بمقتضى التقليد الجاري في الجمعية العامة يلقي رئيس الولايات المتحدة، البلد المستضيف لمقر الأمم المتحدة كلمة افتتاح الدورة. وعادة ما تحدد كلمة الرئيس الأميركي نبرة كل الخطب التالية التي يلقيها رؤساء الدول والوزراء خلال فترة أسبوع انعقاد الدورة .
وهو أمر طبيعي باعتبار أن الولايات المتحدة تتصدر دول العالم من حيث القدرة الاقتصادية والعسكرية وتتسع مصالحها لتشمل كل أرجاء الكرة الأرضية ببرها وبحرها وفضائها ، هذا فضلا عن أنها القطب الأوحد حاليا على الساحة الدولية ، ولكن على ما يبدو إلى حين .
وكان من المتوقع أن تكون أجواء الدورة الـ 63 للجمعية العامة للأمم المتحدة مملة حيث يتوقع الحضور كل ما سيقال ولا يتوقعون جديدا ، وكان الرئيس الأميركي نفسه أشبه بعالم أكاديمي كئيب يلقي تقريره الروتيني في مؤتمر علمي أو بكاهن يتلو صلوات مل الناس سماعها. وقد اعتاد بوش في السابق طرح تهديدات بمعاول الهدم في نفس هذه القاعة باعثا الخبراء على التكهن: هل يقصد بكلامه هذا إعلان حرب أو هدنة أو إحلال سلام؟
وكان يركز في الغالب على موضوع الإرهاب الذي تعاطى معه من جوانب مختلفة تمثل أبرزها في ''المفهوم الأميركي'' تحت عناوين '' الديمقراطية والإصلاح السياسي '' و''النضال من أجل الحرية وحقوق الإنسان'' هذه هي الوصفات الأميركية لمعالجة الإرهاب، والتي سعت إدارة بوش على مدى ثمانية أعوام لفرضها على العالم كله ، يعني: اختاروا الحرية والديمقراطية الأميركية لكي تقضوا على الإرهاب !
انعطافة في الخطاب
وعلى ما يبدو أن واضعي خطاب رئيس الولايات المتحدة تعمدوا خلق انعطاف دقيق في النص منتقلين على نحو سلس من موضوع ''الحرية والإرهاب'' إلى قضية جورجيا. ففي الفصل الذي بدأ بوش يعبر عن تضامنه مع شعوب العالم المتعطشة إلى الحرية بما فيها جورجيا قال ان العالم يراقب كيف سنرد على ''تدخل روسيا التي انتهكت القانون الدولي''.
واستطرد بوش قائلا: ''إن ردنا سيتمثل في تقديم المساعدة لجورجيا'' ، ولم يجرؤ بوش على تحديد شكل المساعدة ، وبعد ذلك ظهر النظام الجورجي في كلام بوش في قائمة غريبة للدول التي ''تقدم تضحيات على محراب الحرية'' والتي تستحق الإعجاب ألا وهي لبنان وأوكرانيا وليبيريا والعراق وجورجيا. لقد كان حديث بوش ناعما وهادئا رغم سلبياته، وكأن بوش يخشى شيئا أو يفتقد لشيء ما، أما بقية أجزاء خطابه فلم تكن سوى أسوأ نماذج للبلاغة الجوفاء المملة التي بعثت الملل و رسمت الكآبة والضجر على وجوه الحضور.
ومن الغريب أن بوش عندما كان من قبل في السنوات الماضية يهدد من نفس هذا المنبر بحرب كان خطابه حافلا بالأفكار المتوهجة و التهديدات والتحذيرات الواضحة للجميع، مثل عباراته الشهيرة '' من ليس معنا فهو ضدنا'' و '' إنها حرب صليبية '' و '' الدول المارقة '' وغيرها.
