منذ سبع سنوات خلت، تمكنت مجموعة إرهابية منظمة جيدا على نحو غير مسبوق من اختراق المنظومة الأمنية للولايات المتحدة، ووجهت ضربة قاسية إلى بعض الأهداف الإستراتيجية الأميركية راح ضحيتها الآلاف من الأشخاص فضلا عن فقدان القوة العظمى المتفردة بالعالم جزءا كبيرا من هيبتها وسطوتها. كان لذلك الحدث الاستثنائي، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وقع الزلال على رؤوس شاغلي البيت الأبيض من تيار المحافظين الجدد وأدخلهم في دوامة ردة فعل مدوخة جعلتهم يحاربون طواحين هواء جديدة في مناطق إضافية من العالم.

في مقاربة المقدمات التي أدت إلى تصعيد لغة العنف إلى هذا المستوى وما أفضت إليه من تداعيات كارثية في كافة أنحاء العالم،لا مناص من الذهاب إلى السؤال التقليدي الذي يطرح في ظل هكذا ظروف وهو: هل جعلت ردة الفعل الأميركية تلك العالم أكثر أمنا وأمانا مما كان عليه عشية هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال المحوري ، يتعين علينا إلقاء نظرة ولو سريعة على المشهد السياسي الدولي عشية تلك الهجمات الموجعة،ذلك المشهد كان يحمل عنوانا رئيسيا تجسد في التقارب الكبير بين أهم القوى الفاعلة على الساحة الدولية في أهم الملفات ذات الاهتمام المشترك التي تحظى بإجماع عالمي يصعب التحليق خارج سربه، وفي المقدمة منها مسألة كبح جماح ظاهرة التسلح والانتشار النووي.

حيث تم التوقيع على اتفاقيات عظيمة الشأن بهذا الخصوص بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة ومعها الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو طبعا، الأمر الذي كان في طريقه إلى أن ينعكس بصورة ايجابية على الكثير من النزاعات الإقليمية وعلى رأسها النزاع العربي ـ الإسرائيلي، فضلا عن أن بلدان العالم كانت تتنعم برفاهية بعدها عن الحروب وويلاتها.

باختصار كانت الظروف الموضوعية مهيأة تماما لرسم خارطة سياسية دولية نموذجية المستفيد الأول منها هو الولايات المتحدة دون غيرها بحكم أنها القوة العظمى الوحيدة المتبقية في العالم،لكن لا شك بأنه عندما تتعاضد النظرة العقائدية الضيقة المسيطرة على أذهان رموز تيار المحافظين الجدد على غرار ديك تشيني وجورج دبليو بوش وبول ولفويتز مع جشع أعمى فيما يتعلق بإحكام السيطرة على منابع وممرات النفط تمهيدا للسيطرة على تدفق كمياته وتحديد وجهاته وأسعاره، فإن الكارثة لا محالة كانت في طريقها إلى الوقوع.

ما الذي جلبته ردة الفعل الأميركية على هجمات 11سبتمبر للعالم؟ وفي أي سياق يمكن إدراج هذا التوق العظيم لاستخدام العنف وإعلاء كلمة البطش والقوة؟ اعتقدت إدارة بوش بصورة خاطئة أنها قادرة على حشد كل طاقات العالم لصالح مشروعها الخاص في أحكام قبضتها على كل المقدرات الكونية وظنت أن شعارها المزعوم الداعي إلى وضع كل البنادق في خدمة حربها الواهية ضد الإرهاب كان كافيا لجعل الجميع يرضخون لمشيئتها بمجرد أن تستعرض قواها في هذه المنطقة من العالم أو تلك.

ذلك أن العقلية الأميركية لديها القدرة على تحويل أفظع الجرائم إلى علامات مشرقة في تاريخها وهي مدركة أن الواقع ينم عن عكس ذلك،خاصة وأن الإدارات الأميركية المتعاقبة احترمت دائما ولا تزال العقيدة الهجومية التوسعية التي يقوم عليها الفكر السياسي الأميركي الذي ورثته عن الآباء المؤسسين.

هذه العقلية الفتاكة التي لا ينقصها منطق الثأر والانتقام على طريقة رعاة البقر دفعت بجيوش الولايات المتحدة وجيوش العديد من البلدان الحليفة لها إلى الدخول في مغامرة عسكرية غير محسوبة في أفغانستان سعيا وراء معاقبة من تعتقد الإدارة الأميركية أنه المسؤول على ارتكاب هجمات 11 سبتبر المريعة،وكان لها أن أطاحت بالداعم الرئيسي خلال السنوات العشرين الأخيرة لتنظيم القاعدة.

