الحرب الباردة التي اشتعلت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي .. لم تكن قاصرة على التنافس في إقامة التحالفات واستقطاب أكبر عدد من الدول داخل حظيرتيهما،أو التسابق في التسلح بما في ذلك السباق النووي، أو حتى الجاسوسية. كانت حربا امتدت إلى أن يستخدم أحدهما شتى أساليب الدعاية لفضح مثالب وخطايا الآخر.
تبادلت القوتان الأعظم على مدى أربعة عقود أو أكثر الحملات الإعلامية والثقافية العدائية ولم تخمد نيران هذه الحرب إلا بعد فناء إحدى القوتين وهو الاتحاد السوفيتي في بداية تسعينات القرن العشرين. من أشهر أسلحة الحرب الباردة التي استخدمها الاميركيون على الصعيد الثقافي والأدبي.. رواية «دكتور زيفاجو» للكاتب والشاعر والمترجم الروسي بوريس ليوندوفيج باسترناك المولود عام 1890 والذي توفي عام 1960. الرواية تسيئ إلى الثورة البلشفية التي اندلعت في الاتحاد السوفيتي في نوفمبر 1917 وما ترتب عليها من نتائج كان بدايتها المذبحة التي ارتكبت ضد آخر القياصرة وعائلته.
أطلق الأميركيون هذا السلاح في الخامس من سبتمبر عام 1958، وهو العام الذي ظهرت فيه القوتان وكأنهما يخططان لحرب «ساخنة» بينهما. فقد ظهرت الرواية المسيئة الى الثورة الشيوعية في وقت صار للقوتين حلفان عسكريان .. «وارسو» شرقا والأطلسي «الناتو» غربا. وكانت الرواية بمثابة ضربة موجعة للسوفييت، لأنه لم يكن بالإمكان نشرها داخل الاتحاد السوفيتي. بدأ باسترناك كتابة الرواية التي تعد أهم عمل نثري له في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ويقال أنه أكمل الفصلين الخامس والسادس في عام 1950 أكمل وبعد عامين أكمل بقية فصول الرواية.
ولم يستطع نشرها داخل الاتحاد السوفيتي، إذ لن يكون بإمكانه أن يجد ناشرا يتولى إصدارها لما تحتويه من أحداث ومواقف تسيئ إلى النظام الذي حكم البلاد بعد الثورة. وقد فسرها السوفييت وقتها بأنها رواية تفصح عن رومانتيكية الطبقة الارستقراطية قبيل اندلاع الثورة عام 1917، وتحط من قدر العمال والفلاحين الذين كانوا وقودا للثورة. وغضب المسؤولون وعلى رأسهم الزعيم السوفيتي آنذاك نيكيتا خورشوف.
وثارت الأقلام والاعلام الشيوعي وقتها على باسترناك. ( لم نسمع أنه تعرض لأذى وقتها). بل نجح في تهريب «دكتور زيفاجو» إلى الغرب، اذ كانت تسرب إلى الخارج فصلا فصلا. وكانت المفاجأة أو الضربة الكبرى المتمثلة في صدور الرواية في الولايات المتحدة في الخامس من سبتمبر 1958. وبعدها بقليل نال جائزة نوبل في الأدب، ولم تسمح له السلطات السوفيتية بالموافقة على قبول الجائزة.
كانت الرواية مادة خصبة ومثيرة لصناع السينما في هوليوود. فقد أنتجتها السينما الاميركية عام 1965على يد المخرج العالمي ديفيد لين الذي اختار النجم المصري عمر الشريف ليؤدي شخصية دكتور زيفاجو وسط كوكبة من نجوم هوليوود.وحصد الفيلم خمس جوائز أوسكار بعد أن حقق اعلى الإيرادات في تلك الفترة. ( يلاحظ أن الفيلم لم يعرض في مصر في ذلك الوقت حيث كانت العلاقات بين القاهرة وموسكو في أوج ازدهارها خاصة بعد ما قدمه السوفييت من دعم لمصر من أجل بناء السد العالي).
المفاجأة في طريقة نشر رواية دكتور زيفاجو، جاءت بعد قرابة خمسة عقود من صدورها في الولايات المتحدة. فقد تسربت وثائق منذ وقت قريب، تشير إلى أن وكالة الاستخبارات الاميركية ( سي آي ايه ) ومعها الاستخبارات البريطانية، كانتا لهما الدور الأكبر في ظهور دكتور زيفاجو في أميركا باللغة الروسية، وبالتالي تسهيل حصول باسترناك على جائزة نوبل هذه الحقيقة ، كشف عنها كتاب يحمل اسم ( الرواية المغسولة )للكاتب والمؤرخ الروسي ايفان تولستوي.
اذ أكد أن عملاء الـ «سي آي ايه » خططوا لنشر الرواية بالروسية حتى تستوفي شروط الترشيح لجائزة نوبل، وأهمها أن العمل الأدبي مكتوب بلغته الأصلية ( الروسية). كما استخدم ورق يستعمل في روسيا وبحروف طباعة طبقا للطريقة الروسية في الطبع. فظهرت الرواية وكأنها صادرة من موسكو، وهذا ما دفع لجنة نوبل إلى الإشادة بها. ويشير الكاتب تولستوي إلى رسالة كتبها عميل مخابرات أميركية، يكشف فيها مخطط نشر الرواية. اذ قامت عناصر من سي آي ايه بالتعاون مع المخابرات البريطانية بسرقة فصول الكتاب خلال سفر أحد المقربين من باسترناك الذي كلفه بإرسالها إلى صديق في الغرب.
ويقول العميل في رسالته، أنه تم إجبار الطائرة على الهبوط في مالطا . ونجح رجال الاستخبارات الاميركية في سرقة الرواية من داخل حقيبة هذا المسافر وقاموا بتصويرها بالكامل ثم أعادوها إلى حقيبته في سرية تامة. ويقول أن الاستخبارات الاميركية تعمدت طبع فصول الرواية في مناطق متفرقة حتى لاتصل بأكملها إلى يد أخرى. وبعد نشرها نال باسترناك نوبل. وبعدها أرسل برقية شكر لمؤسسة نوبل السويدية لفوزه بالجائزة، ولكنه بعد أربعة أيام اضطر إلى أن يرفض الجائزة تحت ضغط السلطات السوفيتية. دكتور زيفاجو لم تر النور في روسيا الا عام 1987 في عهد آخر الزعماء السوفييت ميخائيل غورباتشوف.
حسن صابر


