رغم صحة ما حاولت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس التأكيد عليه خلال زيارتها لليبيا أوائل الشهر الجاري من أن الولايات المتحدة ليس لها عداوات دائمة، ما يؤكد حقيقة أن المصالح هي التي تحكم السياسة سواء الأميركية أم غيرها، فإن المصالحة الأميركية الليبية التي دشنتها زيارة رايس بشكل رسمي تصلح أن تقدم كنموذج على كيفية تجييش الولايات المتحدة جهودها لتطويع إرادات الدول في الوجهة التي تريدها. لا ينفي ذلك عنصر المصالحة ودخول علاقات الدولتين مرحلة جديدة تتسم بالتقارب، وإن كان يؤكد على فكرة (القهر الضمني) في تحول مسيرة هذه العلاقة، بغض النظر عن التقييم النهائي لمضمون ومحتوى سياسة كل طرف والتي أفرزت هذه النتيجة.
وإذا كان المجال هنا ليس متاحا للاستعراض التاريخي لمسيرة علاقات الدولتين ، راجع صفحة 15 من هذا الملف ، فإننا نشير إلى أن الإطار العام الذي حكم العلاقات الليبية الأميركية هو التوتر المستحكم الذي وصل إلى مرحلة العداء الأمر الذي بدت مظاهره في مختلف جوانب سياسات الدولتين تجاه بعضهما البعض. ومن هنا حق للبعض أن يصف زيارة رايس لليبيا بأنها تاريخية في ضوء أنها الأولى لوزير خارجية أميركي منذ زيارة جون فوستر دالاس لطرابلس منذ 55 عاما في عهد دوايت أيزنهاور ولقائه مع الملك الليبي محمد إدريس السنوسي، حيث لم تكن رايس ذاتها قد ولدت بعد.
قراءة في البدايات
ويمكن التأريخ للتوتر الحقيقي في علاقات البلدين بوصول الرئيس الليبي معمر القذافي إلى الحكم مع قيام الثورة الليبية عام 1969 ومن هنا يكتسب تطور المصالحة أهميته في ضوء انه حدث في ظل الحاكم ذاته الذي دشنت فترة حكمه مسيرة التوتر في علاقات البلدين.
فمع الاتجاهات الثورية لثورة الفاتح أعلنت ليبيا تأييدها للحركات التحررية في العالم ودعت إلى إخلاء القواعد العسكرية، فضلا عن إدانة الموقف الأميركي المؤيد لإسرائيل ضد العرب خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. ولا نبالغ إذا قلنا إن جوهر هذه المواقف مثل أساس السياسة الليبية حتى عقد مضى مع بعض التغييرات الطفيفة، وهو ما كان من الطبيعي أن يلقي بتأثيراته على استمرار هذا التوتر في علاقات الدولتين في ضوء تعارض هذه المواقف مع السياسات الأميركية.
وقد كان من الطبيعي أن تنعكس مواقف الطرفين في تطورات ألقت بظلالها على هذه العلاقات وكانت بمثابة المحفز لمناخ العداء المستحكم الأمر الذي انتهى باتهام ليبيا بالتورط في هجوم على ملهى ليلي يرتاده الأميركيون في برلين وكذا المسؤولية عن تفجير طائرة بان أميركان فوق لوكيربي على النحو الذي دخل بليبيا في مرحلة الدول الواقعة تحت سيف سياسة العقوبات ممثلة في فرض حظر عسكري وجوي من قبل مجلس الأمن عام 1992 وعقوبات اقتصادية عام 1993.
وبالإضافة إلى ما سبق من سياسات بدأت بها الثورة الليبية مواقفها، فقد كان جديد هذه المواقف انخراط ليبيا فيما اعتبرته الولايات المتحدة دعما للإرهاب على مستوى العالم، فضلا عن بدء ليبيا برنامج للأسلحة النووية، الأمر الذي ارتقى بوضع ليبيا في المنظور الأميركي إلى مستوى إحدى دول محور الشر أو الدول المارقة والتي يأتي على رأسها إيران وكوريا الشمالية والعراق خلال حكم صدام وليبيا القذافي، بالإضافة إلى سوريا.
