مع دخول السباق إلى البيت الأبيض شوطه الأخير،تتركّز الأضواء من الآن وصاعداً، وحتى الرابع من نوفمبر القادم،على تفاصيل وأرقام المعركة، بين أوباما الديمقراطي وماكين الجمهوري. خاصة وأن الوضعين متقاربين من حيث القوة الانتخابية. الفارق بينهما، ضئيل ومتأرجح.
كلاهما حقق قفزة، بعد المؤتمر الوطني لحزبه. لكن هذا أمر عادي. فالمؤتمر مهرجان احتفالي. يحرك ويستثير مشاعر ولاء، في هذا الاتجاه أو ذاك. خاصة في أوساط المستقلين. ثم لا تلبث في معظمها أن تتبخّر وتعود، إلى التذبذب من جديد؛ ولغاية أن تستقر على حال، مع اقتراب الحملة من نهايتها. ولما كانت القاعدة الثابتة لأي من الحزبين، غير قادرة لوحدها على إيصال مرشحها إلى البيت الأبيض.
فإن التحدّي، يكمن في القدرة على استقطاب الشريحة الأكبر من كتلة المستقلين والأصوات الفالتة. وهي كتلة وازنة كانت وما زالت، تمسك بمفتاح الانتخابات. غالبيتها هي التي تقرّر ترجيح الكفة. وهنا تدور المنافسة، خلال المتبقي من الحملة.
الماكينة الحزبية الانتخابية، تستنفر كل قواها وقدراتها الدعائية والإعلامية والتقنية، لتلميع صورة مرشحها وتسويق خطابه وتوجهاته ووعوده؛ طمعاً في جذب هذه الغالبية. حتى الآن، ما زال التماوج في المشهد، سيّد الموقف. منذ نهاية مرحلة انتخابات التصفية الحزبية بين المرشحين ولغاية مرحلة مؤتمري الحزبين، بقي أوباما محتفظاً بالموقع المتقدم. لكنه ولا مرة اقترب من ملامسة الرقم 50%. بقي تحته.
وهو الرقم الذي يشير إلى تفوق صلب، يحمل تباشير الفوز الزاحف. مع ذلك كان على مسافة نقاط، لا يستهان بها؛ من خصمه ماكين. أخذ من وهج مؤتمر حزبه، زخماً إضافياً. تعزّز ذلك بنتيجة البداية غير الموفقة لمؤتمر الحزب الجمهوري. تواطأ سوء الحظ، أو بالأحرى الطبيعة، مع سوء التقدير؛ على جون ماكين. إعصار غوستاف، تزامن وصوله الهادر إلى جنوب الولايات المتحدة، مع موعد افتتاح مؤتمر حزبه. التخوف من وقوع كارثة.
كما حصل في إعصار كاترينا قبل ثلاث سنوات؛ نسف الافتتاح ومعه كلمة الرئيس بوش أمام المؤتمر. تضافر ذلك مع الردود على إعلان اختياره ساره بالين، حاكمة ولاية آلاسكا، لمنصب نائب الرئيس. خاصة في ضوء اللّغط الذي دار حول وضع ابنتها والذي تسبب ببعض الإحراج. كما في ضوء أن اختياره لشخصية تفتقر للخبرة اللازمة، يتناقض مع أحد أبرز مآخذه على منافسه أوباما. الأمر الذي رأى فيه الكثير من المراقبين،دليلاً على سوء تقديره في أمر ذي أهمية بالغة.
لكن مع مضي أقل من أسبوع، تجاوز ماكين هذه المطبّات. شطب الفارق، لأول مرة، مع أوباما؛ وبات يتقاسم معه التأييد في صفوف الناخبين المسجلين. بل بات يتفوق عليه في صفوف الناخبين غير المسجلين، الذين يرجّحون احتمال مشاركتهم في التصويت، يوم الاقتراع.
اللافت أن صعوده جاء نتيجة لتزايد التأييد له بين الإناث، من الأميركيين البيض. ما يشي بأن ذلك قد يكون من باب ردّ الفعل على استبعاد أوباما للسناتور هيلاري كلينتون، التي زاحمته على الترشيح، وعدم اختياره لها كنائبة له.
في أية حال المعركة هي بين أوباما وماكين. المرشح لمنصب نائب الرئيس، لا هذه المرة ولا في معظم، إن لم يكن كل، الانتخابات التي سبقت؛ كان له ثقله المقرّر. لكلا المتنافسين، نقاط ضعف وقوة. اوباما، يمثل التغيير، بل التحوّل التاريخي، إذا كانت أميركا جاهزة فعلاً لذلك.
وهو غير ملوث بحرب العراق. دخل مجلس الشيوخ بعد وقوعها. كما أن مقبوليته كانت ولا تزال، وازنة؛ ولو غير كاسحة؛ على الصعيدين الحزبي والقومي. من نقاطه الرخوة، أن تجربته السياسية متواضعة. أجندته اعتمدت في تسويقها ، على بلاغته الخطابية، كما على الكاريزما التي يملكها. غلبت عليها الضبابية والتذبذب، أكثر من الوضوح والثبات. خصمه ماكين، معروف.
يوظف تاريخه العسكري في فيتنام. مستقل إلى حدّ المشاكسة. لكن من المآخذ أنه مزاجي ومستبد في الرأي. عدا عن كونه أول مرشح رئاسي في سنّ الثانية والسبعين. وربما أن عطبه الكبير يكمن في وقوفه إلى جانب سياسة بوش العراقية.
بيد أن كل هذه الحسابات عرضة للتبدّل. الحملة دخلت الآن ذروتها. الماكينات الانتخابية تعمل بكامل طاقاتها، الدعائية والترويجية؛ في منافسة، تقاس فيها الفوارق بالشعرة. هذا إذا لم تطلع عمليات نبش الدفاتر القديمة، بفضيحة او بمأخذ يقلب المعادلة رأساً على عقب.
