تنصح المنظمات الدولية العراقيين المهاجرين، الراغبين بالعودة، بالتريث وإرجاء التفكير في هذا الموضوع، لأن الوضع الأمني لا يزال هشاً وغير مستقر ، ولكن العراقيين في الداخل ينصحون أقاربهم ومعارفهم في الخارج بعدم العودة، لأسباب أخرى إضافية ، من أهمها عدم توفر مجالات العمل، والانعدام شبه الكامل للخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء والوقود والمياه الصالحة للشرب والاستخدامات الأخرى، إضافة إلى الغلق التام للمناطق وعزل بعضها عن البعض الآخر .

ويتندر العراقيون، وسكنة العاصمة بغداد بشكل خاص، من تصريحات وقرارات المسؤولين، التي تدّعي تحسن الوضع الأمني، وهو قد تحسّن إلى حدّ ما، جرّاء سياسة الفصل المناطقي ونصب الجدران العازلة بين محلة وأخرى، أو بين شارع وآخر، حيث قدّر بعض المراقبين أطوال الجدران العازلة التي وضعت في بغداد وحدها، بما يكفي لمد جدار متصل يطوّق العراق بأكمله.

وحسب مسؤولين أمنيين فإن ساعات حظر التجوال تم تقليصها، وأصبحت تبدأ عند منتصف الليل، وفي رمضان في الثانية بعد منتصف الليل، وتستمر حتى الفجر، بعد أن كانت تبدأ في الساعة السابعة أو الثامنة مساء، إلا أن المسؤولين أنفسهم يقرّون أن شوارع بغداد تكاد تكون خالية تماما ، في الساعة الثامنة او التاسعة مساء، عدا ما اعتاده المواطنون عندما كان حظر التجوال الرسمي يبدأ مبكرا، باستمرار الحركة الجزئية، في داخل المناطق السكنية، لأن الحكومة ليس باستطاعتها وضع نقطة حراسة عند باب كل بيت .

الأن .. بغداد شبه ميتة ليلا ، وقد فقدت أهم مميزاتها العريقة، التي كانت تتجسد بسهراتها، وبمنتدياتها الثقافية والفنية والاجتماعية، وبأبي نؤاسها الذي لا ينام، ويواصل حيويته في كل الاوقات، وفي كل الظروف .. فبغداد بغير ليلها ليست بغداد العراقيين .

وفي داخل الناطق المنكفئة على نفسها ، رغما عنها، لا تزال هناك بيوت كثيرة خاوية ، بعد أن هجرها أهلها، أو هجّروا منها، أو «احتلها» أناس آخرون، ولم تتح لحد الآن فرصة لعودة أصحابها إليها .

وتقول النائبة ازهار السامرائي عضوة لجنة المهجرين في البرلمان: «ان الحكومة اتخذت «سياسة العودة» منذ يوم 15 «12 » 2007، وأسمت ذلك اليوم بـ «يوم العودة» ، لكننا لم نلمس نتائج مثمرة لحد الان» .

وفي تعامل سطحي مع المشكلة ، طالب النائب عبد الخالق زنكنة ، عضو لجنة المهجّرين ايضا، بزيادة المبلغ المخصص للعوائل العائدة من مليون دينار الى ستة ملايين دينار«خمسة آلاف دولار »، لان المبلغ المخصص لا يكفي حتى لترميم جزئي للمنازل التي تضررت، أو تم الاستيلاء على موجوداتها .. هذا ان تم تسليم المبالغ الى مستحقيها الفعليين .

ولكن مقترح زنكنة يبتعد كثيرا عن المسببات .. فمن يضمن حباة الذين يعودون الى مناطقهم التي شهدت اوسع تطهير طائفي، شمل حوالي مليون عائلة في بغداد وحدها، خلال الشهور الاولى من خطة فرض القانون التي بدأت في 15«2»2007 .

والتساؤل الآن هو : من الذي يعود ؟ ولماذا؟ ..

حتى على افتراض ان الأمن مستتب بشكل كامل ، من يضمن للعائد الحصول على عمل ليعيل عائلته ، واين ؟ ، بعد خمس سنوات من الادعاءات الرسمية حول مشاريع وهمية بمليارات الدولارات ، على الورق ، او في الهواء فقط.

الكهرباء والوقود مشكلة المشاكل ، منذ بدء الاحتلال، وقد كشف الناس عدم صحة الادعاءات الحكومية والأمريكية ، بان «الإرهاب» وراء انقطاع الكهرباء، وتوقف مصافي النفط ، واختفاء شبكة الاتصالات الهاتفية .. وما الى ذلك .. فالسبب الحقيقي هو التعمد في انهاء شيء اسمه الدولة العراقية ، والبدء بعدئذ ببناء «الدولة الرأسمالية» المرتبطة كليا بعجلة السياسة الأمريكية والاقتصاد الأمريكي .

ولعل خير مثال على ذلك ، ما اورده الباحث الاقتصادي حسام الساموك ، من ان 90 بالمئة من شركات ومصانع القطاع العام «الاشتراكي سابقا»، تم ايقافها عن العمل، بينما تعمل البقية بطاقة انتاجية جزئية..وفي القطاع الخاص والمختلط توقفت 95 بالمائة من الشركات والمصانع، لعدم قدرتها على مجاراة المواد المستوردة «بلا ضرائب» ، وانقطاع الدعم الحكومي ..

وفي آخر احصاء لوزارة التخطيط ، أوضح ان عدد العاملين في المنشآت الكبيرة بلغ 190 الف شخص ، وان قيمة الإنتاج لهذه المنشآت «ارتفع» الى150 مليون دولار سنويا !!

، وهذه الارقام مفزعة بالنسبة لبلد تزيد ميزانيته على 70 مليار دولار. كما توقفت الزراعة بشكل شبه تام «في بلاد النهرين» بتخطيط مسبق ، قد يكون من أولياته قطع الكهرباء والوقود عن مضخات الإرواء ، ووقف الدعم الحكومي للبذور والمعالجات الصحية .

وفي خلاصة .. أن دوائر الدولة لا تعمل ، وإن عملت ، فهي لا تنتج شيئا بلا كهرباء ولا حتى وقود للمولدات الخاصة ، وما أعداد الموظفين «الحزبيين» ، الا لغرض تمشية بعض الامور ، وتسلم الراتب في نهاية الشهر ، وعلى الراغب بالعودة الى بلده «العراق» ان يحسب حساب البطالة ، والمعاناة القاسية من انعدام الخدمات ، او يرتضي العيش كما يعيش غيره من المهجّرين في الداخل .. والبديل الآخر هو الانتماء إلى الأجهزة الأمنية او الميليشيات التي ما زالت تنشط ، من دون يطفو نشاطها على الواجهة السياسية في «العراق الجديد»