وإزاء نجاح الولايات المتحدة في مرحلة من مراحل تطور النظام الدولي في القضاء على منافسها الرئيسي على قمة هذا النظام بسقوط الإتحاد السوفييتي فقد بدأت تلتفت إلى القضاء على ما يمكن اعتباره جيوب مقاومة لسياساتها ممثلة في هذه الدول، وهو ما تحقق فعليا بالإجهاز على حكم صدام خلال عملية غزو العراق، واستتبعه بعض التحولات في مواقف سوريا جراء إحكام الخناق عليها بشكل خاص على صعيد الوضع في لبنان.
غزو العراق وعواقبه
هنا لا يمكن إنكار تأثير عملية الغزو الأميركي للعراق التي كانت نتيجة مباشرة لأحداث سبتمبر، على مسيرة الأوضاع في العالم العربي حيث بدت تلك العملية بمثابة العصا الغليظة التي راحت تلوح بها الإدارة الأميركية للنظم الحاكمة في منطقتنا خاصة في ضوء أن المجال أصبح مفتوحا لهذه الإدارة لكي تقوم بما يحلو لها القيام به عقب أحداث سبتمبر التي أدت إلى تعاطف عالمي شديد معها جراء طبيعة العمليات وارتفاع عدد الضحايا الأبرياء.
وعلى ذلك، يمكن القول انه إذا كانت سوريا ما زالت تتخذ بعض مواقف الممانعة، فقد بدا تأثير تلك العملية واضحا على النظام الليبي خاصة في ضوء اتهامه بالتهمة ذاتها التي تم على أساسها إسقاط الرئيس العراقي، وهى السعي لامتلاك أسلحة دمار شامل، وهو ما استتبعه تحول شبه كاملة في المواقف الليبية كان أبرزها الإعلان وبشكل مفاجئ في نهاية ديسمبر 2003 عن التخلي عن البرنامج النووي والسماح لمفتشين من الولايات والأمم المتحدة بزيارة منشآتها ذات الصلة.
كان ذلك التطور بمثابة حبة أخرى من مسبحة السياسة الليبية التي انفرطت حباتها على نحو لم يكن متوقعا حيث كان قد سبقها بأيام قبول ليبيا المسؤولية القانونية عن حادث لوكيربي ودفع تعويضات لعائلات الضحايا. وفيما يؤكد انخراط ليبيا في هذا المسار على غير إرادتها الكاملة التصريح الذي أدلي به سيف الإسلام نجل الزعيم الليبي معمر القذافي مؤخرا وأشار خلاله إلى أن بلاده قبلت الاعتراف بالمسؤولية عن حادث لوكيربي لمجرد رفع العقوبات عن البلاد في ضوء أنه لم يكن أمامها خيار آخر.
أشرت تلك المواقف إلى أن ليبيا، كما صرحت رايس خلال زيارتها الأخيرة، تتغير، في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تراقب مسار هذا التغيير وحدوده. ولأن هذه الأخيرة لمست (جدية وصدق) الزعيم القذافي في توجهاته، فقد كان فتح الباب على مصراعيه أمام تسريع رحلة التحسن في علاقات الدولتين على نحو يلفت الانتباه ويثير الدهشة بشأن مدى الارتياح الأميركي لهذه التطورات، الأمر الذي انعكس في لغة الحديث الأميركية وتحولها التام بشأن ليبيا.
فبعد أن كانت ليبيا مصدرا لزعزعة الاستقرار الدولي خاصة في إفريقيا نجد الرئيس بوش يشدد في رسالة للقذافي على أهمية دور ليبيا الكبير على الساحة الدولية، مشيدا بالجهود التي بذلها القذافي من أجل استقرار العالم لا سيما في إفريقيا من أجل السلام في دارفور وإعادة العلاقات بين السودان وتشاد إلى طبيعتها.
وبعد أن كانت ليبيا على رأس الدول الداعمة للإرهاب تم سحبها من القائمة الأميركية. كما راحت رايس تشير إلى (ما تمثله ليبيا من قيم تاريخية وإسهام في التاريخ والحضارة الإنسانية).
تغييرات استراتيجية صحيحة!
