية في مصر الذين أيدوا موقف الشيخ بحرارة، واعتدال ووسطية ''لينة'' ؟ يسار الوسط - يمثلها آخرون من بينهم الدكتور العوا والكاتب الإسلامي فهمي هويدي والإخوان المسلمون. والسؤال: هل من عاقل وحكيم في هذه الأمة.. يهب لإغلاق هذا الملف ونقله من فضاء الإعلام الواسع إلى أروقة جلسات العلماء للتوصل إلى ''كلمة سواء'' بين الطرفين، وإدخار جهد المشاحنات لتوجيهه في وجهات أخرى ؟
فيما مضى كانت الآمال تعلق في مثل هذه الحالات على الدكتور القرضاوي ذاته الذي كان يستطيع بما كان له من ''كاريزما'' دينية أن يجمع شتات المختلفين، أما وأنه طرف في المعركة ذاتها، فإن مثل هذه الآمال تكاد أن تتلاشى. هل نأمل في قرضاوي آخر؟ أم نأمل في أن ينجح القرضاوي - الذي نعرفه - في تطويق الأمر بحكمته التي عهدناها على مدى حياته؟. اللهم آمين.
