يقول المراقبون للشأن الباكستاني إن تاريخ باكستان يكاد يكون سلسلة من الحلقات المفرغة، فالأحداث التي تتشابه وتتكرر تعود دوما إلى نقاط البداية. حكومات يلطخها الفساد يطيح بها عسكريون يحكمون سنوات ثم ترجع السلطة إلى المدنيين، فيرتد الجيش إلى ثكناته، لتتجدد المغامرة بعد حين. الشيء الوحيد الذي يتغير هو الشخصيات، التي تتصارع في ما بينها ليحتفظ كل منها بموقعه.
قد يتحالف الخصوم وتنقلب الأدوار، ويصعد الأبطال ثم يهوون، غالباً إلى الموت أو المنفى. قد يكون هذا الرأي صحيحا، ولكن تاريخ أي دولة لا يتوقف فقط على أفعال القادة وتصرفاتهم، فالشعوب هي التي تصنع التاريخ، وحتى القادة العسكريين كانوا يستغلون الرأي العام الشعبي المستاء من القيادات المدنية الفاسدة لتبرير انقلاباتهم العسكرية وإجراءاتهم القمعية. وباكستان اليوم تقف أمام مرحلة تاريخية جديدة بعد أن استقال برويز مشرف وانتخب البرلمان آصف علي زرداري رئيساً جديداً للبلاد.
فالرئيس الجديد ورث عن مشرف تركة ثقيلة على مختلف الأصعدة، فهناك فوضى سياسية واقتصادية وأمنية تكاد تُغرق البلاد، وتحتاج لأشهر إن لم يكن لسنوات للتغلب عليها. من الناحية السياسية، هناك مخاوف من تنامي التوتر السياسي القائم بين حلفاء الأمس حزب الشعب الباكستاني بقيادة زرداري وحزب الرابطة الإسلامية بقيادة رئيس الوزراء السابق نواز شريف الذي أطاح به مشرف في انقلابه العسكري قبل تسعة أعوام. فعلى الرغم من إعلان حزب شريف قبوله لنتيجة الانتخابات التي أسفرت عن اختيار زرداري.
إلا أن المراقبين لا يستبعدون أن تتوتر العلاقات بين الحزبين لتصل إلى درجة التصادم خصوصاً في ظل وجود نقاط خلاف عديدة بين الطرفين أبرزها العلاقات مع الولايات المتحدة ومساعدتها فيما يسمى «الحرب على الإرهاب» وكذلك مسألة إعادة القضاة الذين عزلهم مشرف إلى مناصبهم، وهو مطلب يصر عليه حزب الرابطة الإسلامية باعتباره مؤشراً على النوايا المستقبلية للرئيس الجديد. وعلى الصعيد الاقتصادي، يعاني الاقتصاد في باكستان من مشكلات مرتبطة إلى حد بعيد بالأزمة السياسية التي سادت البلاد خلال الفترة السابقة، فقد وصل معدل التضخم إلى 25%، في وقت فقد المستثمرون ثقتهم في الاقتصاد الباكستاني.
إلا أن استقالة مشرف وانتخاب زرداري أعادت شيئاً من الثقة إلى المستثمرين الذين أقبلوا على شراء العملة الباكستانية، آملين في انحسار التوتر السياسي في البلاد وتحسين مناخ الاستثمار فيها. وهو ما رفع من سعر الروبية الباكستانية مقابل الدولار.
كما ارتفع مؤشر الأسهم الباكستانية في بورصة كراتشي بأكثر من 5. 4 %. وهذه مؤشرات إيجابية على الصعيد الاقتصادي إلا أن الوصول إلى مزيد من الاستقرار والازدهار الاقتصادي يعتمد بشكل أساسي على الاستقرار السياسي الذي يشجع المستثمرين ويمنحهم مزيداً من الثقة.
أما على الصعيد الأمني، فقد خلَّف الرئيس المستقيل إرثاً أمنياً ما زالت البلاد تعاني منه حتى اللحظة عبر عملياته العسكرية في المناطق القبلية وإقليم بلوشستان، بالإضافة إلى عملية اقتحام «المسجد الأحمر» التي خلفت احتقاناً بالغاً في الشارع الباكستاني وألبت على مشرف بوجه خاص المقاتلين الإسلاميين في المناطق القبلية.
