بالتأكيد.. ستكون الصحراء مسرورة لو نبتت فيها زهرة .. وبالتأكيد أيضا أن «زهرة الحب» تبقى لها ميزاتها الجمالية والعطرية والمعنوية في حياة العراقيين ، الذين يولد الكثيرون منهم شعراء بالفطرة ، وعشاقا بالفطرة .. وفي زحمة الموت والخراب ، يبقى الحب هو الحب ، الذي لا توجد كلمة مرادفة له ، لأنه عنوان الشباب الدائم ، والعنفوان ..
وحسب أستاذ علم الاجتماع الدكتور سمير الشيخ ، فان العراقيين شعب منفتح ومتفتح ، وللحياة عنده قيمة كبيرة، رغم كل الصعوبات التي يواجهها ، وليس من السهل ترويض طبيعته السهلة بالتعقيدات التي طرأت في السنوات الأخيرة .. وتغيير فطرته المتوارثة عبر قرون وقرون.
وقد عرفت ، ليس بغداد وحسب ، بل أنحاء العراق كلها ، بأنها اوفياء للعاشقين والمحبين ، وأنها «منتدى الغناء» الذي يزخر بالعواطف الجيّاشة . ويقول: قد تكون الظروف أخلّت ببعض التوازن، ولكن عموم العراقيين، وبالأخص الشباب المثقف، والشابات المثقفات، يرفضون النمط الذي يراد إدخاله إلى حياتهم، ومازال الزواج من اجل الزواج فقط، ومن دون تعارف مسبق، من الأمور غير المقنعة..
فقبل سنوات خلت كان للشاب الجامعي أو الموظف ، متسع من الخيارات ، وكذلك الشابات ، ولم تكن اللقاءات خارج مجال العمل تشكل إحراجا كبيرا ، خاصة مع كثرة المتنزهات والكازينوهات والنوادي والجمعيات والاتحادات المختلطة .
على صوت فيروز
وتقول شذى سلمان طالبة جامعية: من قال إن الحب حرام؟ .. احلى الصباحات عندي عندما كنت استيقظ على صوت فيروز ، الذي يبثه جهاز التسجيل عند جاري .. اعرف انه يقصدني انا من خلال أغانيها عن الجار والضيعة ، و«فايق يا هوى».. نحن نعرف بعضنا منذ كنا صغارا ، ولا شك عندي أننا كنا نحب بعضنا منذ ذلك الحين ، وكنت أرد عليه بأغنيات مناسبة ، إلى أن أخذنا نتبادل أشرطة الأغاني ، وهكذا ، تبلور الحب عندنا ، وننتظر الآن أن تتحسن الظروف إلى حد ما ليتقدم لخطبتي .
وعن موقف عائلتها من هذه العلاقة قالت: أمي تعرف ، ولها ثقة كاملة بي وبحسن اختياري، واعتقد أنها أعطت إشارات ما إلى والدي ، الذي يغض الطرف، فهما تزوجا عن علاقة حب ، لذا لا يمكن أن يقفا ضد مشاعري وأحاسيسي .. خاصة وأنا اذهب إلى الجامعة ، ويمكن أن أقيم أية علاقة أشاء من دون علمهما .
ولعل آفاق الحب في الريف أكثر اتساعا ، على الرغم مما يقال عن ضغط التقاليد ، فها هي الصبيّة العاشقة تسأل والدتها ، وتستحلفها بفروضها الدينية «صومها وصلاتها» .. كم فتى أعجبت به وأرادته عندما كانت في مثل عمرها.. انه الحب الفطري الذي تعرف أن أمها سبقتها إليه .
ولكن الشاب علي حسن الصراف ـ موظف ـ يشكو من «ظروف الحب» هذه الأيام ، ويقول : الفتاة التي أحبها حالت الأوضاع القاسية التي نمر بها دون استمرارها بالعمل في وظيفتها ، وانتقلت مع أهلها إلى منطقة أخرى بسبب التهجير الطائفي ، لذا لا مجال أمامنا للقاء ، سيما وان هناك من «يفتون» بحرمة تنزه شاب مع شابة في مكان عام ، وحتى سيرهما في الشارع.
وبقيت وسيلة الاتصال الوحيدة بيننا هي «الانترنت»، ونحن نلتقي دائما ، ونسهر معا متى توفرت الكهرباء . ويضيف : أغلب الشباب ممن يحبون ، يجدون أن الانترنت هو الوسيلة الأفضل للتواصل ، ولولاه لكنّا تهنا في صحارى التزمت التي تريد أن تغلق القلوب ، بعد أن أغلقت المناطق ، وعزلت بعضها عن بعض.
ثورة الانترنت
وعن لقاءات الانترنت ، قالت فردوس الصائغ ـ مدرّسة ـ : كان الانترنت متوفرا بشكل محدود في العهد السابق ، ولم تكن لنا تلك الحاجة الماسّة له ، أما الآن فهو جزء من حياتنا، ولا يمكننا الاستغناء عنه. وقبل أن تعلن عن حبها ، تلكأت بشيء من الخجل.
وقالت : ارتبط منذ سنوات بعلاقة مع شاب مهندس ، وقد سافر إلى الخارج للعمل و«النجاة»، كان يريد التقدم لخطبتي قبل السفر ، إلا أنني أقنعته بالتأني إلى أن «يكوّن نفسه في الغربة»، ثم نرتّب بعد ذلك موضوع الخطبة والزواج . وتابعت: الانترنت هو وسيلة اتصالنا يوميا، وعدة مرات، وأحيانا ـ عندما تتوفر الكهرباء ـ نستمر في سمرنا حتى يختطفها «أصحاب الضمائر الحيّة!».
ويبقى الثنائي شجن نوري وباسل عبد الحق مثالا لمقاومة الظروف الصعبة ، فقد التقيا وتحابّا العام قبل الماضي، في أوج اشتعال الحرب الطائفية، عندما كان هاربا يحاول النجاة من بعض الذين يطاردونه ، ففتح له والدها باب بيته ، وأنقذه ، وآواه ، إلى أن زال الخطر .. فهما من طائفتين مختلفتين .
ليس للطائفية معنى
وتقول شجن ـ موظفة ـ : شاءت الصدفة أن نلتقي بعد هذه الحادثة ، وربما لم تكن صدفة ، لأنه عرف أين اعمل ، وتكررت لقاءاتنا قرب مكان عملي ، ثم اخذ يصعد معي في نفس السيارة إلى «منطقة آمنة» قبل منطقتنا ، ثم صارحني بحبه لي .. في البداية ترددت ، مع ان قلبي كان يخفق بشدة عندما اخرج من العمل ، وأتوقع أن أراه أمامي ، وسبب ترددي هو اعتقادي بانه يردّ الجميل لأننا أنقذناه ، ولكنني وجدت لديه التصميم والصدق في حبه لي ، وأنا أيضا أبادله نفس المشاعر .. وقالت :«لم يكن الحب في يوم من الأيام طائفيا .. أليس كذلك؟».
إضاءة
حسب أستاذ علم الاجتماع الدكتور سمير الشيخ ، فان العراقيين شعب منفتح ومتفتح ، وللحياة عنده قيمة كبيرة، رغم كل الصعوبات التي يواجهها ، وليس من السهل ترويض طبيعته السهلة بالتعقيدات التي طرأت في السنوات الأخيرة .. وتغيير فطرته المتوارثة عبر قرون وقرون.
عراق احمد