تراجع لغة الهيمنة
لقد كان بوش يتحدث من قبل من منطلق الهيمنة و نفوذ القطب الأوحد الذي يأمر فيطيعه الجميع ، أما اللهجة السياسية الناعمة التي بدا بها في كلمته الأخيرة فتبدو غريبة وتوحي في رأي البعض بالانكسار والإحساس ببداية النهاية ، فرغم ما حققه بوش من إنجازات باهرة للمحافظين الجدد في السنوات الماضية ، إلا أنه ابتلي في الشهور الأخيرة من ولايتيه بكوارث طبيعية وأزمات مالية واقتصادية وهزيمة نكراء في القوقاز ، كل هذه الأشياء توالت وتراكمت في وقت قياسي فأصبحت أشبه بلكمات قوية قاضية يتلقاها ملاكم يترنح ويمسك الحبال بينما الحكم يعد له العد التنازلي لإعلان هزيمته .
وكان من باب الصدفة أن صعد ساركوزي إلى المنبر بعد بوش مباشرة، وتوقع الكثيرون أن يكون حديثه أكثر مللا من بوش باعتبار أنه صديقه الحميم الحالي الصدوق ، ولكن كانت المفاجأة أن كلام ساركوزي جاء على النقيض تماما لكلام نظيره الأميركي. وأصبح واضحا جدا أن السياسة العالمية باتت بحاجة لخطاب جديد ومفردات جديدة ودم جديد أيضا ، وأن نظام القطب الأوحد أصبح مرفوضا من الجميع وعلى رأسهم حلفاء واشنطن الأوروبيون .
فقد كان خطاب ساركوزي يفيض بأفكار غنية حيث ردد مرارا أن العالم ''مل من الانتظار'' حتى بدأ زعماؤه يتجاوبون مع ما يصيبه من مشاكل وكوارث بعد أن ظلوا صامتين عدة سنوات. وقال إنه آن الأوان لتوسيع مجموعة ''الثمانية الكبار'' بضم الصين والهند وجنوب إفريقيا والمكسيك والبرازيل إليها. كما دعا إلى توسيع عضوية مجلس الأمن الدولي.
خطاب ساركوزي ودلالاته
ومما له دلالته أن ساركوزي خاطب الجمعية العامة ليس فقط كزعيم لفرنسا بل وكرئيس دولة تترأس الاتحاد الأوروبي حاليا - أي أنه تكلم باسم أوروبا كلها. وكانت النغمة الرئيسية التي ألاتخللت خطابه هي أن ''أوروبا ترفض حرب الحضارات و ترفض حربا باردة جديدة''.
وبالمناسبة، لم يسمع أحد في أوروبا منذ زمن بعيد مثل هذا الكلام المفعم بالثقة والاستقلالية، لا من حيث المضمون و لا من حيث الأسلوب ، لكن المفاجأة المهمة أن يأتي هذا الكلام من شخصية مثل ساركوزي التي اعتقد الجميع أنه احتل مكان رئيس الحكومة البريطانية السابق توني بلير لدى البيت الأبيض ، فإذا به يبشر بنهاية نظام الهيمنة وبداية نظام عالمي جديد ،
لقد كان تناقض خطابي الثنائي بوش وساركوزي ممثلي شطري الفضاء الأورو أطلسي بحد ذاته فاتحة رائعة للدورة الـ 63 للجمعية العامة، ومؤشرا واضحا على المستجدات المهمة على الساحة الدولية والتغيرات المتوقعة في النظام الدولي .
رد الاعتبار للمنظمة الدولية
ولا ننسى هنا أيضا كلمة الأمين العام للأمم المتحدة. وفي الحقيقة، فبفضل مساهمة بان كي مون تحول الثنائي إلى ثلاثي. وكان مضمون حديث بان كي مون يعكس بوضوح التوجه الجديد نحو الإصلاح المطلوب في النظام الدولي ورفض إسناد الدور الرئيسي لجهة أو دولة واحدة ، وضرورة إعادة القرار للأسرة الدولية كلها وعدم انفراد جهة معينة به مهما كانت قوتها .
لقد شهدنا منذ أيام في الجمعية العامة للأمم المتحدة بداية قوية لدورة هذه الهيئة الدولية التي وإن كانت بعيدة كل البعد عن أن تكون حكومة عالمية إلا أنها قادرة تماما على أن تؤدي دور ضمير جماعي وعقل جماعي متيقظ على الدوام ، وقادرة على أن تعيد التوازن الى الساحة الدولية.
د. مغازي البدراوي
