لكل بلد في العالم طقوسه الرمضانية الخاصة، وقد يختلف أو يتفق فيها مع بلدان أخرى، ولكن تبقى لها نكهتها الخاصة، فرمضان مصر يتميز بالفوانيس التي تعتبر تقليدا مهماً لديهم، أما في السودان فيتميز بحلقات الذكر والانشاد الديني ومشروب (الآبري) المجهز من الذرة.

في حين يمضي السوريون اسبوعهم الاخير من شعبان في الاسواق للتبضع وشراء المواد الغذائية، تمهيدا لاستقبال رمضان، بالمقابل تغلق كافة المطاعم والفنادق الصغيرة أبوابها في باكستان طيلة فترة الصيام. حكايات رمضان في العالم كثيرة، ولها من التفاصيل الكثير، بحيث يصعب لملمتها في موضوع واحد، وقد ارتأينا ان نطل على رمضان من خلال اشخاص عاشوه في بلاد غير بلادهم. البداية كانت مع خليفة بن دلموك، المتخصص في التراث الاماراتي، والذي عاش شعائر الشهر الكريم في أكثر من مكان، يقول:( عشت رمضان في ثلاث دول هي مصر والسودان وباكستان، وقد وجدت ان لكل واحدة منها طقوساً خاصة بها.

ورغم اختلافها إلا إنها اتفقت في بعضها، فرمضان مصر شهر متميز جداً، حيث يستقبله شعبها بحفاوة وترحاب بالغين، ويحيون لياليه بالعبادات والابتهالات ويكثرون فيه من أعمال البر والإحسان على الفقراء والمساكين وتستعد الأسر لاستقباله بشراء احتياجات ولوازم الشهر الكريم مثل المكسرات والياميش والفوانيس للأطفال. وتعد موائد الرحمن أحد أبرز مظاهر التكافل الاجتماعي والديني التي تميز الشهر الكريم عن باقي شهور العام على امتداد محافظات مصر وسط أجواء روحانية فريدة تحض على التقرب إلى الله بصالح الأعمال. ومائدة الرحمن مائدة إفطار مفتوحة يعدها ميسورو الحال والأغنياء التماساً للأجر في الشهر الفضيل لإفطار الفقراء والمعدمين وعابري السبيل.

ومن لم يتمكنوا من الوصول إلى منازلهم وقت الإفطار أو اضطرتهم أعمالهم إلى الإفطار بعيداً عن أسرهم. ومن أبرز مظاهر الاحتفال بشهر رمضان في مصر مدفع الإفطار الذي ينطلق يوميا مع أذان المغرب، وكذلك كثرة استخدام الفانوس الرمضاني الذي يعتبر تقليداً أصيلاً في مصر منذ القدم. في رمضان يختلف شكل الحياة في أحياء مصر العريقة، مثل السيدة زينب والحسين الذي لمست فيه مدى تآلف الناس وقربهم من بعضهم البعض، ورأيت فيه رمضان بشكل مختلف حتى عن بقية أحياء مصر، حيث تزداد الأنوار والزينات الخاصة برمضان والفوانيس، وتكثر فيه موائد الرحمن.

وبعد الإفطار ترى الناس جميعها في الأسواق، حيث تبقى المحال التجارية مفتوحة حتى الصباح، بالمقابل تمتلئ المساجد بالمصلين كما تشهد صلاة التراويح إقبالاً شديداً، خاصةً في العشر الأواخر، وكذلك تجد صلاة التهجد التي تمتد من منتصف الليل حتى وقت السحور إقبالا واسعا، كما يكثر الاعتكاف في المساجد الكبرى، وتصل ذروة الفعاليات الرمضانية في ليلة ختم القرآن، حيث يتوافد آلاف المصلين على المساجد الكبرى .

وينطبق الأمر ذاته على الإسكندرية التي تتشابه إلى حد كبير مع القاهرة، حيث تبدأ العادات والتقاليد المتوارثة منذ مئات السنين، ففي أول أسبوع من رمضان، تكثر صلوات التهجد والتراويح ومن أشهر المساجد تنظيما لها (جامع القائد إبراهيم) جامع القائد إبراهيم وتصل ضخامة عدد المصلين في رمضان وخصوصاً في العشرة الأواخر إلى الآلاف.

أما رمضان في السودان، فقد وجدت في طقوسه اختلافا عن المتعارف عليه في مصر، فالاحتفالات عموما تكون أقل من مصر، بينما تكثر التجمعات في المطاعم والمساجد، وقد اعجبتني حلقات الذكر والانشاد الديني التي تقدم المدائح طوال الليل، حيث يرتادها الكثير من الناس، ولها أماكنها وبيوتها الخاصة الى جانب المساجد.

في الشهر الكريم لمست طيبة الشعب السوداني وكرمه، من خلال الإفطارات الجماعية التقليدية التي اعتاد إقامتها في الشوارع والطرقات والميادين العامة، حيث تجتمع مجموعة من الجيران وتتخذ لها مكانا معينا في الحي وتفرشه بالبسط والسجاد، ويحضر كل منهم ما تيسر له من الطعام والشراب لتوفير الإفطار للفقراء وعابري الطريق.

