تعيش تايلاند هذه الأيام أزمة حادة تعود إلى الخلافات السياسية بين الائتلاف الحاكم بقيادة حزب سلطة الشعب وتحالف الشعب من أجل الديمقراطية الذي نجح في حمل رئيس الوزراء ساماك سوندارافيج على الاستقالة بعد حملة احتجاجات ومظاهرات في الشوارع بدأت في شهر مايو الماضي متهمة إياه بأنه دمية بيد رئيس الوزراء السابق ثاكسين شيناواترا الذي أطيح به في انقلاب عسكري عام 2006، وبانتهاكه الدستور بتلقيه أجرا مقابل تقديم برنامج تلفزيوني عن فنون الطهي بينما كان يتولى منصب رئيس الوزراء.
وعلى الرغم من تراجع التوترات بعد إعلان الحكومة رفع حالة الطوارئ التي فرضت في الثاني من سبتمبر الجاري، إلا أن الأزمة السياسية لم تنته بعد.
فالحزب الحاكم قام بترشيح سومتشاي وونغسوات وهو شقيق زوجة الرئيس المخلوع شيناواترا ليحل محل ساماك، وهو ما قد يدفع البلاد إلى المزيد من التوتر، فتحالف الشعب من أجل الديمقراطية يرفض أن يتم ترشيح أي شخص من حزب سلطة الشعب فما بالك إذا كان من المقربين من شيناواترا.
ومن المؤكد أن الاضطراب السياسي الذي تعيشه بانكوك سيكون له تأثير سلبي على مختلف مناحي الحياة في تايلاند وعلى سمعة البلاد في الخارج وعلى القضية الأهم بالنسبة لتايلاند وهي الصراع مع المسلمين في الجنوب الذين يسعون للانفصال عن تايلاند.
فقد أدى الصراع السياسي الذي تعيشه العاصمة إلى تسليم ملف التعامل مع المتمردين في الجنوب إلى الجيش الذي شن عمليات عسكرية مكثفة على المتمردين المسلمين في محاولة منه لتحقيق حسم عسكري لهذا الصراع الذي حصد أرواح أكثر من 3000 شخص خلال الأعوام الأربعة الماضية.
لقد أعاد الجيش التايلاندي بناء عملياته العسكرية في جنوب البلاد وحقق بعض النجاحات في تخفيض عدد الهجمات العسكرية التي يشنها المسلمون، ولكن هذه النجاحات العسكرية المؤقتة لن تؤدي إلى وقف التمرد الذي تدفعه مظالم ومطالب مشروعة للأقلية المسلمة في تايلاند التي تعود إلى أصول ملاوية وتعيش في أقاليم قطاني و يالا و ساتون وسونغلا و ناراثيوات. والحل كما يراه المراقبون هو أن يكون لدى الحكومة التايلاندية الإرادة والقدرة على اتخاذ مبادرة سياسية جدية بالحوار مع المسلمين.
صحيح أن الجيش حقق تقدماً على صعيد تخفيض الهجمات العسكرية التي يشنها المسلمون في الجنوب خلال النصف الأول من هذا العام، لكن المتمردين المنتشرين في بلداتهم وقراهم وبين شعبهم ليس من السهل إلحاق الهزيمة بهم،
كما أن تقدم الجيش التايلاندي لا يتم دون ثمن. فجماعات حقوق الإنسان الدولية أدانت بشدة ما يقوم به الجيش من اعتقالات عشوائية لآلاف المسلمين وتعذيبهم.
ضيعت الحكومة التايلاندية فرصاً كثيرة لحل الصراع في جنوب البلاد وذلك لأنها تجاهلت جذوره الحقيقية. ويبدو أن الأزمة السياسية التي تعاني منها تايلاند حالياً ستجعل من المستبعد أن تكون الحكومة قادرة على توجيه اهتمامها إلى الجنوب المسلم في أي وقت قريب. وكلما طال إهمال بانكوك لتلك المشكلة كان من الصعب عليها بصورة أكبر احتواء ذلك الصراع ناهيك عن حله.
ويعتبر غياب القيادة السياسية الموحدة أو البرنامج السياسي الموحد لمسلمي الجنوب أحد المعوقات التي تحول دون التوصل إلى تسوية سياسية للصراع. وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك الكثير مما يمكن للحكومة التايلاندية أن تفعله من جانب واحد لرفع الظلم عن المسلمين في مجالات الحرية الدينية والتعليم واللغة والتاريخ والاقتصاد.
ولكن هذا يحتاج إلى إعادة تفكير من جانب الحكومة التي ينبغي عليها أن تعترف بالهوية العرقية المختلفة للمسلمين الملاوي وتجد الطرق لإتاحة المجال أمامهم لكي يكونوا مواطنين تايلانديين من دون أن يضطروا إلى التخلي عن خصوصياتهم الثقافية مثل رفع حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام العرفية المطبقة على مقاطعات المسلمين وإعلان الاستعداد للتفاوض مع قادة المسلمين لمنحهم نوعاً من الحكم الذاتي.
غير أن هذه الخطوات قد لا تجد طريقها إلى التطبيق طالما استمر الوضع السياسي المضطرب في البلاد، وكان للعسكر الكلمة الفصل في شؤون الدولة.
ضرار عمير
