كثر الحديث على مدى السنوات الأخيرة عن تداعي الإمبراطورية الأميركية، وجاءت الأزمة المالية الأخيرة لتعزز هذه الفرضية الأمر الذي عبر عنه وزير المالية الألماني أفضل تعبير بقوله : على واشنطن القبول بأنها فقدت صفتها كقوة خارقة في النظام المالي العالمي
كثر الحديث هذه الأيام عن الأزمات والمشكلات التي تعاني منها الولايات المتحدة كالأزمة المالية والمشكلات المرتبطة بسير الحربين في العراق وأفغانستان. بعض المحللين يذهب إلى القول إن شمس الولايات المتحدة بدأت تغرب وإنها في طريقها إلى الانهيار بينما يرى البعض الآخر أن الأزمة الاقتصادية الراهنة لا تعدو أن تكون سحابة صيف عابرة سرعان ما تزول ليتعافى الاقتصاد الأميركي من جديد.
وبصرف النظر عمن يكون منهم أقرب إلى الصواب، فإن المواطنين الأميركيين الذين عانوا الأمرين من أزمة الرهون العقارية يبدون قلقاً متزايداً إزاء تراجع المكانة العالمية لبلادهم. ففي استطلاع حديث للرأي أجراه مجلس الشؤون الدولية بشيكاغو، عبر 83% من المستطلعة آراؤهم عن قلقهم من تراجع مكانة بلادهم وأبدوا تأييدهم لأن يكون تحسين تلك المكانة هدفاً للسياسة الخارجية للإدارة المقبلة التي سيتم اختيارها بعيد الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في نوفمبر المقبل.
لا يمكن للمراقب المحايد أن يتجاهل التغير الهائل الذي يحدث على الساحة الاقتصادية العالمية، فالاقتصاد محرك السياسة، كما يقولون. فهناك نهوض واضح للاقتصادات الآسيوية التي أخذت تحل محل الولايات المتحدة بصفتها القوة الاقتصادية العالمية المهيمنة. صحيح أن الأرقام المجردة لا تزال تعطي التفوق للاقتصاد الأميركي، ولكن الاتجاهات الناشئة تشير إلى أن قبضته على عجلة القيادة بدأت تنزلق شيئاً فشيئاً.
الخيارات المتاحة
فهل تلجأ الولايات المتحدة إلى الانعزال لتحمي اقتصادها كما فعلت في بداية القرن العشرين، أم أن خيار الانعزال هذا لم يعد قائماً؟ لقد باتت أميركا اليوم تعتمد اقتصادياً على العالم بعدما كان العالم يعتمد عليها في القرن الماضي. وبعد أن كانت اقتصاداً يقدم القروض للاقتصادات الأخرى بات الآن اقتصاداً مقترضاً، حيث يرزح الاقتصاد الأميركي تحت عبء ديون تبلغ في مجملها 3,4 تريليونات دولار.
قد لا تجد واشنطن من وسيلة لوقف الانهيار الاقتصادي سوى اعتماد منهج الحمائية في تناقض واضح مع المبادئ التي دعت إليها الولايات المتحدة على الدوام وحاولت نشرها مثل السوق الحرة والتجارة الحرة وما إلى ذلك من أشكال تحرير السوق. ويبدو أن هذا السلاح الذي استخدمته أميركا لتعزيز الرأسمالية قد بات موجهاً إليها مع استخدامه من قبل بلدان مثل الصين والهند اللتان باتتا تنافسان الولايات المتحدة في كثير من المجالات الاقتصادية.
يقول بعض المحللين إن آسيا قد تعزز من مكانتها باعتبارها الاقتصاد الأكبر والأكثر دينامية في 2008، غير أنه ما زال من المبكر رؤية ما إذا كانت آسيا مستعدة لتحمل المسؤولية السياسية المرتبطة بتلك القوة أو سيسمح لها بذلك. وهل ستتخلى الولايات المتحدة وأوروبا عن السلطة المؤسساتية التي لم تعد تعكس الوقائع؟
ومن حق المرء أن يتساءل هنا إلى متى تستطيع الدول الأعضاء في مجموعة الثماني أن تناقش الاقتصاد العالمي من دون مشاركة الصين والهند كأعضاء دائمين فيها؟
لقد بات من المألوف الحديث عن قرب ظهور عالم متعدد الأقطاب تواجه فيه الولايات المتحدة منافسة متزايدة من قوى صاعدة مثل أوروبا والصين والهند أو من قوى عائدة مثل روسيا واليابان. ويزعم أنصار هذه الرؤية « لعالم متعدد الأقطاب» بأن ما لديهم هو رؤية واقعية للعلاقات الدولية. وهم يعتقدون بأنه يتعين على الولايات المتحدة أن تتراجع عن حملاتها الأيديولوجية وتنخرط عوضاً عن ذلك في صراع على النفوذ مع أقطاب عالمية أخرى في اللعبة الكبرى على ساحات أفريقيا أو أميركا اللاتينية.
