ثلة من الأجانب لا ينتسبون الى أمة العرب ولا دينها الحنيف.. تحدوا الدولة العبرية وحطموا حصارها الإجرامي المفروض على أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة المنكوب. اخترقوا بقاربين الحصار البحري الذي تفرضه إسرائيل على القطاع. ولكن يبدو أنهم عكروا صفو الصمت العربي، وأحرجوا الأمة التي تعيش إجازة طويلة بعيدا عن التزاماتها القومية تجاه شعب اغتصبت أرضه وشرد الملايين من أبنائه وفرض عليه حصار يخنقه ويحرمه من الحياة في أبسط معانيها!

44 ناشطا أجنبيا لا ينطقون العربية جاؤوا من 17 دولة. أطلقوا على أنفسهم حركة «غزة الحرة». أبحروا في قاربين خشبيين من جزيرة قبرص، وسلاحهم في مواجهة الحصار الإسرائيلي، هو الإرادة والإصرار على كسر الطوق الإجرامي المفروض على الشعب العربي الفلسطيني حتى لو كلفهم ذلك حياتهم. كان بالإمكان أن يتعرضوا لأي عمل إجرامي من القوات الإسرائيلية، ولكنهم لم يبالوا. هدفهم أن يفتحوا طريقا أو على الأقل ثغرة لكسر الحصار ، وأن يكون إبحارهم بداية النهاية لمأساة غزة.

فعلوا ذلك .. وأمة العرب مشغولة بالإعداد لسهرات رمضان المقبلة ومسلسلاته التي تأتي بكل ما لذ وطاب. فنحن مقبلون على شهر لم يعد للعبادة بقدر ما هو شهر للسهرات والمأكولات الشهية والتغزل في فاتنات الشاشة الصغيرة اللواتي يتسابقن في تسلية الصائمين حتى مطلع الفجر، تماما مثلما فعل فيهم «مهند» وفاتنته نور في المسلسل التركي الذي شغل الأمة قبل شهر، واستحق أن تصدر في شأنه فتوى تحرمه !

44 أجنبيا قطعوا رحلة طولها 240 ميلا بحريا بقاربيهم المتواضعين.. رحلة طويلة وشاقة واجهوا خلالها مياها هائجة عند مغادرة قبرص. ومن بينهم من تجاوزت الثمانين (وهي راهبة أميركية). وأصيب كثير منهم بدوار البحر. ومع ذلك قالوا «ما فعلناه يستحق هذا العناء». أرادوا أن يقولوا للعالم.. «هنا شعب محاصر يطارده الجوع، فسارعوا لرفع المعاناة عنه».

أما الأمة التي من المفترض أنها معنية بشؤون الوطن الفلسطيني المغتصب، فاعتادت أن تلزم الصمت، وان نطقت الأفواه، فلا تقول إلا ما يلزم القول في مناسبات العزاء. يصدرون بيانات وقرارات «نارية» على الورق، مجرد تحصيل حاصل. وهذا في زمننا الحاضر بالنسبة للعرب هو أقوى الايمان وليس أضعفه! وحتى لا ينطلق صوت يدعي أننا نجني على النائمين في العسل . نقول هل سمعتم عن قرار وزراء الخارجية العرب الصادر في ديسمبر 2006؟

لقد اجتمعوا وقرروا كسر الحصار المفروض على الفلسطينيين، كرد فعل على استخدام الولايات المتحدة حق الفيتو لإسقاط مشروع قرار كان يعتزم مجلس الأمن إصداره، لإدانة التصعيد الإسرائيلي في غزة. أعلنوا وقتها أنهم اتفقوا على الآليات الخاصة بإيصال المساعدات الإنسانية والمادية والمالية وكسر الحصار وعدم الالتزام بأية إجراءات دولية في هذا المجال.

وقال قائل منهم بشهامة عربية ما بعدها شهامة «قررنا عدم التعامل مع ذلك الحصار، ولن تكون هناك مزيد من القيود الدولية«. والأكثر من ذلك، أعلنوا أيضا منذ عامين عن «موت» عملية السلام بشكل نهائي بين العرب وإسرائيل، وقرروا بالإجماع إعادة القضية مرة أخرى إلى مجلس الأمن بعد أن أماتتها الممارسات الإسرائيلية. فهل فعلوا ما وعدوا به؟

الكلام المعسول عند اللزوم هو أقصى قدرات العرب. وقراراتهم المكتوبة على الورق تكتظ بها أرفف أرشيف جامعة الدول العربية. قرارات تنتهي صلاحيتها بمجرد أن تجف الأحبار التي كتبت بها. لا نفعل شيئا لانقاذ ما يمكن انقاذه. بل وحتى ردود أفعالنا على ما يتعرض له الفلسطينيون، مجرد كلام لزوم تأدية الواجب القومي.

وحتى قرارات القمة العربية الايجابية التي صدرت في اعقاب الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي تفجرت في أعقاب دخول سفاح اسرائيل الكسيح اريل شارون ساحة الأقصى المبارك، والتي استهدفت دعم المقاومة ماديا، ذهبت أدراج الرياح، حتى لا يقال عن العرب إنهم يدعمون الارهاب الفلسطيني! ان ما فعلته القلة الأجنبية التي أبحرت الى غزة والتي شعرت بوخز الضمير.. لم تفكر في شبيه له.. لا قلة ولا كثرة من بني العرب. فالأمة لا شأن لها الا بما يروي ملذاتها وسهراتها المخملية، فلا داعي لإزعاجها.