لقد تحقق كل ذلك بفعل إقدام ليبيا على إحداث تغييرات استراتيجية في الاتجاه الصحيح ، بالمعايير الأميركية - حسب تصريح رايس وهو ما كانت الولايات المتحدة مستعدة للاستجابة له، ما يشير إلى سطوة النفوذ الأميركي عالميا ومدى البراجماتية التي وسمت سياسات القذافي بالتقارب معها في نقلة نوعية تختلف عن سياساته التي اتسمت بالبراءة في السنوات الأولى لتوليه الحكم إثر ثورة سبتمبر 69.
فعلى الصعيد العملي فإن الطرفين خرجا رابحين من هذه العملية حيث كرست نتائج هذه التطورات نجاح سياسة بوش في ضم دولة كانت مارقة إلى الخيمة الأميركية، وهي مختلفة تماما عن خيمة القذافي.
فضلا عن إمكانية تقديمها كنموذج يحتذى لدولتين ما زالتا في عداد الدول المارقة وهما إيران وكوريا الشمالية، على صعيد الحوافز والمكاسب التي يمكن لكل منهما تحقيقها حال التلاقي مع المواقف الأميركية. كما أن ليبيا تكون بذلك قد كرست وبشكل نهائي عودتها إلى الساحة الدولية بعد سنوات إن لم يكن عقودا من العزلة، بفعل الرفض الأميركي لانخراطها في النظام الدولي.
أما على صعيد المنافع الحقيقية فإن المصالحة الأميركية الليبية ستتيح لهذه الأخيرة نصيب الأسد من الثروات الليبية على كافة المستويات.
يكفي أن نذكر هنا أنه فيما تلقت ليبيا من إيطاليا نحو خمسة مليارات دولار يتم دفعها على 25 سنة تعويضا عن عقود من الاستعمار فإن طرابلس ستقوم بدفع 16 مليار دولار لإنهاء دعاوى أميركية حول سلسلة عمليات نفذها مسلحون من تنظيمات فلسطينية في السابق ضد مصالح أميركية بتمويل ليبي، هذا فضلا عن نحو تسعة مليارات تعويضات ضحايا لوكيربي وطائرة يوتا التي سقطت فوق النيجر عام 1989.
كعكة فوائد
من جهة ثانية وحسب العديد من المراقبين فإن الولايات المتحدة تعمل على أن تزيد نصيبها من كعكة الاستثمارات في ليبيا التي سبقتها إليها الشركات الأوروبية. فضلا عن كسب زبون جديد وثري في مجال شراء الأسلحة حيث ترغب ليبيا وفق بعض المصادر في إبرام اتفاقيات عسكرية وأمنية مع الولايات المتحدة تتيح للجيش الليبي النظامي الحصول على أحدث الأسلحة أسوة بمعظم دول المنطقة.
أما على المستوى السياسي فقد انضم إلى القافلة العربية المتوافقة مع السياسات الأميركية وافد جديد يحظى بإشادة أميركية لدوره في كبح تدفق المسلحين على العراق، الأمر الذي قد ينسحب على قضايا أخرى قد تسعى واشنطن إلى قولبة موقف ليبيا بشأنها لتتوافق مع مواقفها.
وهنا تبدو دلالة الحديث الخافت بشأن حقوق الإنسان في ليبيا والذي قد يتخذ ذريعة ووسيلة ضغط في المقبل من الأيام للحصول على المزيد من التنازلات في القضايا التي قد يصر النظام الليبي على التزام مواقف مغايرة لمواقف واشنطن بشأنها، وهو ما يعني أن المصالحة وإن تمت، إلا أن هناك فصولا أخرى قد تعكر صفوها رغم أن هذا الاحتمال يبدو ضعيفا.
إضاءة
يمكن التأريخ للتوتر الحقيقي في علاقات البلدين بوصول الرئيس الليبي معمر القذافي إلى الحكم مع قيام الثورة الليبية عام 1969 ومن هنا يكتسب تطور المصالحة أهميته في ضوء انه حدث في ظل الحاكم ذاته الذي دشنت فترة حكمه مسيرة التوتر في علاقات البلدين. فمع الاتجاهات الثورية لثورة الفاتح أعلنت ليبيا تأييدها للحركات التحررية في العالم ودعت إلى إخلاء القواعد العسكرية، فضلا عن إدانة الموقف الأميركي المؤيد لإسرائيل ضد العرب.
مصطفى عبد الرازق
