كلما زادت جرعات اجترار التاريخ لنفسه، تفاقمت مصادر التوتر والنزاعات في أي بقعة من العالم، خاصة وأن التاريخ الإنساني مخضب بدماء أبنائه وذاكرته تغص بشتى أصناف المآسي والكوارث والآلام التي ألحقها الإنسان بأخيه الإنسان، ما يضع الكثير من علامات الاستفهام حول ضرورة نبش التاريخ من عدمه.
تلك الضرورة التي لا يمكن مقاربتها بعيدا عن سياقاتها السياسية المعاصرة وإمكانيات استغلالها ووضعها في خدمة طيف واسع من الأهداف السياسية أو الأيديولوجية أو العرقية أو حتى الاقتصادية، ذلك أن تاريخ العلاقات الدولية حافل بالنماذج التي استغلت فيها نزاعات معينة لتخدم مشاريع سياسية معينة، عملا بمبدأ تغليف السياسات الخارجية للدول وخاصة العدوانية منها بمسحة حضارية لا تعدو كونها ذريعة واهية لتمرير هذا المخطط أو ذاك. والنزاع التاريخي بين الأمتين التركية والأرمينية لم يشكل، في يوم من الأيام، حالة استثنائية تشذ عن تلك القاعدة الذهبية المعروفة، على الرغم من حقيقة ما تعرض له الأرمن من مجازر ارتكبتها الإمبراطورية العثمانية بحقهم، لكن مع التأكيد على ان تلك المجازر حدثت ضمن سياقات جيوسياسية معينة عندما كانت الكرة الأرضية تهتز تحت ضربات القوى الكبرى المشاركة في الحرب العالمية الأولى وفي مرحلة تحول حرجة من تاريخ إحدى أعتى الإمبراطوريات التي بسطت هيمنتها على جزء لا بأس به من العالم. أي أن المشهد العام كان، في تلك الفترة، دمويا إلى حد الجنون برمته وغطى عددا كبيرا من شعوب قارتي آسيا وأوروبا ولم يقتصر على الشعب الأرميني أو سواه.
مستجدات للحل
النزاع الأرميني ـ التركي طال أمده وكان من الممكن أن يمتد لفترة أطول لولا ظهور عدد من المستجدات الجيوسياسية المهمة على الصعد كافة، الوطنية والإقليمية والدولية، وقد أدى تضافر تلك المستجدات إلى هذا المناخ الإيجابي وإلى وصل ما انقطع بين الشعبين منذ عام 1915.
فقد شهدت تركيا في السنوات الأخيرة تغييرات كبيرة في خارطة القوى السياسية المحركة للمجتمع والدولة والمحددة لمسارهما،البعض منها انكفأ وتقوقع على نفسه والبعض الآخر برز ونمى وتطور وصبغ المشهد التركي الداخلي والوقع الإقليمي بصبغته، ومن حسن الحظ أن هذه المعادلة السياسية صبت في صالح قوى تنويرية ونحت جانبا قوى رجعية غارقة بالميول العسكرية والقمعية وحتى الشوفينية كانت تهيمن على مقاليد الأمور في تركيا وتحاول جر البلاد إلى أتون نزاعات داخلية وإقليمية غير ضرورية يمكن تلافيها.
فمنذ وصول التيار الإسلامي التركي إلى موقع القرار،راحت تلك الميول الرجعية تتراجع إلى حد كبير لصالح الديمقراطية والحوار وأصبح المجلس العسكري في تركيا لا يشكل أكثر من عنصر واحد من عناصر التركيبة التشريعية والتنفيذية في البلاد بعد أن كانت الكلمة الفصل له في جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية.
وأصبح المنظور التركي أوسع بكثير فيما يتعلق بالنظرة إلى الخارطة السكانية التركية ومكوناتها القومية والمذهبية، فضلا عن علاقات هذا البلد الإسلامي مع البلدان المجاورة له.