واستناداً إلى الأرقام الرسمية، فإن عمليات الجيش الباكستاني في المناطق القبلية، خلال الأعوام الماضية، خلَّفت ألف قتيل، سقط نصفهم أو أكثر خلال عشرة أيام فقط من المعارك الأخيرة للجيش الباكستاني في مقاطعة «باجور» القبلية والتي وقعت عقب تولي حكومة حزب الشعب بقيادة رئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني مهامها الرسمية بعد انتخابات فبراير من هذا العام.
وهكذا فإنه لا يمكن بأي حالٍ إعفاء الحكومة الحالية من تحمُّل المسؤولية عن تلك السياسة المتشددة في المقاطعات القبلية التي تهدف إلى إرضاء الولايات المتحدة ربما بشكل أكثر مما كان يقدمه مشرف. رحل مشرف وجاء زرداري وابتهج الشعب الباكستاني فرحاً برحيل الأول وقدوم الثاني، وإن كانت الفرحة ممزوجة بقلق وخوف من المستقبل.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو هل سيستمر هذا الابتهاج أم سيصطدم بالواقع المرير الذي خلَّفه مشرف؟ يرى محللون سياسيون أن زرداري لن يختلف كثيراً عن مشرف في المحاور الرئيسية للسياسة الباكستانية على الصعيدين الداخلي والخارجي، فهو سيستمر على الأرجح في التحالف مع الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب وفي المساعدة في توجيه الضربات للقاعدة وطالبان.
وسيواصل مكافحة ما يسميه «التطرف والأصولية» في باكستان من خلال توجيه الضربات لعناصر «طالبان باكستان» والجماعات الإسلامية الأخرى المتشددة التي تناهض الولايات المتحدة وحربها في أفغانستان. ولكنه في عمله هذا سيواجه تحديات ومصاعب شتى من خصومه السياسيين الذين باتوا من الآن يقولون إن الولايات المتحدة تنتهك السيادة الباكستانية وتفعل ما يحلو لها على الأرض الباكستانية من دون أن تتدخل الحكومة الجديدة.
كانت باكستان، طيلة سنوات حكم الرئيس المستقيل برويز مشرف، حليفاً مقرباً للولايات المتحدة في حربها على ما يسمى «الإرهاب»، ورأس حربة في ملاحقة عناصر القاعدة وطالبان. ولم تكن الولايات المتحدة لتخسر حليفاً على شاكلة الرئيس المستقيل إلا وفي يدها حليف آخر يستطيع أن يقدم ما كان يقدمه مشرف وربما أكثر. فأميركا لا تهمها الأسماء أو المناصب كثيراً.
وإنما المهم في الأمر كله هو تحقيق مصالحها ورغباتها حسب إرادتها دون أن تكون هناك عراقيل أو معوقات. لقد عثرت واشنطن على ضالتها في الحكومة الجديدة في باكستان، والتي يسعى جميع المتنفذين فيها إلى إرضاء واشنطن بشتى السبل وبأية كيفية.
حتى إن رئيس الوزراء الباكستاني يوسف رضا جيلاني أعلن من حديقة البيت الأبيض، أثناء زيارته للولايات المتحدة الشهر الماضي، أن الحرب على الإرهاب هي «حرب باكستان وسنحارب لأنها قضيتنا» مع أنها في الواقع لم تكن يوما من الأيام حرباً لباكستان ولا نفعتها في شيء بالعكس فقد جرّت عليها الويلات من جراء التفجيرات والهجمات التي جعلت الأوضاع الأمنية بالبلاد متردية إلى أبعد الحدود.
وقد يكون الوضع الأمني على الحدود الأفغانية هو الذي دفع إدارة بوش إلى التخلي عن حليفها السابق مشرف الذي أصبح يمثل عبئًا ثقيلاً، فضلاً عن عدم قيامه بالدور المنوط به على الوجه الأكمل خاصةً في المناطق القبلية.
ولعل من الأسباب الأخرى التي تقف قويةً وراء تخلي واشنطن عن مشرف اعتقاد الإدارة الأميركية بأن مشرف لم يعُد مسيطرا على الأوضاع في البلاد بشكل جيد خاصةً بعد التفجير الذي ضرب السفارة الهندية في العاصمة الأفغانية كابول، حيث اتهمت الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية الاستخبارات الباكستانية بالتورط فيه، ولا بد أن الولايات المتحدة قد ضمنت من الرئيس الجديد تقديم الدعم لها في معركتها ضد القاعدة وطالبان في المناطق القبلية الباكستانية.
