من بين القضايا التي أثارتها تطورات النزاع الأخير الذي جرى في القوقاز التساؤل حول موقع أوروبا في إطار النظام الدولي خاصة إزاء تزايد الحديث عن بدء وقوع نوع من التغير للسمة التي تحكم هذا النظام من القطبية الواحدة إلى عودة جديدة لمرحلة الحرب الباردة على نحو قد يسفر في النهاية عن تغيير في هيكلية النظام ككل.

ورغم أن مثل هذا الحديث يعد سابقا لأوانه، إلا أنه يستمد منطقيته من متابعة قضايا الصراع والتي تمثل في النهاية صراعا على الهيمنة ومناطق النفوذ ما بين قطب آفل وقطب يحاول الحفاظ على هيمنته. هنا يبرز السؤال: أين أوروبا من هذا الصراع؟ وهل ستحاول استغلاله لصالحها وتحقيق حلم الصعود ثانية كقطب بارز على صعيد النظام الدولي، أم أنها ستتخلى عن طموحاتها في ذلك الصدد؟ وإذا ما استقرت على هذا الخيار الأخير، فإلى متى ستستمر في لعب دور «السنيد» للولايات المتحدة وخدمة أهدافها واستراتيجياتها؟ أو بمعنى آخر متى يستمر الأوروبيون في بيت الطاعة الأميركي؟

دور الوكيل لواشنطن

تكشف القراءة المتأنية في الموقف الأوروبي على مدار فصول الأزمة عن استمرار الدول الأوروبية في سياستها القائمة على الالتحاق بالولايات المتحدة ولعب دور الوكيل في إدارة الأزمات الدولية بالنيابة عنها، مع محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من مصالحها الناجم عن تعارض الأهداف الأميركية مع هذه المصالح. ويمكن تلخيص الموقف الاوروبي بأنه يقوم على عدم قطع «شعرة معاوية» مع روسيا، وهو ما يعني إفساح المجال للمشاروات السياسية والدبلوماسية أن تفعل فعلها بعيدا عن لغة القوة، والعمل على اتخاذ موقف متوازن يرضي واشنطن، دون أن يستثير موسكو في الوقت ذاته.

ويؤكد هذه القراءة للموقف الأوروبي نتائج أعمال القمة التي عقدت يوم الاثنين الماضي ودعا اليها الرئيس الفرنسي ساركوزي، حيث لم تخرج بقرارات ذات أهمية تذكر، حيث إنها فيما أدانت اعتراف روسيا باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، داعية الدول الاخرى ألا تحذو حذوها، أكدت في الوقت ذاته ضرورة عدم قطع الحوار بين الاتحاد الاوروبي وروسيا.

وبقدر ما يعكس هذا الموقف قدرا من التعقل والحكمة في التعامل مع الأزمة، إلا أنه يفتقد الفاعلية والتأثير اللتين تسعى واشنطن إلى نيلهما من أوروبا، كما أنه قد يغضب روسيا وإن لم يصل بعلاقات الطرفين إلى مستوى الأزمة، ما يعني في التحليل الأخير أنه يصب في صالح موقف موسكو، وبذلك تكون أوروبا كمن يسعى إلى الإمساك بالعصا من المنتصف.

تباين في المواقف

من التعميم إلى التفصيل نشير إلى وجود قدر من التباين في مواقف الدول الأوروبية تجاه الأزمة يغلفه قدر من التردد في التعامل بحسم مع روسيا، رغم محاولة الاتحاد الاوروبي توفير الانطباع بالتزام مثل هذا الحزم على ما يبدو إرضاء للولايات المتحدة. ويمكن تصنيف مواقف الدول الأوروبية الى أربعة تصنيفات:

المجموعة الأولى: تمثلها اليونان وقبرص وهما يقودان حملة داخل الاتحاد ضد محاولات عزل روسيا وفرض عقوبات عليها.

