تحت شعار إعادة الديمقراطية وإسقاط النظام العسكري الحاكم .. غزت الولايات المتحدة في مثل هذا اليوم من عام 1994دولة هاييتي التي تقع في البحر الكاريبي بين الدومينيكان وكوبا.

وهو يعد أول تدخل عسكري أميركي مباشر خارج حدود الولايات المتحدة في عصر مابعد الحرب الباردة داخل القارة الأميركية. وكان قد سبق هذا الغزو بعامين، تدخل أميركي في القارة الافريقية وبالتحديد في الصومال عام 1992، تحت مسمى قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وانسحب الاميركيون من هذا البلد العربي بعد عام واحد بعد فشلهم في القبض على أمير الحرب، آنذاك - محمد فارح عيديد. وخسروا وقتها 18قتيلا. بالنسبة لغزو هاييتي.. لم تكن هناك خسائر أميركية إلى درجة أنه سمي تدخلا عسكريا سلميا هادئا، اذ أتي ثماره في حينه دون إراقة دماء. وبعض المراقبين يزعمون أنها المرة الأولى التي تصدق فيها واشنطن في تبرير غزوها لدولة تعد من دول الجوار الاميركي في القارة الاميركية. فالولايات المتحدة كثيرا ما تدخلت في الكاريبي أو أميركا الجنوبية ، بشكل غير مباشر ومن خلال استخباراتها لإقامة نظم دكتاتورية موالية لها.

وخير مثال على ذلك، تدخلها غير المباشر لإقامة حكم دكتاتور تشيلي أوغوستو بينوشيه الذي أتت به الإدارة الاميركية في عهد رئيسها ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر، للقضاء على الرئيس المنتخب سلفادور الليندي الذي سقط قتيلا في قصره بمباركة أميركية.مبررغزو هاييتي، هو استيلاء العسكر على السلطة والإطاحة بالرئيس المنتخب جان برتراند أريستيد، وهو قس كاثوليكي سابق ، تم انتخابه بالطرق الديمقراطية عام 1990. قال الاميركيون أن هدفهم هو إعادة الرئيس المنتخب أريستيد إلى الحكم، ونالوا تفويضا من الأمم المتحدة بذلك. ولكن لم يدفع الولايات المتحدة إلى الإعداد للغزو، سوى تدفق اللاجئين من أبناء هاييتي بالقوارب بشكل يومي على سواحل ولاية فلوريدا.

وهذا، كما يقول محللون أميركيون ، جعل الرئيس الاميركي آنذاك بيل كلينتون أن يقرر غزو هاييتي ل«استعادة الديمقراطية» وإعادة تنصيب الرئيس المنتخب أريستيد.

ويقول جيمس بنتر المحلل السياسي بشبكة بي بي سي، إن أحد الأسباب الرئيسية في اتخاذ الرئيس كلينتون قرار التدخل في هايتي عام 1994 وإرسال 20 ألف جندي أميركي إلى هناك، هو أن 70 ألف هاييتي فروا من البلاد إلى الأراضي الاميركية بسبب الحكم العسكري، وبالتالي فالغزو ليس حبا في الرئيس المنتخب أريستيد، خاصة وأنه كان ذا ميول يسارية لايستسيغها الاميركيون سواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين.

ويمكن القول،انه لو كانت الولايات المتحدة جادة في إعادة الديمقراطية إلى هاييتي، ما كان ذلك يستلزم منها انتظار ثلاث سنوات حتى تتدخل عسكريا. فالرئيس المنتخب أريستيد أطيح به من قبل العسكرعام 1991 أي بعد تسعة أشهر فقط من انتخابه، وظلت البلاد أسيرة الحكم العسكري ثلاث سنوات حتى أتى الأميركيون في العشرين من سبتمبر 1994.

ويقال أيضا ان الجنرال راؤول سيدراس الذي قاد الانقلاب على أريستيد،كان مدعوما من الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي ايه» وهي«عادة» أو تقليد أميركي، مما يجعلنا نقول ان الأميركيين بالفعل هم صناع الدكتاتوريات والانقلابات العسكرية في القارة الاميركية.

وهناك من يؤكد أن الانقلاب كان فاشلا في القضاء على العنف على المدى البعيد. كانت أهداف الغزو العسكرية محدودة.ولم تتلق القوات الاميركية أوامر بتجريد الميليشيات المسلحة غير الشرعية من سلاحها، ولا أوامر بتدريب قوات جديدة للأمن لحماية سكان المناطق الريفية في هاييتي التي كانت تعيش تحت تهديد ميليشيات وعصابات مسلحة.

عموما .. استمر أريستيد في السلطة حتى نهاية ولايته عام 1996، أي بعد سنتين فقط من التدخل الاميركي. وخلفه الرئيس رينيه بريفيال. وكان ذلك أول انتقال سلمي للسلطة في البلاد منذ استقلالها عام 1804. لم يغب أريستيد طويلا عن السلطة، اذ عاد اليها مرة أخرى من خلال انتخابات أجريت عام 2000، تخللتها أحداث عنف ووقائع فساد حسب ادعاء الأميركيين.

الأمر المثير أن الولايات المتحدة التي غزت هاييتي من أجل أريستيد ، حسب ادعائها- هي التي لفظته وتخلت عنه في نهاية المطاف في وقت كان ينال فيه شعبية بين فقراء بلده. ويوم أن أجبر على الاستقالة في ظل أحداث دامية عام 2004، خرج مصدر أميركي يعلن ترحيبه، قائلا ان أريستيد فعل الصواب بالتخلي عن السلطة ومغادرته البلاد إلى جنوب افريقيا.

هاييتي الآن في وضع سييء اقتصاديا. 80 حوالي في المئة من سكانها البالغ حوالي 9ملايين نسمة يعيشون في خط الفقر، و54 في المئة منهم يعيشون تحت ذلك الخط، حسب التقديرات الاميركية.

وشهدت البلاد في الربيع الماضي انتفاضة جياع ، حاول خلالها المتظاهرون اقتحام القصر الجمهوري في العاصمة بور أو برنس الذي يسكن فيه الرئيس رينيه بريفال الذي تولى السلطة قبل عامين. وعمت حالة من الفوضى العارمة الشوارع، احتجاجا على ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود.

واضطرت وقتها قوات الأمم المتحدة المتواجدة هناك إلى استخدام الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع لتفريقهم. والبلاد مازالت تعيش المعاناة بسبب أزمة الغذاء والفقر الذي لاحدود له.

إضاءة

هاييتي إحدى دول البحر الكاريبي.. توصف بأنها أقدم جمهورية سوداء في العالم، وثاني دولة حصلت على استقلالها في نصف الكرة الغربي، وذلك في عام 1804.

اكتشفها كريستوفر كولومبس، وظلت مستعمرة إسبانية حتي احتلتها فرنسا في سنة 1626 واعترفت أسبانيا بهذا الاحتلال في سنة 1679.

وجاء الفرنسيون بأعداد كبيرة من الأفارقة لاستعبادهم في زراعة حاصلات المناطق المدارية، وبدأ الافريقيون حرب التحرير بهاييتي عام 1790 بزعامة توسان لوفرتور، واستمرت الثورات حتى استقلت هاييتي في سنة 1804. فيما بعد أصبحت تحت حماية الولايات المتحدة من عام 1905 حتي سنة 1934.

وعن الوضع الحالي، تقول منظمة العفو الدولية «أمنيستي»، إن ارتفاع معدل البطالة وتفشي الفقر والاتجار بالمخدرات أدى إلى وقوع اضطرابات اجتماعية وأعمال عنف.

حسن صابر