ظهرت، مؤخراً، أولى تداعيات الحرب الروسية ـ الجورجية في الفضاء السوفييتي السابق وبالذات في أوكرانيا التي تعصف بها أزمة سياسية جديدة بين قوى المعارضة بعد أن انضم إليها حزب رئيسة الوزراء يوليا تيموشينكو وحزب الرئيس فيكتور يوتشينكو «أوكرانيا لنا».

وقد تفجرت هذه الأزمة في أعقاب تصويت البرلمان الأوكراني على تعديلات قانونية تقلص صلاحيات الرئيس وتتيح إجراءات ملاحقته قضائياً وعزله إذا اقتضى الأمر. وكان اللافت في عملية التصويت انحياز كتلة تيموشينكو في البرلمان لصالح التعديلات المقترحة والانضمام إلى المعارضة المتمثلة بحزب الأقاليم برئاسة فيكتور يانكوفيتش والحزب الشيوعي الأوكراني.

وهذا الأمر دفع كتلة «أوكرانيا لنا» التي يتزعمها الرئيس الأوكراني يوتشينكو إلى إعلان الانسحاب من الائتلاف الحكومي مع حزب تيموشينكو متهماً أحزاب المعارضة بمحاولة القيام بانقلاب تشريعي على الحكومة، ومهدداً بحل البرلمان والدعوة لإجراء انتخابات مبكرة.

إن ما يجري في أوكرانيا ليس بمعزل عما يجري في منطقة القوقاز ككل، فالأزمة ليست أزمة داخلية محضة وإنما لها ارتباطات إقليمية ودولية. فالخصمان المتناحران الآن في أوكرانيا يوتشينكو وتيموشينكو كانا حليفين منذ نجاح الثورة البرتقالية في 2004، وقد وصفا في حينه بميولهما الغربية وعدائهما لروسيا.

وقد بدأت الخصومة بينهما منذ عادت تيموشينكو إلى الحكم كرئيسة للوزراء في أواخر العام الماضي ولكن العلاقات بين الحليفين السابقين شهدت توتراً حقيقياً في الأيام القليلة الماضية حول ملف العلاقات مع موسكو والموقف من الحرب في القوقاز.

فمنذ اندلاع الأزمة أدان يوتشينكو بشدة الهجوم الروسي على جورجيا الذي جاء رداً على قيام الجيش الجورجي بقصف إقليم أوسيتيا الجنوبية وإيقاع عدد كبير من القتلى من بينهم أكثر من عشرين جندياً روسياً. ولم يكتف بذلك، بل ذهب في زيارة تضامن إلى العاصمة الجورجية تبليسي معلناً وقوف بلاده إلى جانب جورجيا، وهدد بوضع العراقيل أمام تحرك الأسطول الروسي في البحر الأسود ومنعه من استخدام القاعدة البحرية التابعة له في أوكرانيا.

ويتهم يوتشينكو رئيسة وزرائه بالوقوف مع الكرملين في صراعه مع جورجيا، وهي ترد على التهمة بالقول إنها تدعم وحدة وسلامة الأراضي الجورجية ولكنها لا تريد لبلادها أن تنجر إلى أي صراع من هذا النوع. وتزامنت الأزمة الدائرة في أوكرانيا مع زيارة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني للبلاد، حيث التقى بكل من يوتشينكو وتيموشينكو في محاولة منه لرأب الصدع بينهما وإبداء دعم واشنطن لأوكرانيا في مسعاها للحصول على عضوية حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.

ولكن دول الاتحاد الأوروبي يبدو أنها منقسمة إزاء موضوع ضم أوكرانيا للاتحاد أو للناتو، فبولندا ودول البلطيق والسويد وبريطانيا تصر على أن أوكرانيا بلد أوروبي وبالتالي يستحق مكاناً على مائدة الاتحاد. أما دول ما يسمى «أوروبا القديمة» بقيادة ألمانيا، فإنها تعارض ضم أوكرانيا وسط مخاوف من التوسع المتواصل للاتحاد ومن إزعاج روسيا التي عرضت عضلاتها السياسية والعسكرية مؤخراً.

يعتقد مراقبون مستقلون أن يوتشينكو أراد من وقوفه إلى جانب جورجيا أن يظهر للولايات المتحدة والغرب استحقاق بلاده لنيل العضوية في الاتحاد الاوروبي وحلف الناتو، فهو كان يعتقد أن الحرب في القوقاز ستظهر أن روسيا تشكل خطراً على أوكرانيا المجاورة إذا لم يتم ضمها إلى حلف الناتو.

ولكن الذي جرى هو أن الحرب أظهرت بالفعل مدى قوة وفعالية روسيا في فضائها المحيط، وهو ما جعل الدول الأوروبية تتروى في اتخاذ قرارات قد تثير غضب موسكو على نحو يدفعها إلى الانتقام، وهي تملك من عناصر الضغط على أوروبا الكثير.

أما موقف تيموشينكو، فيمكن قراءته وفق المراقبين من منظور واقعي، فهذه الحسناء التي سلبت قلوب وعقول ألأوكرانيين في الثورة البرتقالية تدرك أن من الأفضل لبلادها أن تلتزم نوعاً من الحياد الإيجابي في أزمة بحجم أزمة القوقاز التي هي في الحقيقة بين قوتين عظميين، وهي تعلم أيضاً أن مصلحتها تكمن في التقرب من روسيا وليس العكس.