المجموعة الثانية: وتمثلها ألمانيا وفرنسا: وهى تتخذ مواقف لا تمثل في جوهرها اختلافا كبيرا عن الموقف السابق رغم اختلاف اللغة الرسمية في التعاطي مع الأزمة، وهو ما يعكسه تصريح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على هامش القمة الأوروبية بأن «انتهاك وحدة أراضي جورجيا من قبل موسكو غير مقبول» والتأكيد في الوقت ذاته على ضرورة مواصلة التشاور معها. وكذا تأكيد مصادر فرنسية عديدة على أن تحديد عقوبات أوروبية ليس مناسبا في المرحلة الحالية وأنه من الأنسب العمل على تطبيق اتفاق ساركوزي مع ميدفيديف وساكاشفيلي.

المجموعة الثالثة: وتمثلها بالأساس بريطانيا والتي تميل إلى مساندة دعاة التشدد تجاه موسكو، وهو ما عبر عنه إشارة براون إلى احتمال تجميد عضوية روسيا في مجموعة الثماني التي تضم أكبر ثماني دول صناعية في العالم، ويمثل هذا الموقف امتداد طبيعي لمواقف بريطانيا في مسايرة المواقف الاميركية، وإن كان الموقف البريطاني يتسم بالتخفيف من اللهجة مقارنة بصراعات أخرى على شاكلة الموقف تجاه الأزمة النووية مع إيران.

المجموعة الرابعة وتمثلها دول أوروبا الشرقية والتي تميل إلى اتخاذ موقف بالغ الحدة مع موسكو فيما وصفه البعض بـ «الانتقام من التاريخ»، وهو موقف لن يكون له تأثير بالغ على مجريات الصراع.

اتجاه الى التهدئة

السؤال هو: ما هي أبعاد هذا الموقف الأوروبي المتسم بالتردد والميل إلى التهدئة؟ تتمثل الإجابة في إدراك دول الاتحاد لقوة الخصم الذي تخوض معه حليفتهم واشنطن معركتها، فهو ليس إيران، أو كوريا الشمالية، أو دولة من دول الشرق الأوسط أو حتى أميركا الجنوبية، وإنما هو قطب دولي سابق، يملك من أوراق القوة الكثير سواء العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية.

ولعل ما يشير إلى ذلك اللهجة الحادة التي اتبعها ميدفيديف وبوتين في التعاطي مع حديث سياسة العقوبات، الى الحد الذي زاد من الخوف على أوروبا وليس موسكو جراء اتباع مثل هذه السياسة. وفي ذلك الصدد راح الرئيس الروسي يعلن أن بلاده مستعدة للرد بالمثل على أية عقوبات قد يفكر بها الأوروبيون، وأن هؤلاء الاخيرين إذا أرادوا تدهور العلاقات فسيحصلون على ذلك بالتأكيد!.

وفي تطبيق لهذه السياسة على أرض الواقع كان قرار موسكو تخفيض صادراتها من اللحوم الاميركية لتكون بذلك أول خطوة لتدابير متوقعة في حال ضيقت واشنطن عليها الخناق، وهنا فإن الهاجس الأساسي لدى الدول الاوروبية هو اقدام روسيا على قطع الغاز والنفط عن هذه الدول ما قد يلحق بها قدرا كبيرا من الضرر.

طمأنة روسية

فضلا عما سبق، فإن السياسة الروسية تساعد أوروبا على تليين مواقفها، في ضوء الرسائل الإيجابية من موسكو بشأن التزامها تطبيق خطة التسوية في القوقاز ونيتها سحب كل القوات من الأراضي الجورجية.

وما يمكن أن نخلص إليه من الاستعراض السابق، أن الأزمة تضع اوروبا على مفترق طرق بين مطرقة ااإندفاع الأميركي وسندان المصالح مع روسيا، حيث لم تلق بتأثير إيجابي على صعيد بروز قوة أوروبا، إن لم تضعها في موقف الضعيف سواء شكل التابع للولايات المتحدة، أو من يسترضي روسيا للتهدئة، وهو ما يعني أن فصول الأزمة مرشحة للتصاعد في شكل مواجهة بين قطبين بغض النظر عن مستوى قوة كل منهما هما الولايات المتحدة وروسيا ، وهى مواجهة تبدو حصيلتها متعادلة حتى الآن.

مصطفى عبد الرازق