ولا يغيب عن الساحة السياسية الرجل الأقوى موقفا الآن «إشفاق كياني»، رئيس أركان الجيش، والذي لعب دوراً كبيراً في صفقة تنحية مشرف والذي يبدو أنه سيلعب دوراً بارزاً أيضاً في مستقبل باكستان السياسي، خاصةً إذا رأت واشنطن أن زرداري وحكومته فشلا في تنفيذ الدور الذي كان يقوم به حليفها الراحل مشرف.
ويعد زرداري من الشخصيات المثيرة للجدل بسبب ماضيه الذي يخيم عليه الاتهامات بالفساد، خاصة في تسعينات القرن الماضي عندما كانت زوجته الراحلة بنازير بوتو رئيسة للوزراء، حيث قضى 11 عاماً في السجن عن تلك التهم. ويصنف زرداري على أنه مؤيد للغرب.
لذا يستبعد مراقبون أن يكون هناك أي تغيير في التزامات باكستان باعتبارها حليفا في الحرب الأميركية على ما يسمى الإرهاب، رغم الغارات الأميركية الأخيرة على منطقة شمال وزيرستان القبلية وإثارتها غضبا شعبيا وانتقادات للحكومة، فلا تزال الولايات المتحدة المزود الأكبر للمساعدات المالية والسلاح لباكستان، وبالتالي فإن الفكاك من هذه العلاقة مع أميركا يبدو مستحيلاً في ظل الظروف الراهنة.
قبيل انتخاب زرداري برزت مخاطر ربما تشهدها البلاد في المستقبل القريب، وكان أقرب مثال عليها محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت رئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني وتبنتها حركة طالبان باكستان. وطالما استمرت الحملات العسكرية الحكومية لملاحقة عناصر حركة طالبان باكستان، فإن هذه الحوادث ستستمر وقد تتصاعد أيضاً مع تكثيف العمليات الأميركية عبر الحدود مع أفغانستان.
وبعد انتخاب الرئيس الجديد، رحبت دول كثيرة في العالم باختيار زرداري ليكون رئيساً ديمقراطياً للبلاد بعد تسع سنوات من الحكم العسكري، بينما وصفته بعض الصحف الباكستانية بأنه رجل «أفاك وكاذب» وعبرت عن تخوفها من عدم إيفائه بتعهده بتجريد منصب الرئيس من سلطة إقالة البرلمان.
وقالت صحيفة «دون» الباكستانية واسعة الانتشار في افتتاحيتها عقب فوز زرداري : «إذا لم يلتزم زرداري بكلمته مرة أخرى فسيلحق الضرر بمصداقيته وأوراق اعتماده الديمقراطية». وتطرقت «دون» في افتتاحيتها أيضاً للعلاقات الأميركية ـ الباكستانية حيث أشارت إلى أنها قد وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ هجمات 11 سبتمبر عام 2001 .
وقالت: إن على الرئيس الجديد أن يستخدم منصبه لنزع فتيل الأزمة لأن قيام الأميركيين بتحطيم الباب المؤدي لباكستان هو ببساطة أمر خطير للغاية. على الصعيد ذاته يرى مؤيدو زرداري أن هذه المزاعم لها دوافع سياسية، وأن أجهزة إعلامية قوية تعمد إلى تشويه صورة زعيمهم في وقت تؤيد فيه نواز شريف الذي أطاح به مشرف في انقلاب عام 1999.
ويخشى مراقبون العودة إلى المنافسة المريرة بين حزبي الشعب والرابطة الإسلامية، والتي كانت سائدة خلال حقبة أواخر الثمانينات والتسعينات والتي جعلت صبر الجيش ينفد من الزعماء المدنيين فينقلب عليهم. خلاصة القول هي أن مستقبل باكستان تغطيه حالة من الضبابية تجعل من الصعب التنبؤ به خاصة في ظل المحاولات الراهنة لتوجيه دفة البلاد نحو شواطئ التقاليد الديمقراطية الوعرة.
لأن الرئيس الجديد لباكستان سيضطر خلال المرحلة الانتقالية هذه إلى اتخاذ قرارات صعبة قد تؤدي على الأرجح إلى زيادة التمزق في البلاد بدل أن توحدها. وفي تلك الأثناء لن تكون الولايات المتحدة بعيدة عن الصورة، فهي ستحاول بالتأكيد أن تحافظ على مكاسبها الجيوسياسية في باكستان بأي ثمن حتى لو أدى ذلك إلى استمرار التوتر وحالة عدم الاستقرار الداخلية في البلاد، تماماً مثلما فعلت طوال العقود الماضية.
ضرار عمير



