تكيفت تركيا على مر السنين مع فكرة الحفاظ على علاقات طيبة مع كل من روسيا والغرب إلى أن ظهرت على السطح الأزمة الجورجية الأخيرة. والآن كلا الطرفين لديهما مطالب من تركيا، فهل حان الوقت لكي تقرر أنقرة مع أي جانب ستكون؟

لقد تركت الحرب الجورجية-الروسية الأخيرة تأثيراتها على كافة الدول الواقعة في المحيط الروسي، ومن المعروف أن تركيا عضو في حلف الناتو وتحد جورجيا وتطل على البحر الأسود كما هو حال روسيا، ولذلك فقد كانت من المعارضين لتلك الحرب. بل إنها سعت إلى التوسط من أجل وقفها خوفاً من انتشار النار وتطاير الشرر وصولاً إليها. وتتمتع تركيا بأهمية إستراتيجية هائلة، فهي تربط الشرق بالغرب من خلال مضيق البوسفور والواقع أنها لعبت دوراً كبيراً في خدمة المعسكر الغربي خلال حقبة الحرب الباردة.

أما اليوم، فإن العلاقات بين روسيا وتركيا قد توثقت بصورة أكبر وليس فقط بسبب موارد الطاقة. فروسيا تعد أكبر شريك تجاري لتركيا، حيث تستورد أنقرة 70% من احتياجاتها من الغاز ونصف احتياجاتها من الفحم من روسيا. وعلى شواطئ الريفيرا التركية في أنطاليا وغيرها من المدن الساحلية يلاحظ أن السياح الروس قد تفوقوا على الألمان في العدد، وباتوا يحتلون المرتبة الأولى في عدد السياح الذين يأتون إلى تركيا كل عام.

البديل الروسي

وكلما انتقد الأوروبيون الحكومة التركية الحالية، نجد أن رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان يسارع إلى القول بأن تركيا تملك بديلاً ويمكنها أن تتحالف مع بلد آخر، في إشارة واضحة لا تدع مجالاً للشك إلى أن ذلك البلد هو روسيا.

ويبدو أن هذه السياسة التي تنتهجها الحكومة التركية الحالية إنما تأتي رداً على مماطلة الاتحاد الأوروبي في ضم تركيا إلى عضويته رغم ما قدمته وتقدمه إلى الغرب في حلف الناتو. فهي البلد الإسلامي الوحيد الذي أرسل قوات إلى أفغانستان، وهو ما ساعد التحالف الغربي على نفي تهمة شنه حرباً صليبية جديدة ضد المسلمين.

وعلى الرغم من أن المساهمة التركية في أفغانستان ليست كبيرة (حوالي 1200 جندي يرابطون في كابل وحولها) إلا أن الشعب التركي يبدي شكوكه إزاء تلك المهمة وكذلك يفعل الكثير من السياسيين في أنقرة.

وكان تحالف الناتو قد طلب مؤخراً من القيادة التركية أن يتم نشر قواتها في مناطق القتال في جنوب أفغانستان ولكن هذا الطلب قوبل باستياء من قبل السياسيين والعسكريين على السواء معتبرين أن الجيش التركي ليس خزانا احتياطيا يمكن للغرب أن يسحب منه عندما يواجه أية مشكلة.

وقال الجنرال يسار بيوكانيت، قائد القوات المسلحة التركية، إنه لن يشارك أي جندي تركي في المعارك الدائرة بأفغانستان. غير أن أفغانستان ليست هي نقطة الخلاف الوحيدة بين تركيا والناتو. فأنقرة لا يروق لها مشروع الدرع الصاروخي الأميركي المزمع نصبه في جمهورية التشيك وبولندا.

وهي تشعر أنه يتم تجاهلها على الدوام، فهذا الدرع سيترك بعضاً من دول جنوب شرق أوروبا الأعضاء في الناتو بلا حماية. ورداً على ذلك، قالت تركيا إنها تدرس تطوير درعها الصاروخي الخاص بها، وهي ضربة متعمدة لواشنطن، لأن تركيا قد تعتمد على روسيا في الحصول على التقنية المطلوبة لبناء ذلك الدرع.

يقول مراقبون إنه إذا كانت القيادة التركية تسعى لإقامة شكل من التحالف مع روسيا، فإنها تكون بذلك قد قلبت التاريخ رأساً على عقب. فحرب القرم التي وقعت بين عامي 1853 و1856 كانت الحرب التاسعة بين البلدين، وتلاها حروب أخرى إلى أن انهارت الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.