تنافس قوى متعددة
غير ان رؤية القوى المتعددة تتنافس على النفوذ العالمي هي تقييم مضلل للعلاقات الدولية في الوقت الحاضر وفي المستقبل القريب. فأنصار هذه الرؤية يخلطون في الغالب بين الإمكانات الهائلة لدى القوى الناشئة ونفوذها الفعلي، ويتجاهلون كذلك المشكلات الداخلية العويصة التي يتعين على هذه القوى التغلب عليها من أجل الاستفادة من كامل إمكاناتها.
والأهم من ذلك هو أنهم لا يأخذون بعين الاعتبار التفاعلات الاستراتيجية بين هذه القوى أثناء صعودها المتزامن والفرص الإستراتيجية التي تتيحها مثل هذه التفاعلات أمام الولايات المتحدة. وطالما ظلت هذه القوى الصاعدة تتنافس فيما بينها على الصعيد الإقليمي، فإن الولايات المتحدة سيبقى بيدها المفتاح بصفتها القوة الموازنة حتى في مرحلة انحطاطها المتوقعة.
لفت نظري وأنا أطالع الصحافة العالمية، مؤخراً، مقال للفيلسوف والأستاذ في علم السياسة والاقتصاد جون غراي نشر في صحيفة أوبزرفر البريطانية توقع فيه سقوط الولايات المتحدة وانهيار هيمنتها في العالم. وقال غراي في مقاله تحت عنوان«لحظة الانكسار في سقوط قوة أميركا» إن حقبة الهيمنة الأميركية قد انتهت .وأضاف إن الأزمة المالية التي تشهدها الولايات المتحدة ستؤدي بالبلاد إلى السقوط بالطريقة نفسها التي سقط فيها الاتحاد السوفيتي عندما انهار جدار برلين.
ومضى يقول إن ما نمر به من غليان في الأسواق العالمية هو أكثر من أزمة مالية، بل هو تغيير جيوسياسي تاريخي يعاد فيه تشكيل موازين القوى في العالم دون رجعة، ويعلن فيه انتهاء حقبة الهيمنة الأميركية التي تعود منذ الحرب العالمية الثانية. الكاتب يدلل على تراجع الهيمنة الأميركية بالحديث عن استحقار الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز للقوة الأميركية العظمى دون أن يحاسب.
وهو يبدي تأييده لأن تقوم الولايات المتحدة بتأميم أجزاء حيوية من نظامها المالي، وذلك لأن نظام أميركا الخاص بالأسواق الحرة يدمر نفسه بنفسه في حين تبقى الدول التي احتفظت بسيطرتها على الأسواق في أمان. وهناك أمثلة أخرى لم يأت غراي على ذكرها مثل عجز الموقف الأميركي في حرب القوقاز الأخيرة التي اندلعت بين روسيا وجورجيا.
وكذلك عجزها عن اتخاذ أي إجراء صارم ضد كوريا الشمالية التي ضربت عرض الحائط باتفاقياتها مع الولايات المتحدة بشأن برنامجها النووي عندما أعلنت عن نيتها إعادة استئناف نشاطها النووي احتجاجاً على عدم رفع واشنطن اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وهناك الملف النووي الإيراني، الذي عجزت الولايات المتحدة، مؤخراً، عن استصدار قرار من مجلس الأمن بفرض عقوبات جديدة على طهران بسببه، وذلك في ضوء التهديد الروسي باستخدام حق الفيتو برفض القرار.
أزمة النظام المالي الأميركي
ولدى حديثه عن تداعيات عمليات الإنقاذ للاقتصاد الأميركي من قبل دول أجنبية، حذر غراي من أن تلك الدول التي احتقرت النظام الرأسمالي الأميركي هي التي ستعيد تشكيل المستقبل الاقتصادي لأميركا .وعزا الوضع الخطير الذي يشهده النظام المالي في أميركا إلى المصارف الأميركية التي تعمل في بيئة من الخصام المستمر الذي أوجده المشرعون الأميركيون أنفسهم .فالطبقة السياسية الأميركية هي التي تتحمل وزر هذه الفوضى الراهنة بسبب ما تبنته من أيديولوجية تحرير التجارة من القوانين والأنظمة.
