البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وعلى بعد 14 كيلومترا من الشاطئ الأسباني فوق ربوة عالية تطل على مضيق جبل طارق وتلتصق به كاللبلاب، تقع طنجة، المدينة المغربية التي أضفى عليها التاريخ أساطيره المثيرة، وزادها الحاضر رونقا وجمالا.
وبتداخل الأسطورة والجمال الطبيعي تشكلت صورة طنجة كمدينة مفتوحة على كل رياح العالم، فهي في مخيلة عشاقها الكثيرين المدينة التي تتقاطع فيها الجغرافيا بالتاريخ، والماضي بالحاضر، وتلتقي عندها الثقافات من كل الألوان.
بقايا عمائرها ومبانيها القديمة بأشكالها الرومانية والأندلسية والأوروبية، شاهد حي على الموجات البشرية التي تدفقت عليها عبر العصور، فهذه المدينة الجالسة في حضن المياه سمعت طرقات حوافر خيول الفينيقيين والقرطاجيين والرومان والوندال، وقد جاؤوها كلهم وتركوا عليها بصماتهم، قبل أن يصخب الوقع بالفتح العربي ومجيء موسى بن نصير عام 707، ليولّي عليها طارق بن زياد، ومنها انطلق هذا القائد الفذ بعد أربعة أعوام فقط، على رأس الجيش الإسلامي عابرا المضيق الذي حمل اسمه ليفتح الأندلس.
منذ ذلك اليوم عظم شأن طنجة، وأصبح اسمها يطلق على المغرب الأقصى كله بعدما تحولت إلى جسر تعبر منه قوافل الجيوش والعلماء والأدباء وكل من يود التوجه إلى الفردوس المفقود. وحين مني عرب الأندلس بنكبتهم التاريخية، احتضنت طنجة الآلاف منهم، فأقاموا فيها وصبغوا حياتها بالصبغة الأندلسية المرهفة.
هرقل مر من هنا
إضافة إلى روعة جمالها، فإن طنجة غنية بمعالمها الأثرية وأهمها (مغارة هرقل)، المشهورة بفتحتها المطلة على البحر والتي تشبه خارطة افريقيا مقلوبة، وهي عبارة عن كهوف كلسية تتكسر عليها أمواج البحر عند كل مدّ.
ولم يثبت حتى الآن بشكل قطعي وجود هرقل في شمال افريقيا، إلا ما تشير إليه الميثولوجيا الإغريقية من أساطير حول هذه الشخصية الخارقة، فالأسطورة تقول إن هرقل هو الذي فرق بين القارة الافريقية وشبه الجزيرة الايبيرية، وعلى اثر ذلك ظهر مضيق جبل طارق، وأصبحت هذه المنطقة تعرف بـ (أعمدة هرقل).
ومن هذه المعالم حديقة (المندوبية) التي كانت مقرا للمندوب السامي الأسباني. ويحيط بهذه الحديقة ثلاثون مدفعا من البرونز هي بقايا الأسطولين الأسباني والفرنسي. وثمة حي (مرشان) ببناياته التاريخية. أما (السوق الكبير) فيعد بمثابة المركز الرئيسي لطنجة، حيث تدب فيه الحياة ليلا ونهارا، وحيث المقاهي التقليدية التي تجمع السكان والسياح معا، وكذلك المطاعم التي تفوح منها عطور المأكولات المغربية الشهية.
وعلى بعد عشرة كيلومترات صوب مشرق الشمس، يلوح (رأس ملاباطا) وهو يعانق مياه المتوسط بمياه الأطلسي، وعبر طريق جميلة ملتوية بين التلال على طول خلجان رملية صغيرة يتبدى (قصر ملاباطا) شاهقا، ومن شرفة منارته يمكن للزائر، حين يكون الجو صحوا، مشاهدة خليج طنجة ومضيق جبل طارق وسواحل الأندلس القرمزية بالعين المجردة. أما صوب مغرب الشمس باتجاه المحيط الأطلسي فهناك (رأس سبارطيل) قبلة المتأملين عند الشفق، حينما يكون الأفق وردي اللون وتفوح النباتات عطرا.
وقد ظلت طنجة، أو عروسة البوغاز كما يدعوها أهلها وسائر المغاربة، مركزاً دولياً لكل حركات النقل والتجارة حتى الخمسينات من القرن الماضي قبل أن تهمل، لكنها بدأت تستعيد شبابها مع وعد السلطات المغربية باستثمار ثلاثة مليارات يورو لتحسين مركزها وتقوية جاذبيتها كإحدى أهم الوجهات السياحية بعد مدينة مراكش.