توجه تركي جديد
إن نجاح التقارب التركي ـ الأرميني يشكل جزءا لا يتجزأ من توجه جديد للدولة التركية قوامه الانفتاح على المجتمع ومكوناته الحقيقية وعلى البلدان المجاورة أيضا، حيث تمر العلاقات السورية ـ التركية والعراقية ـ التركية في أحسن حالاتها بعد توقيع العديد من اتفاقيات التعاون بين هذه البلدان في ميادين حيوية مشتركة عدة.
كما شهدت قضية إعادة توحيد قبرص تقدما ملحوظا إلى درجة أن بعض المراقبين يرى أن المسألة أصبحت مسألة وقت لا أكثر ولا أقل، فضلا عن أن الحكومة التركية الحالية تحاول ان تنأى بنفسها عن الصراعات الإقليمية، وهذا ما جعلها ترفض أن تكون طرفا في الحرب الأميركية ضد العراق ودفعها إلى الوقوف موقف الحياد في النزاع الجورجي الروسي الأخير.
لكن هذا المشهد شبه الوردي لا يكتمل من دون الأخذ في الاعتبار توجهات الحكومة الأرمينية أيضا،والتي يشتد الخناق على اقتصاد بلادها وتزيد أعباء عزلتها كلما اشتعل نزاع عند حدودها الشمالية،التي تربطها مع جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وروسيا الاتحادية نفسها التي يعتبر التبادل التجاري معها عصب الاقتصاد الأرميني،الذي أصبح مهددا جراء الحرب المشتعلة بين جورجيا وروسيا،الأمر الذي يجعل أرمينيا مضطرة للبحث عن بديل تجاري عند خاصرتها الجنوبية،خاصة وأن أرمينيا بلد جبلي ويفتقر لأي مخرج له على البحر.
يضاف إلى ذلك وصول الاشتراكي الديمقراطي سيرجي سركيسيان في فبراير الماضي إلى سدة الحكم في أرمينيا والذي كتب مقالة نشرتها صحيفة «وول ستريت جورنال» جاء فيها:
«لقد حان الوقت لبذل جهد جديد يكسر هذه النقطة الميتة. بصفتي رئيسا لأرمينيا، أنتهز هذه الفرصة كي أقترح بداية جديدة،مرحلة جديدة من الحوار مع الحكومة والشعب التركيين بغية تطبيع العلاقات وفتح حدودنا»، تلك الحدود المغلقة منذ استقلال أرمينيا عن الاتحاد السوفييتي في عام 1991.
ضغوط أوروبية
كما لا يمكن استبعاد الضغوط الأوروبية ومستلزمات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي عن مشهد المصالحة التاريخية بين تركيا وأرمينيا فحسب وإنما عن مجمل السياسة الخارجية التركية الحالية،التي أثبتت نجاعتها في غير ملف من الملفات المستعصية على الحل في المنطقة وليس أدل على ذلك من نجاح الحكومة التركية في استئناف المفاوضات غير المباشرة بين سوريا والدولة العبرية، فضلا عن أن تركيا أصبحت لاعبا إقليميا لا يستهان بدوره على الاطلاق، الأمر الذي تجلى بدعوتها إلى حضور قمة دمشق الرباعية التي ضمت كلا من سوريا وقطر وتركيا وفرنسا.
نمو معدلات تطور الاقتصاد التركي،التي حققت أرقاما قياسية خلال السنوات الأخيرة، يعتبر عنصرا آخر لا بد من إضافته إلى سلسلة العناصر آنفة الذكر التي أفضت مجتمعة إلى هذا المناخ الإقليمي الايجابي،الذي يبدو أنه أصبح يشق طريقه بقوة نحو التحول إلى حالة ثابتة لا يمكن قراءة المشهد السياسي في المنطقة من دونها.