وفي الختام تكهن الكاتب بأن تستمر الولايات المتحدة باعتبارها الأقوى اقتصاديا في العالم، لفترة أطول، ولكن القوى الجديدة البارزة هي التي ستتغذى على ما تبقى سالما من الدمار الذي لحق بالنظام المالي الأميركي، وستكون أميركا مجرد قوة -في عالم جديد متعدد القوى- لا تستطيع تشكيل مستقبلها.
وعلى صعيد آخر، توقع تقرير استخباري أولي أعده توماس فينغار، كبير محللي الاستخبارات الأميركية ومن المنتظر أن يقدم إلى الرئيس المقبل للولايات المتحدة تراجع هيمنة الولايات المتحدة في العالم خلال العقود المقبلة، واستفحال تحديات جديدة مثل العولمة والتغير المناخي ونقص الغذاء والمياه والطاقة.
ويخلص فينغار في التقرير إلى نتيجة مفادها أن التفوق الأميركي العسكري سيكون الأقل أهمية في ظل التنافس العالمي مستقبلاً لأنه لن يقدم أحد على مهاجمة أميركا بأسلحة تقليدية.؟ وأثار فينغار ملاحظاته هذه في مؤتمر للخبراء الاستخباريين في اورلاندو، تحدثت عن توقعات بشأن الاتجاهات الكونية حتى عام 2025.؟
وذهب فينغار إلى القول إن الهيمنة الأميركية ستتراجع كثيراً، إذ إن قيادة الولايات المتحدة تتآكل على نحو سريع على الصعد السياسية والاقتصادية وفي الساحات الثقافية.؟ ويرى التقرير ان عام 2025 سيرسم الديناميات والأبعاد والمحركات لتشكيل العالم بإدارته المقبلة وما بعدها.؟
وكما يتضح من التقرير، فإن الولايات المتحدة ليست هي وحدها التي ستخسر سلطتها، ففينغار يتوقع أن يتراجع نفوذ المنظمات الدولية كالأمم المتحدة والبنك الدولي ومجموعة من المنظمات الأخرى التي ساعدت في الحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي منذ الحرب العالمية الثانية. وفي السنوات القليلة المقبلة، لن تكون واشنطن في وضع يسمح لها بإملاء شكل الهيكليات العالمية الجديدة، لا هي ولا غيرها من الدول، فلن يكون أحد في وضع يؤهله لتولي القيادة العالمية وفرض التغيرات التي لا بد من إدخالها على النظام الدولي الجديد.
حروب الخارج
يبدو أن مقال غراي والتقرير الاستخباري قد تجاهلا في معرض تحليل أسباب التراجع في المكانة الأميركية في العالم تأثير الحربين في أفغانستان والعراق وما يسمى بالحرب على الإرهاب على تشويه صورة الولايات المتحدة في العالم وتآكل سلطتها الأخلاقية والمعنوية بعد سلسلة الجرائم ضد الإنسانية وانتهاك حقوق الإنسان التي اقترفتها إدارة بوش منذ اندلاع حربها على الإرهاب في 2001.
لقد كانت نفقات الحرب الباهظة أحد الأسباب وراء انهيار الاقتصاد الأميركي، فقد اعتمدت واشنطن في تمويل الحربين على الديون، وهو ما ساهم جزئياً في ارتفاع الدين القومي للولايات المتحدة بمعدل الثلثين في غضون ثماني سنوات فقط. وساهمت الحرب كذلك في زيادة العداء لأميركا في العالم بحيث بات الرئيس الأميركي يواجه باحتجاجات وتظاهرات معادية في جميع أنحاء العالم تقريباً.
وهناك شعور عام لدى الأميركيين الآن بأن الإدارة الأميركية الراهنة قد أخطأت أكثر من مرة في سياساتها الخارجية والاقتصادية على نحو جلب العداء لأميركا وباعد عنها حلفاءها وعزز من وضع خصومها الذين باتوا يتجرؤون من أكبرهم إلى أصغرهم على تحدي مصالح الولايات المتحدة وسلطتها.
ويرى الاقتصادي الأميركي البارز جوزيف ستغليتز، أستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا والحائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية، أن خطة واشنطن المعلنة بإرسال المزيد من الجنود إلى أفغانستان، التي تصاعد العنف فيها مؤخراً، لن تسفر إلا عن مزيد من الانهيار السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة ولن تؤدي تلقائياً إلى تحسين الوضع الأمني كما حصل في العراق.
ضرار عمير
