من يجرؤ على أن يقول لا للسياسة الأميركية؟ في منطقتنا العربية المنكوبة بالصامتين المتخاذلين.. لا أحد يجرؤ على أن يتفوه بكلمة تسيء إلى سادة البيت الأبيض، رغم أن هذا البيت لايجلب السعادة لسكان الشرق الأوسط. ولكن، في القارة اللاتينية، وعلى مقربة من الحدود الأميركية، العديد ممن يقولون لا وألف لا لأميركا وقادتها السابقين واللاحقين. كان أولهم الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، وآخرهم الآن هوغو شافيز رئيس فنزويلا الذي بات شوكة في جبين الولايات المتحدة مثلما كان معلمه كاسترو الذي ظل يؤرق إدارات أميركية عديدة بدءا من كيندي ونهاية ببوش الابن الذي يستعد للرحيل في يناير المقبل.
شافيز.. أو الولد الشقي - كما وصفته وكالة الأنباء الألمانية من قبل- متمرد على كل سياسات البيت الأبيض وسكانه الذين يتبنون سياسات تسيء الى الشعب الأميركي و لاصلة لها بحريات الشعوب أو تقرير مصائرها، وفي معظمها سياسات قائمة على التدخل في شؤون الغير.
يملك شافيز جرأة في انتقاد الولايات المتحدة لا تتوافر في أي رئيس دولة غيره في هذا العصر الذي تريده واشنطن عصر ال«وان واي» الطريق الواحد الذي على الآخرين أن يسلكوه وهو طريق البيت الأبيض. ولعل أقسى انتقاد وجهه شافيز إلى الرئيس بوش، يوم أن ألقى خطابه الأمم المتحدة قبل عامين، وكان ذلك بعد يوم من خطاب بوش. إذ وقف على المنبر وقال «إني أشم رائحة كبريت .. الشيطان كان هنا»، وكان يقصد بوش.
شافيز .. صعد من حملته المناهضة ، إلى درجة أنه طرد سفير واشنطن تضامنا مع الرئيس البوليفي اليساري ايفو موراليس الذي اتهم واشنطن بتشجيع المعارضة ضده وبالسعي لتقسيم البلاد. وتضامن شافيز.. قد لا يبرره أن يطرد السفير. ولا يبرره أيضا أن واشنطن تخطط حسب زعمه لاغتياله ومساندة انقلاب جديد ضده كاد أن ينفذه ضباط بتأييد أميركي غير معلن.
فليست هذه المرة الأولى التي يتهم فيها شافيز الولايات المتحدة بالتخطيط لاغتياله. على مدى السنوات الخمس الأخيرة اتهم الأميركيين بالسعي للتخلص منه. ومع كل ذلك، لم يطرد شافيز السفير الأميركي عندما أيدت الولايات المتحدة الانقلاب الذي وقع ضده لوقت قصير عام 2002. فبعد عودة شافيز إلى السلطة لم يمس السفير ، واكتفى بإطلاق تصريحاته النارية المعتادة.
واشنطن، ترى في شافيز الآن «كاسترو آخر»، خاصة وأنه قد يتسبب في تكرار أزمة الصواريخ التي وقعت عام 1962 عندما نصب السوفييت منصات صواريخ فوق كوبا على مقربة من الحدود الأميركية. فقد استضافت فنزويلا مؤخرا القاذفات الروسية الإستراتيجية تي يو- 160 وأعلن شافيز عن مناورات مشتركة لقوات البحرية تشارك فيها السفن الروسية في نوفمبر.
في تأكيد على ما وصفه بالتحالف الاستراتيجي مع موسكو. وهدد بوقف صادرات النفط إلى الولايات المتحدة (تحتل فنزويلا المرتبة الخامسة بين البلدان التي تمد الولايات المتحدة بالنفط، اذ صدرت لها 1،1 مليون برميل يوميا في النصف الأول من العام الجاري) الحقيقة أن شافيز مغضوب عليه من أميركا من يوم ظهوره على المسرح السياسي، فهو مناهض للعولمة التي تقودها واشنطن بكل مثالبها التي تجلب المعاناة للفقراء.
وباعتبارها حامية حمى الرأسمالية فسياساته الداخلية ذات طابع اشتراكي لا تريده الولايات المتحدة. فقد قام بإصلاحات اقتصادية راديكالية على رأسها توزيع الأراضي على الفقراء بعد أن كانت في أيدي قلة من طبقة الأثرياء. ويسعى شافيز أيضا إلى تحقيق التكامل السياسي والاقتصادي بين دول أميركا اللاتينية، وهو الأمر الذي يعني تقليص النفوذ الأميركي في القارة اللاتينية.
وعلاوة على ذلك، لا ترضي عنه واشنطن بسبب حميمية علاقته بالرئيس الكوبي المتقاعد فيدل كاسترو والسير على دربه الذي يقلق الأميركيين.
حسن صابر
