موقف الاتحاد الأوروبي الأخير، تجاه روسيا ودخول قواتها إلى جورجيا؛ يعكس واقعية الأوروبيين ومحدودية خياراتهم؛ في آن. بالنهاية ليس في اليد حيلة، للإطاحة بالواقع الذي فرضته موسكو على أرض جارتها القوقازية. البيان الذي صدر عن قادة الاتحاد، اكتفى بالتنديد وبالخطوات التحذيرية، مع تعليقها.
وحتى الإدانة كانت بعيدة عن اللغة النارية والتشدّد . ناهيك بالاستبعاد التام لفرض أية عقوبات، كانت بعض العواصم الأوروبية قد سارعت إلى التلويح بها. بل إلى الدعوة لاعتمادها كرد على ضربة موسكو. الإجراءات التي اتخذها، أقرب إلى حفظ ماء الوجه. أو رفعاً للعتب. مثل «إرجاء» محادثاته مع روسيا بشأن الشراكة الاستراتيجية، معه. وهي أكثر ما بلغه الموقف. وما يستوقف هنا، هو عدم تناسب الردّ، مع ما حصل .
على الأقل من منظور أوروبي وأميركي. عادة لا يكتفي الغرب بهذا القدر من رد الفعل، في مثل هذه الحالات. يسكت فقط، بل يوفر التغطية، عندما تكون إسرائيل هي المعنية. عندذاك يستنفر كل أوراقه وقدراته، لحمايتها وتبرير عدوانها. ما عدا ذلك، تقوم قيامته، على ما يراه عندئذ، عدوان على السيادة والقانون الدولي وحرمة الأراضي الوطنية. لكن هذه المرة، جاء الجواب أقل وبما لا يقاس. السؤال: لماذا؟ هنا تفوح رائحة توريط، لم يكن يسمح بأكثر من الموقف الأوروبي. بل تفوح رائحة اضطلاع الاتحاد الأوروبي بمهمة تنظيف الساحة والحدّ من التداعيات؛ لطمس آثار الورطة والمورّطين.
منذ بداية الاجتياح الروسي والملامة تنصب كلها على رئيس الحكومة الجورجية، ساكاشفيلي. المآخذ انهالت عليه، باعتباره وقع في خطأ حسابي قاتل. إذ كيف له أن لا يحسن تقدير القوة العسكرية الروسية وإمكاناتها الضاربة، التي لا يملك ولو جزءاً يسيراً منها. وكيف يسقط في سوء تقديره لرد فعل الكرملين؛ الذي يتحيّن الفرصة لاستعادة اعتباره؛ بعد كل اللكمات التي تلقاها، في مناطق مصالحه الحيوية وجواره.
لكن إذا كانت فعلاً تقديرات جورجيا في غير محلها؛ فإنه لا يعقل أن تكون على هذه الدرجة من «الغباء»؛ كما وصفها كثيرون. فهي جار قريب من روسيا. وفي الماضي القريب، كانت واحدة من جمهورياتها السوفييتية. بل خرج منها قيادات سوفييتية بارزة، بدءا بستالين وحتى آخر وزير خارجية سوفييتي، ادوارد شيفارنادزه. من المفترض، إذاً، أن لا تكون غافلة إلى هذا الحدّ الذي يدفعها نحو مثل هذه المجازفة. بل المقامرة.
خاصة وأن القيادة في جورجيا، لا بدّ وأنها مدركة لتفكير مدرسة الرئيس بوتين، الحاكمة اليوم في الكرملين. وبالتالي فإن التفسير الأقرب للعقل والمنطق، يقول إن القيادة في جورجيا وقعت في شرك التوريط؛ وليس في خطا الحسابات. وإذا كان هناك من سوء تقدير، وقعت فيه؛ فهو أخذها على محمل الجدّ، ما أوحي لها به من وعود؛ أو ما راهنت عليه، في تصورها، بأنه سيهبّ إلى نجدتها وردّ كأس الاجتياح عنها.
وفي كلا الحالتين، كما في ضوء الموقف الأوروبي؟ الذي بدا أقرب إلى الموكول إليه القيام بوظيفة مسح آثار التوريط، تشير أصابع كثيرة؛ بالظن أو بالتصريح، إلى واشنطن. لم يكن أقلها صراحة، كلام شيفارنادزه ذاته، في بداية الاجتياح؛ عندما أشار بالاسم إلى المورّط الأميركي.
يعزّز ذلك ما صدر عن إدارة الرئيس بوش، من ردّ فعل؛ اتسم بداية بتشدّد لفظي، كان مقدمة للانعطاف باتجاه الموقف الأوروبي؛ من خلال «الثناء على ما خلص إليه في اجتماعه» المخصّص للملف الروسي الجورجي. وكأنه ثناء على الدور الاحتوائي الذي نهض به الاتحاد الأوروبي. كل ما عرضته واشنطن بقي في حدود إعرابها عن الاستعداد «للمشاركة في أي جهد دولي لإعادة اعمار جورجيا»؛ إلى جانب «الدعوة الى إرسال مراقبين دوليين للحلول مكان القوات الروسية». بالنهاية جورجيا دفعت الفاتورة والآخرون الذين كانوا مباشرة أو غير مباشرة وراء التوريط؛ اكتفوا بتقديم التعازي.
اجتياح دولة لأراضي جيرانها، خاصة إذا كانت دولة كبرى؛ مرفوض، من حيث المبدأ، مهما كانت مبرراته. لكن لا يسع واشنطن وبعض الأوروبيين أن يسجلوا سوابق كما فعلوا في العراق؛ ثم يطالبوا موسكو بالتعفف عن مثل هذه الممارسة، وبعد أن كادوا يقتحمون عتبة دارها. كما على الصغار مثل جورجيا أن لا يلعبوا لعبة الكبار ويسقطوا بورطات، نيابة عن هؤلاء.
