هل يمكن فصل الفن عن الدولة أو السياسة؟ سؤال كان يصعب ، لبداهة الإجابة عليه، طرحه بعيدا عما تتفتق عنه العقلية الصهيونية التآمرية في خدمة مشروعها الاستعماري في الوطن العربي.
فلقد استقبلت تل أبيب مؤخرا حفلا موسيقيا للموسيقي البريطاني بول مكارتني عضو فرقة البيتلز التي ألغت في عام 1965 حفلا موسيقيا مماثلا كانت ستقيمه آنذاك في ربوع الدولة العبرية، ولم يصدق قادة إسرائيل ومثقفوها أن هذا الحدث الفني الاستثنائي قد جرى فعلا على أرضهم، فراحوا يكيلون له شتى أصناف المديح والثناء مركزين على العوائد الجمة التي سيخلفها ليس على المشروع الصهيوني في المنطقة فحسب، وإنما على مشروعهم الاستحواذي في جميع أرجاء العالم.
أول الغيث الأسود قطرة، وهذه القطرة الخبيثة سالت من قلم السفير الإسرائيلي في لندن على صفحات مقالة كتبها بهذا الخصوص وتناقلتها مختلف وسائل الإعلام حول العالم نقلا عن صحيفة إسرائيلية، ويؤكد فيها هذا الدبلوماسي المزيف أنه هو صاحب الدعوة التي وجهت إلى بول مكارتني مطلع العام الجاري لزيارة إسرائيل وأنه كان ينتظر هو وأمثاله على أحر من الجمر أن يبادر بول مكارثي ويلبي هذه الدعوة، التي لا يمكن إخراجها عن سياقاتها السياسية والفكرية والعقائدية وربما العسكرية أيضا.
فلا احد يشك بان إسرائيل ستوظف هذه الزيارة إلى الحد الأقصى وستجني من ورائها المزيد من التأييد الغربي الأعمى لسياساتها العنصرية في المنطقة،إذ يؤكد أن قرار مكارثي بزيارة إسرائيل يخرج عن إطار الموسيقى ويشكل نجاحا سياسيا ذا أهمية كبرى في الحرب الدبلوماسية التي تخوضها إسرائيل في أوروبا ضد محاولات مقاطعة إسرائيل وقطع العلاقات معها ولحاجتها الدائمة لإثبات شرعية مزيفة لوجود كيانها العنصري على أرض فلسطين، ولم ينس '' السيد السفير'' ان يدرج هذه الزيارة في إطار الحرب ضد ما يسمى بالإرهاب أيضا مؤكدا أنها ''تجسد للعالم المعركة التي تديرها إسرائيل حيال الجهاد والإرهاب الإسلامي. '
'
قد يقول قائل: ولكن ما ذنب الموسيقي البريطاني في هذه الترهات التي يطلقها السفير الإسرائيلي،بعد أن أكد في تصريحات له عشية هذه الزيارة التاريخية أنه يحمل رسالة سلام إلى المنطقة، لكن الحقيقة هي إن قرار فرقة البيتلز بإلغاء زيارتها لإسرائيل قبل 43 عاما لم يكن قرارا عبثيا وكان بالتأكيد ينطوي على نوع من الإدانة المباشرة أو غير المباشرة للممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو أن أعضاء الفرقة نأوا بأنفسهم عن التدخل في هذا الصراع التاريخي كي لا يحسبوا مع طرف ضد طرف آخر، وبالتالي، فإن موقف بول مكارتني بالعدول عن قرار فرقته القديمة،التي لمع نجمه من خلالها مع رفاقه الثلاثة الآخرين وفي مقدمتهم جون لينون وغنوا للحب والسلام يثير العديد من التساؤلات.
ليس في وسع أحد أن يملي إرادته على فنان بهذه القامة، هذا صحيح، لكن الصحيح أيضا هو أنه من واجب بول مكارثي على معجبيه ممن يتكلمون لغة الضاد أن يقدم توضيحا حول ما ادعاه السفير الإسرائيلي في مقالته الصفراء:'' عندما يعرب احد الموسيقيين والمحبوبين الأكبر في العالم ليس فقط عن استعداده لزيارة تل أبيب بل ويروي علنا الأمور الايجابية التي سمعها عن إسرائيل، فان الحديث يدور عن نجاح دبلوماسي وإعلامي إسرائيلي من الدرجة الأولى. والأمر يبرز بإضعاف على خلفية حقيقة أن مدينة مكارتني، ليفربول، انتخبت هذا العام 'عاصمة الثقافة الأوروبية' وتشكل بؤرة جذب لمئات آلاف السياح من العالم بأسره''.
كلام ليس فيه أي نوع من المواربة ويصب مباشرة في هدف الزيارة الرئيسي ذا الطابع السياسي والأيدلوجي،الأمر الذي يحمل مكارتني مسؤولية كبيرة في الرد على ما ذهب إليه السفير وتفنيده إذا لم يكن صحيحا وذلك حفاظا على تراثه الموسيقي وتراث فرقته، الذي وقف دائما مع القضايا العادلة وضد الظلم والجور والحروب في أي بقعة من العالم.