ثم فعل كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، كل ما في وسعه لحماية بلاده من عملاء ستالين. بل وسمح الرئيس الذي خلفه للأميركيين بنصب صواريخ نووية في الأناضول إلى جانب غابات من الهوائيات للتنصت على السوفييت.

توجه غربي

توجهت تركيا على الدوام نحو الغرب، وهي حقيقة تم تجاهلها في أوروبا في النقاش حول طلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وكانت الحكومة التركية قد عرضت في عام 1999 تقديم قوات برية لدعم الدول الأوروبية في حربها مع الرئيس الصربي في حينه سلوبودان ميلوسوفيتش.

وتركيا، على غرار أوروبا، تحتفظ بعلاقات جيدة مع إسرائيل وتعارض الطموحات النووية الإيرانية. والأتراك هم الذين دفعوا باتجاه مد خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان الذي يمر عبره نفط بحر قزوين إلى أوروبا من دون المرور في روسيا وإيران. وباستثناء المشكلة القبرصية، فإن الأتراك، بمفهوم السياسة الخارجية، نموذج للأوروبيين.

لكن محاولتهم الموازنة بين أوروبا وروسيا لم تكن أبداً بالصعوبة التي بدت عليها في أعقاب الحرب في جورجيا. فلم يكن من خيار أمام حكومة أردوغان سوى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في دعمهما لوحدة وسلامة أراضي الجمهورية الصغيرة. ووجود مشروع خط الأنابيب الذي ينقل نفط بحر قزوين يعني أن هناك مصالح تركية مشتركة مع تبليسي. وهذا الموقف كان له عواقبه.

فمنذ منتصف أغسطس الماضي، بدأت روسيا بمعاقبة أنقرة، حيث أخذ ضباط الجمارك على الحدود الجورجية- الروسية يدققون في تفتيش الشاحنات التركية بصورة لم يسبق لها مثيل، مما تسبب في وقوف طوابير تضم مئات الشاحنات، وتأخير عبور تلك الشاحنات كبدها خسائر تقدر بـ 500 مليون دولار.

وقد وعد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، مؤخراً، بأن يتم قريباً رفع القيود التي فرضت «لضرورات تقنيةً».

غضب روسي وأميركي

تبدي روسيا غضبها من الموقف التركي بشأن وجود سفن بحرية أميركية وأوروبية في البحر الأسود، بصرف النظر عن حقيقة كونها تقوم، حسبما تزعم، بإيصال المساعدات إلى ميناء بوتي الجورجي. ووصف لافروف سفن الغرب بأنها شكل من «الدبلوماسية الحربية» وطالب تركيا بتشديد قبضتها على مضيقي البوسفور والدردنيل.

وبموجب اتفاقية دولية يعود تاريخها إلى عام 1936، فإنه يتعين على السفن البحرية ألا تمكث أكثر من 21 يوماً في البحر الأسود. والولايات المتحدة، من جانبها، تبدو غاضبة أيضاً من الأتراك لأنهم رفضوا السماح بمرور المزيد من السفن الحربية متعللين بكبر حجمها، مع أن الاتفاقية الدولية نفسها لعام 1936 تمنح السفن الحق بالدخول.

«أهلاً بالحرب الدافئة»، هذا ما كتبه الصحافي التركي جنكيز أقطار حول المعضلة الجديدة التي تواجه بلاده. فمنذ انتهاء الحرب الباردة وتركيا تحاول تلمس طريقها في كافة الاتجاهات. ولكن يبدو أنه قد حان الوقت لتحديد الأولويات كما يقول الصحفي التركي. ويضيف متسائلاً: «هل نريد أن نتصرف مثل جارنا الشمالي ونوجد السلام بوسائل الحرب؟ أم أننا نريد أن نكون مثل الاتحاد الأوروبي ونحقق الأهداف السياسية بوسائل سلمية؟»

قد تكون المرونة هي الورقة الأفضل لتركيا كي تلعب بها، فالأبواب كلها مفتوحة أمامها. وقد حافظت على علاقات جيدة على الدوام مع الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل. وبعد انتهاء الحرب الباردة، وسعت نطاق نفوذها ليشمل الشعوب التي تنحدر من أصل تركي في آسيا الوسطى.

