عند اللحظات الفارقة بين الإمساك والإفطار ينتظر الصائمون سماع صوت ألفوه في الشهر الكريم، صوت يداعب بطونهم الخاوية قبل آذانهم المتأهبة، إنه صوت مدفع الإفطار الذي يسبق أذان المغرب ليمنح الصائم رخصة المأكل والمشرب بعد جفاف العروق.
والحديث عن جذور مدفع الإفطار سيأخذنا بعيدا عن الساحة الإماراتية كما أخذنا من قبل الحديث عن جذور المسحراتي، لكن الاختلاف هنا كبير للغاية إذ عاد صوت و(صورة) المدفع إلى الإمارات بقوة، وتكاد الساحة العربية والإسلامية تخلو من هذه الاحتفالية المميزة إلا من وجودها في الدولة كما سيأتي الحديث عن ذلك بالتفصيل. وبنظرة سريعة على تاريخ مدفع الإفطار سنجد أكثر من رواية تؤسس لبداياته، وقد تختلف الروايات في تفاصيلها لكنها تتفق تماما في النتيجة النهائية، فهناك رواية تقول إن والي مصر محمد علي اشترى عددا من المدافع الحربية لتسليح الجيش، وأراد أن يجربها في وقت صادف غروب شمس أحد أيام رمضان.
ولما سمع الناس صوت المدفع ظنوا أنه تقليد جديد واستحسنوه بل وطلبوا من الوالي أن يستمر العمل بمدفع الإفطار، أما الرواية الأخرى فتعود أحداثها إلى عام 859 هجرية وكان يحكم مصر واليا عثمانيا اسمه(خوشقدم). وكان الجنود يقومون باختبار لمدفع كان هدية للوالي من صديق ألماني، وكما في الرواية السابقة كان موعد الاختبار في أول أيام رمضان ومتزامنا مع موعد أذان المغرب، وظن الصائمون أن هذا نظام جديد استحدثه الوالي فاستحسنوه، لكن في اليوم التالي لم يسمعوا صوت المدفع، فذهب عدد من العلماء لمقابلة الوالي ليطلبوا منه استمرار مدفع الإفطار ولم يجدوه.
لكنهم قابلوا زوجته وكان اسمها (الحاجة فاطمة) فوعدتهم بإبلاغ مطلبهم للوالي وقد كان لهم ما أرادوا، وأطلق بعض الأهالي اسم الحاجة فاطمة على المدفع، وهناك قول آخر في هذه الرواية مفادها أن الأعيان والعلماء وأئمة المساجد ذهبوا لتهنئة الوالي بشهر رمضان بعد سماعهم لصوت المدفع فأبقى الوالي على التقليد. وعلى اختلاف تفاصيل الروايات تبقى مسألة البداية صدفة بحتة جاءت عن طريق اختبار مدفع وقت أذان المغرب في رمضان، ويبقى لنا من هذا التقليد ما عايشته ذاكرة الأولين، إلى أن تم إيداع صوت مدفع الإفطار وديعة في استديوهات الإذاعة لأسباب مختلفة لتذيعه مسجلا وقت الإفطار، ومن هذه الأسباب أن المباني التي تحيط بمكان إطلاق المدفع كانت تتأثر بقوة انفجار القذيفة.
فقد كانت الطلقات من الذخيرة الحية واستمرت كذلك حتى عام 1859، بعدها استخدمت طلقات غير حية (فشنك) وما زالت على هذه الحال حتى وقتنا هذا، وهناك أسباب أخرى تتعلق بتغير الزمان وانصراف الناس عن متابعة هذا التقليد لكثرة الفضائيات والانشغال بالبرامج التلفزيونية والمسلسلات، وبالتالي انصرف المسؤولون عن استمرارية هذا التقليد، لكن من المؤكد أن مدفع الإفطار مازال يقاوم الاختفاء والاندثار من خلال إطلالته صوتا وصورة في مدينة الشارقة.
على ضفاف بحيرة خالد وبالقرب من مسجد النور يقف مدفع الإفطار محاطا بتشريفة من الجنود، تراقبه عيون المتحلقين حوله بانتظار سماع صوته إيذانا بإفطارهم، كبار وصغار يأتون من شتى الأماكن إما للاستمتاع برؤيته أو لتعريف أبنائهم به أو لمداعبة كاميرا التلفزيون التي تنقل الحدث على الهواء مباشرة، وعملية النقل التلفزيوني على قناة الشارقة الفضائية تساهم إلى حد كبير في رد الاعتبار لمدفع الإفطار وإعادة صورته الجميلة إلى الأذهان.
ولينال احتفاء من الناس يندر وجوده الآن في أي مكان على الساحة العربية والإسلامية، صحيح أن البعض يربط تواجده في المكان بتواجد كاميرا التلفزيون ليلوح بيديه ملقيا التحية على أسرته التي تشاهده على الشاشة، لكن السياق يقول إن تواجد الكاميرا مرهون بتواجد المدفع.
وبالتالي يتحقق الجمع في احتفالية رمضانية بطلها الأول والوحيد مدفع الإفطار، وليحقق أيضا معادلة جديرة بالاحترام، فمن ناحية يعود المدفع بهيبته وذكرياته الجميلة لينطبع مشهده في ذاكرة الأجيال الجديدة التي تتابعه في الموقع أو عبر الشاشة.
وبذلك تتم المحافظة على موروث رمضاني له مكانته الخاصة عند المسلمين، ومن ناحية أخرى يتوالى المشهد اليومي في دائرة حول المدفع كلها ابتسامات ومودة بين الجميع، ويتجلى رمضان بصفاته الكريمة والخيرة في إفطار بسيط مغلف وموحد يجمع بين الفقير والغني فلا فرق بينهما.
