تتصدر مواجهة الأحادية والسعي إلى عالم متعدد الأقطاب عناوين وسائل الإعلام الروسية حيث تؤكد هذه الوسائل أن روسيا تعتزم أن تتصرف من الآن فصاعداً تصرف الدولة القوية السيدة الأمر الذي بدا عندما أعلنت اعترافها باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. هذا القرار فاجأ واشنطن التي كانت تتصرف تصرف القوة الأعظم الوحيدة في العالم بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وما فتئت تؤكد على وجوب المحافظة على وحدة أراضي حليفها الجورجي.
وأشارت الصحف الروسية إلى أن روسيا الاتحادية تلتقط مرة أخرى ثمار السقطات الأميركية في منطقة القوقاز، مضيفة أن روسيا بقيادة ميدفيديف ـ بوتين يبدو أنها لا تشعر بالرضا عن النفس إلا إذا دخلت في منافسة مع القوة العالمية العظمى رأسا برأس، مضيفة أن الحقيقة أن أغلبية المواطنين الروس ومعهم القادة الروس يعتبرون أن انهيار الاتحاد السوفييتي السابق «الكارثة السياسية الجغرافية الأعظم في القرن الماضي العشرين».
وحسبما يبدو أن الكرملين والبيت الأبيض يدركان نيات بعضهما الحقيقية، وكل هذا الضجيج الخارجي المثار ليس سوى تمويه على ما يجري في الواقع. فواشنطن ترعب موسكو بمنظومة دفاعها الصاروخية والأخيرة تخوفها بإجراءات جوابية ملائمة. وكل ذلك يتم في حقيقة الأمر بهدف حل مشكلات أخرى ليس لها أدنى صلة بهذه القضية، إذ إن لدى أميركا مشكلاتها مع إيران والعراق وأفغانستان وكوريا الشمالية وفنزويلا. ولدى روسيا مشكلاتها مع دول رابطة الدول المستقلة مثل أوكرانيا ومولدا فيا وجورجيا وكذلك مع دول البلطيق، وهو ما يعني أنه ليس هناك أية أوهام لدى روسيا بان هذه المنظومة ستقتصر على بولندا لوحدها بل ستزحف لتشمل أوروبا كلها وليس من المستبعد أن تنتشر كذلك في منطقة آسيا والمحيط.
وفي هذا الصدد حذر ميدفيديف من أن موسكو تنوي توجيه ردود فعالة على نشر عناصر نظام الدرع الأميركية المضادة للصواريخ، في أوروبا الشرقية. وقال ينبغي لنا التفكير في طريقة ضمان أمننا. إن ردودنا ستكون غير متناسقة بل فعالة للغاية.
وتابع نملك أنظمة قادرة على تجاوز الدفاع المضاد للصواريخ. والصاروخ الجديد توبول إم مجهز بمثل هذه الأنظمة.
إن روسيا تسعى لخلق واقع جديد في الساحة السوفييتية السابقة وترى أن الولايات المتحدة لا تستطيع مجابهة الأمر الواقع الجديد على الأرض ولكنها تقدر على محاصرة روسيا في البحر. وبالفعل أرسل حلف شمال الأطلسي 10 سفن حربية إلى البحر الأسود حتى الآن، غير أن المراقبين لا يتوقعون وقوع مواجهات مسلحة بحرية بين روسيا والتحالف الغربي وأن يقتصر الأمر على اكتفاء الطرفين استعراض عضلاتهما العسكرية.
د. معمر الفار