ذلك الراعي الذي جسدته حركة طالبان وحكومتها التي كانت سائدة في أفغانستان عشية الغزو الأميركي لأراضيها،التي لا تزال قوات «ناتو» وقوات حكومة الظل الأفغانية والقوات الأميركية نفسها تتمرغ في وحل مستنقع ما يسمونه بالحرب على الإرهاب في مربعها الأفغاني،الذي بات يثقل كاهل البلدان المشاركة فيه جراء اتضاح عبثية هذه المغامرة وعدم جدواها .

بالإضافة إلى زيادة عدد الخسائر في صفوف قوات التحالف جراء تنامي قوة وقدرات حركة طالبان العسكرية، بحيث أصبح النقاش الحاد إن لم نقل الشجار بين البلدان المشاركة في تلك الحرب العمياء حول ضرورات زيادة أعداد قواتها العاملة في أفغانستان هو سيد الموقف في كافة اجتماعاتها الإقليمية والدولية، وذلك ناجم عن الحسابات الخاطئة للعقلية الأميركية القائم على منطق القوة، حيث اخترعت هذه الإدارة كذبة تجفيف منابع الإرهاب وصدقتها وركبت موجتها في ممارسة تقوم على سياسة خاطئة أيضا تنادي بضرورة الهروب إلى الأمام.

لم يمض الكثير من الوقت حتى بدأت تفوح رائحة الطبخة الأميركية السامة في أفغانستان بعد أن أميط اللثام عن أن مخطط غزو أفغانستان والعراق كذلك كانا على طاولة المكتب البيضاوي حتى قبل وقوع أحداث 11 سبتمبر، التي يعتقد أنها لم تشكل أكثر من ذريعة مناسبة للإسراع في تنفيذ ذلك المخطط، وهذا ما حصل بالفعل حين ركبت الإدارة الأميركية موجة محاربة طواحين الهواء الإرهابية وغزت أفغانسان وحولتها إلى أشلاء وعندما تبينت لها صعوبة السيطرة على ممرات النفط والغاز القادمة من منطقة وحوض بحر قزوين.

وجهت قوتها الغاشمة نحو العراق الغني بالنفط أيضا واجتاحته على الطريقة الهوليودية عام 2003 في حرب غير متكافئة كذلك أدت إلى تدمير هذا البلد العربي تدميرا كاملا، في حين أدخلت نفسها في ورطة جديدة لا يزال المواطن الأميركي يدفع ثمنها ومستنقع جديد لا تزال القوات الأميركية وقوات التحالف تتمرغ في وحله حتى الساعة بعيدا عن أي منظور يساعدها على الخروج من هذا المأزق الكبير على المديين القريب والمتوسط.

ولم تقتصر الآثار السلبية المدمرة للسياسة الخارجية الأميركية على العراق وأفغانستان وعلى وضع إيران في بؤرة الهدف العسكري الإسرائيلي ـ الأميركي، بل إن تلك الآثار تمددت وطالت منطقة الشرق الأوسط برمتها والعالم أجمع بعد أن وجدت جميع الدول نفسها مضطرة للانخراط في هذه المغامرة بطريقة أو بأخرى بعد أن تمكنت الولايات المتحدة من فرض املاءاتها على الأجندات الوطنية والدولية بطريقة مدوخة يصعب تصديقها، بحيث بات أمرا حتميا أن يتصدر تلك الأجندات بند «الحرب على الإرهاب» على حساب الكثير من البنود والمهام الملحة للغاية التي تخص المصالح الحيوية المباشرة لشعوب الأرض.

خلاصة القول إن أحداث 11 سبتمبر تنطوي على محاولة فاشلة من قبل إدارة جورج دبليو بوش لبسط هيمنة أميركية مطلقة على العالم انطلاقا من ذريعة «الحرب على الإرهاب» لكن يبدو أن هذه السياسة الطائشة أتت بعكس المراد منها تماما، فها هو الدب الروسي يطل برأسه من جديد مطالبا بحصته من الكعكة الدولية من خلال القوقاز، وها هي كوريا الشمالية تستأنف العمل في برنامجها النووي، وها هي إيران تواصل العمل في برنامجها النووي أيضا.

وها هي عملية أوسلو تدخل في غياهب النسيان، وها هي الصين تنجح في تنظيم أولمبياد العالم وتحصد جل جوائزه، وهذا هو نجم الأنظمة الوطنية ـ التقدمية يصعد في بلدان أميركا اللاتينية، فضلا عن تفشي حمى ارتفاع أسعار النفط العالمية وزيادة أسعار المواد الغذائية الأساسية وارتفاع أعداد الجوعى والمرضى حول العالم وتفاقم أزمة التلوث البيئي واحتدام العداوات بين شعوب الأرض.

باسل ابو حمدة