والمشهد ذاته يتكرر على الشوارع السريعة، حيث يقومون بإيقاف سيارات المسافرين بإلحاح شديد لتناول وجبة الإفطار، ولاحظت ان اغلب السودانيين قد درجوا على تناول المشروبات والبلح أولاً ثم القيام الى صلاة المغرب ومن ثم تناول الطعام.

وتقام صلاة التراويح في المساجد والشوارع والحدائق والأسواق وتتراوح بين الثماني ركعات والعشرين ركعة، وعقب التراويح تنشط الزيارات وتشكيل المجموعات في المنتزهات والحدائق، حيث تجد البعض يمارسون الرياضه مثل الجري ولعب كرة القدم وكرة الطائرة.

وهذه تستمر معهم حتى الصباح. بالمقابل لاحظت ان شكل الحياة اليومية يتغير في باكستان خلال الشهر الكريم، وتبقى محصورة بين موائد الرحمن الضخمة، وصلاة التراويح، واجتماعات الأسر في جميع أنحاء البلاد.

اغلاق المطاعم والشوارع

وزائر باكستان في رمضان سيلاحظ أن جميع الفنادق الصغيرة والمطاعم تغلق أبوابها خلال ساعات الصيام، وحتى الكافتيريات الصغيرة، ولا يستثني من ذلك سوى الفنادق ذات الخمس نجوم، لأن أغلبية زبائنها من غير الباكستانيين، كما يمكنه رؤية الإزدحام المروري في الشوارع والذي عادة يبدأ بعد أذان العصر ويبقى حتى حلول موعد الافطار.

مما يضطر البعض إلى الإفطار إما في سياراتهم أو على موائد الرحمن الضخمة التي تقام في مواقف الحافلات من أجل المسافرين وسائقي الحافلات الذين لا يستطيعون الذهاب لبيوتهم في هذا الوقت لتناول الإفطار، كما تنظم بعض الجمعيات الدينية والجماعات الشبابية موائد رحمن في محطات السيارات العامة.

وتتجلى الروح الدينية في صلاة التراويح التي يتم الترتيب لها في المساجد، والحدائق العامة، والبيوت، في حين تبدأ الحياة تتغير في الشوارع في فترة ما بعد الافطار، حيث تبقى المقاهي ومحال الألبان والخبز مفتوحة، ولا تغلق أبوابها حتى صلاة الفجر، ويقصدها الشباب للسحور والترفيه، بينما يفضل الكثيرون في مدينة كراشي الساحلية تناول السحور في المطاعم الواقعة على البحر حيث يسهرون طوال الليل ثم يعودون إلى بيوتهم مع مطلع الفجر.

عادات الدمشقيين

للدمشقيين عادات قديمة في رمضان، توارثوها عن أجدادهم، تحكي قصصا في التراث، ومن بينها ما رواه لنا سمير مولى الموظف في مجموعه إم بي سي، والذي قضى أيام الشهر الكريم في سوريا، حيث قال: (لرمضان طعم آخر في سوريا، ويبدأ منذ لحظة انطلاق مدفع الإثبات الذي تطلق قذائفه عصر اليوم السابق لشهر الصيام، ليبدأ بعدها باعه الحلويات والمعجنات المشهورة مثل الكنافة، والنهش، والمعروك، والناعم، وغيرها بالانتشار في الأسواق فرحا بحلول الشهر الكريم.

كما تكتظ الاسواق الشعبية مثل خان الجمرك في حلب وغيرها بالزبائن خلال النهار للتسوق، ويحرص السوريون على إطلاق (مدفع الإفطار) كتقليد مستمر عبر التاريخ للإعلان عن حلول موعد الإفطار، حيث تخلو الشوارع تماما من المارة، لتبدأ بعدها صلاة التراويح، حيث تشهد المساجد اقبالا واسعا.

وبعد الافطار تدب الحياة مرة اخرى في الشوارع، وتنشط المقاهي والخيام الرمضانية التي تقدم عروضا موسيقية رائعة الى جانب النرجيلة والحلويات السورية المشهورة، وتبقى حتى موعد السحور، حيث اعتاد السوريون على المسحراتي الذي يطلق عليه شعبيا اسم (أبو طبلة)، يتجول في الأحياء الشعبية داعيا بنغماته وطرقات طبلته، الصائمين لعبادة الله وقيام الليل وإعداد وجبة السحور.

إضاءة

مدفع الافطار عبارة عن ماسورة من الصلب ترتكز على قاعدة حديدية يتوسطها عجلة لتحريك الماسورة، وتشير الروايات إلى أن حكايته تعود إلى عهد الخديوي إسماعيل، فأثناء قيام بعض الجنود بتنظيف أحد المدافع، انطلقت منه قذيفة دوت فى سماء مصر، وتصادف أن كان ذلك وقت أذان المغرب فى أحد أيام رمضان فظن الناس أن القصر اتبع تقليداً جديداً للإعلان عن موعد الإفطار.

وبدأوا يتحدثون عن ذلك، وقد علمت الحاجة فاطمة ابنة الخديوي اسماعيل بما حدث، فأعجبتها الفكرة وأصدرت فرمانا يقضي باستخدام هذا المدفع عند الإفطار والإمساك وفى الأعياد الرسمية، وبدأت الحكومة في تنفيذ الأمر، وأصبح تقليداً متبعاً حتى الآن.

غسان خروب