موجة الانكسارات المتلاحقة كأحجار الدومينو، التي ضربت عدة مؤسسات ومصارف أميركية عملاقة والتي كان لها وقع الزلزال من الدرجة العالية؛ تبدو أنها تعود في جذورها إلى ما هو أبعد من مجرد مجازفات وقروض واستثمارات؛ غير محسوبة. هذه كانت ظواهر الأزمة.

وبكل حال، مثل هذه المطبات يتعذر تلافيها تماماً. هي متلازمة مع طبيعة نظام الاقتصاد الحرّ. الخسارة كما الربح، من مكونات دورته. وأحياناً تكون الانتكاسات من العيار الكاسر، الذي يهدّد بانعكاسات سلبية؛ يقتضي إحباطها.

وقد سبق وحصل مثل ذلك في الولايات المتحدة ذاتها، خلال العقود الأربعة الماضية. كما سبق واضطرت الجهات الرسمية إلى التدخل للإنقاذ، ولو على حساب قوانين السوق وقواعده. عام 1971 سارعت الإدارة إلى مدّ حبل النجدة إلى شركة لوكهيد للطيران، بتوفير قرض مضمون لها، بقيمة مئتي وخمسين مليون دولار.

عام 1979، تكرر إنقاذ شركة كرايسلر للسيارات من الإفلاس، بتأمين قرض عاجل لها بمليار ونصف دولار. وبعد 11/ 9، مدت الحكومة الأميركية يد الدعم إلى قطاع الطيران المدني، بقروض بلغت خمسة عشر مليار دولار. لكن هذه المرة، المسألة مختلفة وغير مسبوقة.

المؤسسات المتهاوية بالجملة، هي من الفئة الأولى والعاتية. الانهيارات كانت بحجم« أكبر فقّاعة في التاريخ »، كما وصفها أحد الخبراء الأميركيين. الأرقام فلكية ومفتوحة. بجوار أو ما يزيد على تريليون دولار.

وهو ليس بالنهائي، عدا عن كلفة هذا الزلزال وتداعياته الاقتصادية؛ على المديين القريب والبعيد. وكذا كان حجم التعويم، لمصارف استثمارية عريقة؛ يزيد عمر بعضها على مئة سنة.عدا عن التي أعلنت إفلاسها. باستثناء الانهيار الكبير عام 1929، والذي كانت له حيثياته وشروطه آنذاك، والتي لا مكان لها اليوم؛ لم يسبق أن وقعت هزّة بهذه القوة التدميرية.

والمفترض، كان أن لا تقع؛ بحكم وجود آليات وضوابط تكفل لجم مثل هذا الانحراف الجنوني. السقوط المدوّي بهذا الشكل،لا تنتجه سلوكيات عابرة؛ مهما تمادت في الإفراط والإنفلاش، أو الفساد والجشع. لا بدّ وأن يكون حصيلة ممارسة مديدة لنمط من هذا النوع، تراكمت مخلفاته الملتهبة؛ حتى عندما صارت بحجم الجبال، وقع الانفجار الكبير.

والاصابع هنا، تشير إلى رئاسة ريغان، باعتبارها المحطة التي انطلق منها قطار الخراب الذي وقع منذ مجيئه، في بداية الثمانينات، رفع عميد المحافظين، شعار الاقتصاد المتحرّر من كل ما كان يرى فيه قيوداً على حركة وحرية الشركات ورجال الأعمال؛ مع اقتطاعات ضريبية هائلة، لمصلحتهم. تبنّى نظرية ««اقتصاد البحبوحة التي تسيل من فوق إلى تحت».

أي إلى تمكين الأعلى ليغرق بالثروة؛ التي لا بدّ آنذاك أن تفيض، على الآخرين كما على الخزينة. بذلك يتحقق الرخاء للمجتمع وتهبط البطالة؛ وبالتالي يتوفر الفائض اللازم من الضرائب لتمويل برامجه التسليحية غير المسبوقة التي اعتمدها لتحقيق سباق تسلّح مع الاتحاد السوفياتي، في ذلك الحين لتأمين الطريق أمام هذا التوجه، بدأ بتفكيك الأنظمة والضوابط، التي اعتبرها بمثابة عراقيل بوجه سياسته هذه.

تفكيك فتح المجال واسعاً، للانفلات الاقتصادي والمالي، في الداخل؛ والمتعولم في الخارج. مدرسة ريغان هذه بقيت تترسّخ حتى مجيء الإدارة الحالية، التي شحنتها بالمزيد من الانفلات؛ عبر المزيد من التخفيض الضريبي للشركات الضخمة وبالتالي للطبقة العليا من المسئولين فيها؛ فضلاً عن التماهي وغضّ النظر عن شطحات وامتيازات هؤلاء المسئولين.

وربما كان، قبل سنوات، انهيار شركة أترون العملاقة، التي كان نائب الرئيس تشيني مديرها التنفيذي السابق؛ أحد أبرز الشواهد على مثل هذا الانحلال الفاقع. وشاهد آخر كشفت عنه الأزمة الحالية، عندما تبيّن أن نصف أرباح مؤسسة ليمان براذرز، السنوية، كانت تنتهي في جيوب كبار مسئوليها، على شكل مكافآت. ومثلها الكثير من الشركات.

صحيح أن في الأمر جشعا وفسادا، مع كثير من التمادي في الشطط. لكن المسألة أعمق من سلوك فردي. كما أنه من غير المعقول أن تستفحل الأزمة وتتورّم إلى هذا الحدّ، لو لم تكن تنعم بمناخ من العداء لآليات الضبط؛ توفر له غطاء سياسيا، يقوم على عقلية الهيمنة؛ التي نمت في أحضان مدرسة المحافظين. مدرسة نهضت على الانفلات في الداخل والخارج. واليوم تحصد ما زرعت، في الحقلين. فالمنفلت محكوم بالوقوع على وجهه. لا حجمه يشفع به ولا جبروته.

إضاءة

منذ مجيئه، في بداية الثمانينات، رفع ريغان عميد المحافظين، شعار الاقتصاد المتحرّر من كل ما كان يرى فيه قيوداً على حركة وحرية الشركات ورجال الأعمال؛ مع اقتطاعات ضريبية هائلة، لمصلحتهم. تبنّى نظرية « اقتصاد البحبوحة التي تسيل من فوق إلى تحت».

أي إلى تمكين الأعلى ليغرق بالثروة؛ التي لا بدّ آنذاك أن تفيض، على الآخرين كما على الخزينة. بذلك يتحقق الرخاء للمجتمع وتهبط البطالة؛ وبالتالي يتوفر الفائض اللازم من الضرائب لتمويل برامجه التسليحية غير المسبوقة التي اعتمدها لتحقيق سباق تسلّح مع الاتحاد السوفيتي، في ذلك الحين لتأمين الطريق أمام هذا التوجه.

فيكتور شلهوب