للشهر الكريم طعم مختلف إذا قضيته في مجتمع مسلم يهتم بالاحتفال به، والعكس بالعكس، إذ لا تشعر بخصوصية الشهر الكريم لو كنت تعيش في مجتمع غير مسلم، هذا ما يؤكده إبراهيم صالح المنسق العام لمكتب مهرجان دبي للتسوق، ويضيف أنه قضى شهر رمضان في أثناء سنوات الدراسة بمدينة (فولكستن) في جنوب بريطانيا وهي أقرب المناطق البريطانية من فرنسا وبلجيكا، كان هذا في عام 1981.
حيث كان موفدا ضمن إحدى البعثات الدراسية، وكانت المشقة هناك مزدوجة حيث تخلو هذه المنطقة بشكل عام من المساجد، وبالتالي لم نشعر بأي مظاهر لرمضان، وكان هذا يمثل تحد كبير لنا رغم محاولاتنا الاندماج مع الجاليات المسلمة هناك، إلا أن اختلاف الهوية القومية وقف حائلا دون ذلك. وكان التحدي الثاني هو طول الفترة الزمنية للنهار أثناء موسم الصيف الذي تواكب مع رمضان وقتها، وبالتالي زيادة ساعات الصوم حيث يصل عدد ساعاته إلى أكثر من 19 ساعة يوميا، بينما لا تزيد عدد ساعات الإفطار على 4 أو 5 ساعات، حيث كان توقيت السحور في الثانية صباحا، وتوقيت الإفطار في العاشرة والنصف من مساء اليوم التالي.
ونظرا لعدم توافر المساجد في هذه المنطقة اضطررنا إلى اتخاذ شقة أحد الزملاء كملتقى للإفطار الجماعي، وكمسجد لأداء فروض الصلوات بما فيها صلاة القيام، ولعل الطقس البارد كان له أثر إيجابي علينا أثناء الصوم طوال هذه الساعات الطويلة. ولغياب الطقوس الرمضانية من حولنا، فقد قمنا بتوفيرها في محيط الشقة الضيق، وقمنا بالتعاون في طهي وتجهيز الأطعمة المحببة لنا وأنواع الحلوى الرمضانية، تماما كما كنا نفعل في الإمارات، وبهذا وفرنا الجو الرمضاني المميز الذي افتقدناه في المجتمع الذي نعيش فيه.
الطريف في الأمر أن الزملاء والزميلات الأجانب الذين نشاركهم الدراسة في المعهد كانوا يشعرون بتغير في سلوكياتنا أثناء الشهر الفضيل ويشعرون أننا نضع حدودا للتعامل معهم، ووضحنا لهم مكانة هذا الشهر عند المسلمين باعتباره شهر العبادات والطاعات والمغفرة، وشرحنا لهم آداب الصوم التي نلتزم بها حسب شريعتنا الإسلامية. أما في مصر حيث قضيت سنوات الدراسة الجامعية بها، فالأمر يختلف كثيرا، هناك تشعر فعلا أنك في شهر رمضان، ففي وقت الإفطار تجد الطرق خالية من المارة والسيارات، وفي فترة ما بعد الإفطار يلتقي الناس في منطقة الحسين لدرجة شعورك أن كل سكان العاصمة وضواحيها اتفقوا على اللقاء هناك.
وكنا حريصين على قضاء الوقت ما بين المغرب إلى فجر اليوم التالي في حي الحسين، حيث المقاهي الشعبية وأسواق خان الخليلي التي تعرض المنتجات السياحية والتراثية، ويستمر السهر حتى يحين موعد وجبة السحور، فكنا نتناولها في هذه الأجواء الخاصة ثم نتوجه لأداء صلاة الفجر في المسجد.
يرى سليمان باقرين مدير عمليات متحف الحضارة الإسلامية بالشارقة أن شهر رمضان يختلف من حيث عادات الشعوب في استقباله والاحتفاء به، وفي الهند قضى رمضان في العام 2002 حيث كان في رحلة علاجية لوالده.
وقد لفت أنظاره ظاهرة التراحم بين المسلمين وبعضهم البعض، ويضيف أن منطقة (تشيناي) بالهند، التي كان يطلق عليها (مدراس) سابقا، بها منطقة مدنية يسكنها قلة من المسلمين لاتزيد على 5 آلاف شخص، لم أشعر فيها بروح الشهر الفضيل، لدرجة عدم وجود مساجد، وكنت اضطر إلى الصلاة في نفس المستشفى التي يعالج فيها والدي باعتبارها مقر إقامتي.
ويضيف سليمان: غير أن المناطق القروية المحيطة بالإقليم كانت تعج بالمسلمين ويقوم المطوع (وهو رجل الدين والمعلم المدرسي في الوقت نفسه) بتبصير الناس بفضائل شهر العبادة من خلال الخطب والدروس الدينية في مساجد القرى الصغيرة، وكنت أرى الموائد حول المساجد لحظة الإفطار في مشهد يدل على التكافل الاجتماعي، وأذكر أن الفواكه الطازجة كانت أكثر الأصناف حضورا عليها.