وتشمل البرامج الاستثمارية المقترحة إقامة فنادق وقرى سياحية وتطوير البنيات التحتية التي لها صلة بالسكن لمواجهة النمو الديمغرافي والهجرة القروية، خصوصا وان طنجة التي يبلغ عدد سكانها نحو 500 ألف نسمة تعرف نموا ديمغرافيا كبيرا مقارنة مع المدن المغربية الأخرى، ويرافق هذا النمو توسع كبير في الأحياء المحيطة بها، وهو توسع يتميز بأنه غير منظم وعشوائي.
مدهشة
حيث تلقى الرواج في الصيف الذي يعد موسم الزواج التقليدي في المغرب، وتمتزج ألوان (فوطات) البدويات المخططة بالأحمر والأبيض بألوان قبعاتهن المزينة بالشرابات، وتختلط الأواني الخزفية بالذهب الخالص.
وعند الخروج من السوق الكبير عبر بوابة شارع الصباغين، يكون اللون الاسباني فاقع الحضور: فنادق وموتيلات، مقاه ومتاجر، كلها تقريبا على النمط الأسباني. وحتى تكتمل الصورة، لابد من الكاتدرائية الاسبانية العتيقة التي لا تزال منتصبة عند قدم الشارع.
وفي سوق آخر هو السوق الصغير، تكثر المطاعم بشكل ملحوظ، ومنه يصل الزائر إلى بوابة (القصبة) ذات الشوارع الضيقة والأزقة المتعرجة كالمتاهة، وعند طرف شارع رضا سلطان، سينبهر لهيبة مبنى دار الشريعة، الصرح القائم منذ مئات السنين كدار للعدل والقضاء.
وفي حديقة (المندوبية) يكون الزائر أمام التاريخ وهو يتأمل قطعا مدفعية تعود إلى القرن السابع عشر وهي تضفي على المكان طابعا احتفاليا فريدا، فيما تلوح له صومعة مسجد بوعبيد شامخة بنقوشها من الخزف المزخرف المتعدد الألوان.
أما حدائق السلطان، فتجمع بين إغراء الزهور والقوة المثيرة للقصر الرسمي المشيد في القرن السابع عشر، بقبابه الرخامية وسقوفه الأرزية وديكوراته المزينة بالفسيفساء البديعة وهي تأوي اليوم متحف الفنون المغربية القديمة منها والحديثة.
وحين ينتقل من المدينة القديمة ومقاهيها التي تفوح منها رائحة الشاي الأخضر المنعنع، ويختفي رنين أجراس السقائين النحاسية، يجد الزائر نفسه في طنجة العصرية الحديثة، حيث البنايات الشامخة والشوارع الواسعة والمقاهي الفخمة والمطاعم الأنيقة والفنادق المصنفة وهي تموج طوال العام بالقادمين من مختلف الأقطار. وعلى الشاطئ، تتعدد وسائل الراحة والاستجمام والتسلية، وتتنوع الرياضات المائية.
لطنجة سحرها الخاص، فهي يمامة بيضاء على كتف افريقيا، وأقرب نقطة بين الضفتين الافريقية والأوروبية، وهي بوابة المغرب الشمالية، ومرآته في عيون العالم، والمدينة التي لم تتراجع قدرتها على الإلهام وإيقاظ ملكة الفنان الكامن داخلها.
ففي طنجة رسمت مصادفات الجغرافيا واحدا من أجمل وأندر المفترقات في العالم: طريق بحري يتقاطع مع طريق بري، وبحر يتعانق مع محيط، وقارتين شبه متلاصقتين. وعندما يلتقي الماء بالماء، ويخوض الواقع غمار الخيال، يوجد دائما ما يدعو للانبهار.
إضاءة
الزائر لطنجة تدهشه حيوية المدينة بمتاجرها وحشودها المتلاحقة والملتحمة من السواح والمتجولين. ومن بابها الواسع، باب الراحة، وهي فتحة في الأسوار تضفي على المدينة مشهدا بانوراميا لا ينسى يمكن للزائر أن ينصت إلى الصخب المتصاعد من الميناء والقصبة.
وها هو ذا السوق الكبير، بهندسته المعمارية الأصيلة يعج بأنواع البضائع لاسيما الملابس والأثواب من كل الأنواع والأشكال، وسيدها القفطان الشهير، وفي هذا السوق الذي يسميه الطنجاويون (صوكو الكبير) تغص المتاجر بشتى أنواع الحلي من خواتم ودمالج وتيجان وأكاليل خاصة بالعرائس.
رضا الأعرجي