صداقة مع الجميع

لقد شهدت العلاقات التركية مع العالم العربي والإسلامي تحسناً ملحوظاً في السنوات الأخيرة وبالأخص منذ وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي المعتدل برئاسة أردوغان إلى السلطة. وتعتبر الجهود التركية في رعاية محادثات السلام غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل أكبر نجاح في السياسة الخارجية للحكومة التركية الحالية.

وحتى خلال الأزمة الجورجية، اقترح رئيس الوزراء التركي عقد منتدى دولي بعنوان «خطة للاستقرار والتعاون في القوقاز» تقوم من خلالها جميع دول القوقاز بحل الخلافات العالقة بينها. وكان من المفترض أن يضم هذا المنتدى تركيا وأذربيجان وروسيا وجورجيا وأرمينيا.

وهذه الدول جميعها بينها مشاكل عالقة، فالروس يختلفون مع جورجيا حول نية الأخيرة الانضمام إلى حلف الناتو وعلى مسألة السيادة الجورجية على إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. وأذربيجان وأرمينيا تختلفان على إقليم ناغورنو كاراباخ حيث تدعي كل منهما ملكيته وقد خاضتا بسببه حرباً في عام 1992 أدت إلى قتل المئات وتهجير الألوف من البلدين وقد أعلن الإقليم استقلاله من جانب واحد دون أن يلقى هذا الاستقلال اعترافاً دولياً.

وهناك خلاف قديم يعود إلى عقود مضت بين تركيا وأرمينيا حول قيام الأتراك حسبما يدعي الأرمن بتنفيذ مجازر بحق الأرمن في الفترة من عام 1915 إلى عام 1923. وترفض أنقرة من جانبها الاعتراف بأن ما وقع من عمليات قتل بحق الأرمن هو مجازر إبادة.

ورغم هذه الخلافات الحادة، إلا أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ظلت قائمة حتى عام 1993 عندما استولت أرمينيا على إقليم ناغورنو كاراباخ من أذربيجان. وتزعم أرمينيا أن ما يقرب من 5. 1 مليون أرمني قد لقوا حتفهم نتيجةألا «للمذابح» التي وقعت خلال فترة الحكم العثماني.

ألالكن تركيا نفت بشدة هذا الاتهام قائلة إن 300 ألف أرمني علاوة على ألاالكثير من الأتراك قد ماتوا خلال الحرب الأهلية التي اندلعت عندما ألاحمل الأرمن السلاح من أجل الحصول على الاستقلال في شرق الأناضول.

غير أن البلدين فتحا نافذة لتطبيع العلاقات بينهما، مؤخراً، عندما وجه الرئيس الأرمني سيرج ساركسيان دعوة لنظيره التركي عبد الله غول لزيارة العاصمة الأرمنية يريفان لحضور مباراة في كرة القدم، وهو ما تم بالفعل ورحبت به دول مختلفة باعتباره بداية لمصالحة تاريخية بين البلدين.

ويرى المراقبون أن أنقرة تبدو عاقدة العزم على تصفية أجواء علاقاتها مع جيرانها جميعهم في المرحلة المقبلة التي قد تشهد تغيراً في موازين القوى في ضوء عودة الحديث عن الحرب الباردة وعزم إيران على امتلاك التقنية النووية.

إضاءة

تبدي روسيا غضبها من الموقف التركي بشأن وجود سفن بحرية أميركية وأوروبية في البحر الأسود، بصرف النظر عن حقيقة كونها تقوم، حسبما تزعم، بإيصال المساعدات إلى ميناء بوتي الجورجي. ووصف لافروف سفن الغرب بأنها شكل من «الدبلوماسية الحربية» وطالب تركيا بتشديد قبضتها على مضيقي البوسفور والدردنيل.

وبموجب اتفاقية دولية يعود تاريخها إلى عام 1936، فإنه يتعين على السفن البحرية ألا تمكث أكثر من 21 يوماً في البحر الأسود. والولايات المتحدة، من جانبها، تبدو غاضبة أيضاً من الأتراك لأنهم رفضوا السماح بمرور المزيد من السفن الحربية متعللين بكبر حجمها، مع أن الاتفاقية الدولية نفسها لعام 1936 تمنح السفن الحق بالدخول.

ضرار عمير