وهنا مكمن إيجابية الخطوة التاريخية التي جسدها الرئيس التركي عبد الله غول بزيارته التاريخية لأرمينيا التي أسست لقواعد تغيير عميق في العلاقات الجيوسياسية في المنطقة،إذ يرى بعض المراقبين أن هذا المسعى المشبع بالبراغماتية سيساهم بتجذير ذلك المناخ الإيجابي،الذي يشمل العديد من الملفات السياسية المعقدة في المنطقة، خاصة إذا اخذنا بعين الاعتبار موجة ارتفاع أسعار النفط،التي باتت تلقي بظلالها على كافة بلدان العالم.
لكن الانعكاس المباشر لهذه الخطوة التاريخية ربما يتمثل في إعادة فتح الحدود بين تركيا وأرمينيا المغلقة منذ مطلع تسعينات القرن الماضي لإحكام العزلة على البلد القوقازي الصغير كرد فعل على الحرب ضد أذربيجان التي اندلعت لاستعادة إقليم ناغورنوكارابخ الأرميني الذي تحول اليوم إلى جمهورية مستقلة محمية من قبل إيرفين.
جزء من التكاليف التي ترتبت على هذا النزاع لاحقا يتمثل في أن الأراضي الأرمينية تعرضت للقضم لبناء أحد أضخم أنابيب النفط في العالم،والذي يطلق عليه «بي تي سي» ويبدأ من أذربيجان وصولا إلى تركيا ويصل طوله إلى 1700 كيلومتر وسيصدر عبره مليون برميل من النفط في العام المقبل. علما بأن أرمينيا لا تملك مصادر للطاقة ومصدرها الوحيد للتزود بها يتمثل في أنبوب غاز صغير يأتيها من إيران.
أبعاد اقتصادية
أوروبا تضغط بدورها باتجاه تعميق هذه المصالحة التاريخية، لأن تلك الحدود الناقصة تقف حائلا أمام مشروع عملاق آخر يرمي إلى توحيد القارة القديمة مع الشرق عن طريق القوقاز في محاكاة لطريق الحرير الأسطوري. كما أن أنقرة كانت تفرض حصارا على أرمينيا لإجبارها على الانضمام إلى مشاريع خاصة بالسكك الحديدية وتجارية في المنطقة.
لكن يبدو أن الأرمن مصرون على انتزاع اعتراف من تركيا بارتكابها مجازر ضد الشعب الأرميني في حين تتحدث مصادر دبلوماسية تركية عرض قدمته الحكومة التركية للحكومة الأرمينية لتشكيل لجنة ثنائية من المؤرخين مهمتها دراسة ما حدث في تلك المجزرة التي تنكرها أنقرة.
أرمينيا ترفض هذا الخيار وتدعي أن بحوزتها أدلة على حدوث عملية الإبادة تلك،التي تم الاعتراف بها من قبل بلدان أوروبية وأميركية عدة، حتى أن نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب في الولايات المتحدة تترأس مبادرة ترمي إلى الضغط على البيت الأبيض كي يقبل بوجود تلك المأساة.
صحيح أن مساعي التقارب بين أرمينيا وتركيا تولد الكثير من الشك والقلق لدى أبناء كلا الشعبين حيال الأثمان المحتملة التي سيتعين على كل طرف دفعها، لكن يبدو أن الوعي العام بحقيقة ما تتعرض له المنطقة من تحديات ومشكلات سياسية واقتصادية سيشكل عنوان مرحلة من التعاون الإقليمي في المستقبل لتجاوز تلك المشكلات.
إضاءة
يشكل نجاح التقارب التركي ـ الأرميني جزءا لا يتجزأ من توجه جديد للدولة التركية قوامه الانفتاح على المجتمع ومكوناته الحقيقية وعلى البلدان المجاورة أيضا،حيث تمر العلاقات السورية ـ التركية والعراقية ـ التركية في أحسن حالاتها بعد توقيع العديد من اتفاقيات التعاون بين هذه البلدان في ميادين حيوية مشتركة عدة، كما شهدت قضية إعادة توحيد قبرص تقدما ملحوظا إلى درجة أن بعض المراقبين يرى أن المسألة أصبحت مسألة وقت لا أكثر ولا أقل.
باسل ابو حمدة

