يصعب وصف ساحة «جامع الفنا» أو تعريفها وتقديمها لمن لم يسبق له أن تجول عبر تفاصيلها، فهي قبل أن تكون فضاء للفرجة والتسوق، تعد بمثابة رمز لتاريخ وأحداث، وعنوان أسماء ومشاعر، لذلك تمتنع عن الوصف وتستعصي عليه، فليس من رأى الساحة كمن سمع عنها.
ولا يمكن أن نتخيل سائحا يزور مراكش دون أن يمر بهذه الساحة العجيبة، بل إن جميع زوار المدينة على مختلف لغاتهم وجغرافياتهم وطبقاتهم وأعمارهم يحرصون على أن تكون في مقدمة برنامج جولاتهم، لأن الزحام والأضواء ودخان المشويات وحلقات الحكي والغناء وهالة السحر التي تلفها ستكون ملح الحديث عند العودة. والساحة الواقعة وسط مدينة مراكش تعد أحد أبرز معالم المدينة التاريخية والسياحية، إلا انه لم يتم حتى اليوم انجاز وصف دقيق وعلمي لها.
كما لم يتم إبراز كل الرموز والدلالات التي تنطوي عليها، لاسيما وأنها تحمل في طياتها ما يمكن اعتباره متحفا لمختلف التيارات التمدنية والثقافية والمتوسطية والصحراوية والإفريقية والإسلامية، لكنها ابتداء من عام 2000، عرفت عمليات تنظيم شملت ترحيل مجموع الباعة المتجولين منها وتزويدها بالإنارة اللائقة بمكانتها، وإعادة تنظيم المطاعم المتنقلة والحد من منح التراخيص لمزيد من الباعة المتجولين لإتاحة الفرصة لمزيد من الرواة والفنانين ومنشطي «الحلقة» وأشكال الفرجة الأخرى التي تزخر بها بما يدعم فرص الحفاظ عليها وعلى طابعها المميز.
نواة للتسوق
وقد شيدت الساحة في عهد المرابطين، أي خلال القرن الحادي عشر كنواة للتسوق، واستمدت اسمها في عصر الدولة السعدية «القرن السادس عشر» من فناء المسجد الأكبر بحي روض الزيتون جوار قصر سلطان المغرب، لكن التاريخ يروي أن هذا الاسم أطلق عليها لأنها كانت مكان تنفيذ حكم الإعدام العلني على المجرمين. وبغض النظر عن صحة هذه الرواية، فان الساحة عرفت منذ بداية عهد المرابطين مجموعة من الوظائف، حسب الظروف السياسية التي عايشتها مراكش، فكانت ساحة للتجارة والمبادلات، قبل أن تتحول، في مرحلة أخرى من مراحل تاريخها السحيق، إلى ميدان فسيح للفروسية وتدريب الجنود، لكنها ظلت على الدوام مكانا أثيرا للترفيه والتثقيف.
والساحة اليوم فضاء واسع، يتوزع على أرضيته الإسفلتية البالغة مساحتها 42 ألف متر مربع والتي تضم 48 قطعة مربعة متجاورة حوالي 34 فئة من الحواة ومرقصي القرود والسحرة والعرافين والبهلوانيين والفكاهيين وحتى الواشمات ومخضبات الحناء وقارئات البخت. وتحيط بالساحة مجموعة من الفنادق والمقاهي التي تعج بالناس ليل نهار، ودكاكين حافلة بمختلف البضائع والمنحوتات واللوازم الجلدية والملابس المحلية كالقفطان والجلباب، فضلا عن الزرابي (السجاد) وغيرها من منتوجات الصناعة التقليدية المغربية.
تراث شفوي إنساني
تحفل الساحة بكل الصور التي اشتهر بها المغرب سياحيا، فهي تمثل جزءا من سحر الشرق بالنسبة لنخبة المثقفين الأجانب الذين استهوتهم مدينة مراكش، وقد اشتهرت هذه الساحة التي اعتبرتها منظمة «اليونسكو» عام 2001 «تراثا شفويا للإنسانية» بأنها معلمة من معالم المغرب وفضاء متميز للفرجة، إذ تقدم في كل لحظة عروضا مختلفة لحكواتيين أو مروضي أفاعي أو مقدمي عروض بهلوانية تصاحبها عادة جوقات من الموسيقيين والشعراء الشعبيين، إضافة إلى ما يعرضه العشابون من عقاقير وتوابل.
خصوصا تلك التي تستثير كبار السن عسى أن يجدوا فيها ضالتهم البديلة عن «فياغرا» هذه الأيام. وإذا قدر لك وكنت في الساحة فستستمع إلى حكايات وروايات مدهشة عن عالم الجنس، وستجد من يدعي امتلاك وصفات لمختلف المشاكل الجنسية هي عبارة عن خليط من أقراص ومراهم وأعشاب يزعم باعتها أنها قادرة على «إرجاع الشيخ إلى صباه».
فرجة شعبية .. وموسم أعراس
لقد جعلت هذه العروض الدائمة والفريدة من نوعها في العالم من ساحة جامع الفنا مسرحا للاستمتاع بمشاهدة عروض مشوقة تعبر عن مظاهر الفرجة الشعبية، التي تختزل تراثا غنيا بجانبيه الفني والروحي، وهي بذلك تحافظ على التراث الشفوي من الاندثار ليظل حاضرا في أغلب مدن المغرب، وتبقى مراكش مكانا ساحرا يجتذب آلاف السياح من مختلف أرجاء المعمورة.
ومن بين زوار الساحة وروادها مشاهير الفن العالمي من سينمائيين ومغنيين ورسامين، كما أن بينهم سياسيين ومفكرين وحتى رؤساء دول سبقتهم إليها شهرتها كفضاء يعج بالحركة على إيقاع أصوات الموسيقى والطبول والعروض المثيرة المتنوعة التي تستمر إلى ما بعد منتصف الليل، حيث تتلألأ الساحة بالفوانيس التقليدية، وكأنها في موسم أعراس أبدي.
رضا الأعرجي