والمساجد في هذه القرى على تواضعها من حيث المساحة والطراز المعماري تؤدي دورا اجتماعيا كبيرا في رمضان حيث تكفل أنشطة اجتماعية وخدمية مثل ورش التدريب لتعليم الأرامل شؤون الخياطة، وتقوم بدور مؤسسة إسلامية متكاملة من حيث التعليم والإعلام والتثقيف الديني.
كما تضم قسما لرعاية الأيتام، وتزاد مظاهر التكافل الاجتماعي خلال شهر رمضان كما شاهدت، حيث يزداد الإقبال على تلقي الدروس والمحاضرات الدينية وتزدحم المساجد بالمصلين ويحرص عدد كبير من سكان هذه القرى على صلاة القيام خلف المطوع.
يضيف: وفي الأردن يستحضر الشهر الكريم الموروث الشعبي والثقافي والتجاري للعاصمة عمان.. ففي وسطها تكتظ الأسواق الشعبية بالباعة والمشترين لكل البضائع سواء الغذائية أو الملابس أو اللعب وغيرها، وقرب موعد الإفطار تجد الموائد ذات الطابع البدوي، والعامرة بالأكلات الأردنية الشهيرة مثل المنسف والحلويات مثل الملبن، وفي الليل تنتشر الأضواء الملونة وغالبيتها الأحمر، لتنير الأسواق، وتسمع صلاة التراويح في المساجد، ويكثر تدخين النارجيلة بالمقاهي بعد الإفطار.
وكمظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي المنتشرة في الأردن تكثر ظاهرة توزيع وجبات الإفطار على الفقراء، وتسمى الوجبة بـ (الرغيف)، وتتعدد محتويات هذه الوجبة باختلاف الأحياء والمناطق التي توزع فيها، وإن كان أكثرها انتشارا وجبات اللحوم المشوية والدجاج.
يرى جمعة الصايغ، اللواء السابق في شرطة دبي، أن شهر رمضان في البلاد الأوروبية تنقصه الطقوس والعادات الخاصة بالمجتمع الشرقي، فقلة عدد المسلمين ليست هي السبب الحقيقي في اختلاف طقوس الشهر الكريم من بلد لآخر، بل السبب أنه مجتمع غربي له عاداته وتقاليده التي تختلف مع عادات وتقاليد المجتمعات الإسلامية، ويتذكر الصايغ عام 1975 عندما أوفد ضمن بعثة دراسية إلى كلية الشرطة في بريطانيا..
يقول: كنا نقيم بمنطقة (كرو) الواقعة على بعد 300 كم جنوب لندن وواجهنا عدة مشكلات في رمضان كانت أولها توقيت الصيام الذي يتعارض مع النظام العام للكلية وهي بالطبع كلية عسكرية، بها مواعيد محددة للطعام والنوم والاستيقاظ وكل شيء، وتقدمنا ـ كمسلمين ـ بطلبات لتغيير النظام الخاص بنا بما يسمح لنا بالصوم نهارا وتناول وجبة الفطور وقت الغروب.
ولكن إدارة الكلية سمحت لنا فقط باستخدام سخان كهربائي في غرف الإقامة الخاصة بنا، و(تيرموس) للاحتفاظ بالشاي ساخنا حتى موعد الإفطار، وكثيرا ما كنا نضطر للخروج من مقر الكلية لتناول الطعام في المطاعم التي ندر وجودها في منطقة الكلية حيث كانت منطقة منعزلة كثيرا عن المدينة كونها من المناطق المخصصة للتدريبات العسكرية، وهي من المناطق الصناعية أيضا.
أما المفاجأة غير السارة التي وقعت في أحد الأعوام فكانت اكتشافنا أننا أفطرنا على غير التوقيت الصحيح للمنطقة التي كنا نقيم بها واستمر ذلك طوال الشهر كله، مما اضطرنا لإعادة الصوم عند العودة إلى الإمارات. يشير جمعة الصايغ إلى التباين الكبير بين مظاهر رمضان في المجتمع البريطاني وفي غيره من المجتمعات الشرقية، فالمسلمون يحرصون على أداء شعائرهم من صوم وصلاة التراويح وموائد للإفطار ولكن في حدود ضيقة بسبب تباعد المسافات.
إضاءة
يشير إبراهيم صالح المنسق العام لمكتب مهرجان دبي للتسوق إلى أن القاهرة القديمة تتميز باحتفالاتها الخاصة بهذا الشهر، فتجد الزينات المصنوعة من الورق المزخرف، وأخرى من اللمبات الكهربائية الملونة، كما تشم عبق التاريخ القديم في المناطق التاريخية مثل منطقة الحسين وفي السيدة زينب، ويهتم الأطفال باقتناء فانوس رمضان الشهير حيث يجوبون به الأزقة وهم يغنون أهازيج تراثية احتفالا بالشهر الفضيل.
أيمن حجازي