وهنا نستأنس برأي يوسف شعبان الذي يواكب لحظات ما قبل إطلاق المدفع مرددا كل يوم الدعاء للصائمين بالقبول، ويذكرهم باتباع السنة النبوية وسلوكيات الرسول الكريم عند إفطاره، وعن ذكرياته مع مدفع الإفطار يقول يوسف: عندما فكر المسؤولون في مدينة الشارقة بإحياء طقوس مدفع الإفطار لم يتوقفوا عند عملية الإطلاق فقط كما كان يعمل بذلك من قبل.
بل زادوا على ذلك لإبراز الاحتفاء بالمدفع على الهواء مباشرة عبر شاشة التلفزيون، وعندما أوكل لي التعليق على مراسم ما قبل انطلاق المدفع كان دوار الكتاب عند قصر الثقافة هو المكان الذي يدوي فيه صوت المدفع، ولا شك أن تواجد كاميرا التلفزيون في المكان تعطي نكهة خاصة لهذه اللحظات، فقد أصبح للمناسبة جمهور كبير يتابع كل يوم من أيام رمضان الحدث .
ويحلو له أن يداعب الكاميرا، لكن تبقى لهذه اللحظات متعتها عندي أنا شخصيا وبالطبع عند جمهور المتابعين، وبحكم قربي من الحدث وتواجدي باستمرار طوال سنوات فقد لاحظت اهتمام الأجانب بهذا التقليد، فكثيرا ما أراهم متواجدين وسط الناس حاملين كاميراتهم ويلتقطون الصور التذكارية للمدفع، وحتى نكون منصفين فمدفع الإفطار موجود في جميع إمارات الدولة.
وحتى في الشارقة تطلق خمسة مدافع طلقاتها في أماكن مختلفة، فهناك مدفع ينطلق عند إدارة الطوارئ في منطقة المرقاب، ومدفع ثان في منطقة القراين، وثالث في الطلاع، ومدفع عند قلعة الحصن، وأخيرا هنا عند مسجد النور على بحيرة خالد.
ومن وسط هذه المدافع الخمسة يحظى المدفع الذي تنقل مراسمه على الهواء باهتمام الناس سواء من خلال شاشة التلفزيون أو بالتواجد في المكان، وللعلم انتقل المدفع مع كاميرا التلفزيون بعد سنوات طويلة من دوار الكتاب إلى قلعة الحصن في العام الماضي، ولأن المكان هناك ضيق ولا يستوعب الجمهور وسياراتهم، انتقلنا هذا العام إلى مسجد النور تفاديا للزحام.
ويقول مختار محمد (أحد أفراد طاقم المدفع): في البداية يجب التنويه بأن مدفع الإفطار هو أحد أنواع الأسلحة ولكل سلاح هيبته واحترامه، ولذلك يحاط المدفع بطاقم مكون من خمسة جنود، يقومون على صيانته وتنظيفه قبل وبعد الاستعمال، وبالطبع نستخدم طلقات صوت حفاظا على الأمن والسلامة وتحاشيا لقوة صوت انفجار الذخيرة الحية، ومع أن المناسبة تحتاج لطلقة واحدة وهي تؤدي الغرض بالطبع.
إلا أننا نحتفظ بطلقات أخرى احتياطية تحسبا لأي ظرف طارئ، وقبيل موعد الإطلاق نقوم بوضع الطلقة ويأخذ أفراد الطاقم أماكنهم حول المدفع بانتظار التعليمات، حيث ينادي قائد الطاقم أولا بالاستعداد ثم ينتظر إشارة الإطلاق ونقوم نحن بتنفيذها، أما الإشارة فهي تأتي من مبنى التلفزيون لأحد الفنيين المتواجد معنا هنا والذي يقوم بتبليغها ليوسف شعبان.
ويوازن يوسف بين نقطة إنهاء ابتهاله ودعائه وبين إعطاء الإشارة بانطلاق مدفع الإفطار، أما عن شعوري الشخصي تجاه هذا الطقس الجميل فأنا سعيد كوني أحد أفراد طاقم المدفع، وتزداد سعادتي عندما أشاهد الفرحة على وجوه الكبار والصغار، فهذا الطقس يتابعه الكثيرون بما في ذلك الأجانب، وأرى نظرة الإعجاب من الجميع، وأذكر أن إحدى النساء الأوروبيات جاءت ووزعت التمر والماء علينا ساعة الإفطار.
إضاءة
مدفع الإفطار أحد أنواع الأسلحة، ولأن لكل سلاح هيبته واحترامه، يحاط بطاقم مكون من خمسة جنود، يقومون على صيانته وتنظيفه قبل وبعد الاستعمال، وتستخدم في عملية الإطلاق طلقات صوت حفاظا على الأمن والسلامة وتحاشيا لقوة صوت انفجار الذخيرة الحية، وكانت تستخدم قديما طلقات من الذخيرة الحية واستمرت كذلك حتى عام 1859، بعدها استخدمت طلقات (فشنك).
ويحتفظ الطاقم بطلقات احتياطية تحسبا لأي ظرف طارئ، وقبيل موعد الإطلاق يأخذ أفراد الطاقم امكانهم بانتظار التعليمات، حيث ينادي قائد الطاقم أولا بالاستعداد ثم يصدر إشارة الإطلاق ويقوم باقي الطاقم بتنفيذها، أما تاريخ بداياته فقد اختلفت حوله الروايات، والثابت أن البداية كانت صدفة بحتة جاءت عن طريق اختبار أحد ولاة مصر مدفعا وقت أذان المغرب في رمضان، واستحسن الناس هذا الأمر وطالبوا أن يصبح تقليدا.
عز الدين الأسواني



