دخلت العلاقات بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مؤخراً، مرحلة الأزمة بسبب الحرب في القوقاز التي نشبت بين روسيا وجورجيا في أعقاب قيام الأخيرة بشن هجوم واسع على إقليم أوسيتيا الجنوبية الذي يطالب بالانفصال عن جورجيا، حيث صدر عن اجتماع وزراء خارجية دول حلف الناتو الأخير الذي عقد في بروكسل قرار بتعليق اجتماعات مجلس روسيا-الناتو الذي ردت عليه موسكو بقرار مماثل يقضي بتجميد تعاونها العسكري مع الحلف إلى إشعار آخر.

كان حلف الناتو قد تأسس في عام 1949 من أجل مواجهة الاتحاد السوفييتي ولحماية أوروبا الغربية من غزو سوفييتي محتمل، وقد نجح الحلف في القيام بدوره هذا بأن وقف سداً منيعاً في وجه التوسع الشيوعي في غرب القارة الأوروبية. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، فقد الناتو جانباً كبيراً من مبررات وجوده، وتراجع دوره بالفعل على الساحة الدولية مع بروز الولايات المتحدة كقائدة للعالم باعتبارها القوة العظمى الوحيدة فيه بلا منازع.

أخذت روسيا، التي وجدت نفسها ضعيفة بعد فقدان مناطق نفوذها، تتعاون مع حلف الناتو بموجب اتفاقية الشراكة من أجل السلام الموقعة في 1994 والتي استكملت بميثاق باريس في 1997 ومن ثم إعلان روما في 2002 الذي نص على تأسيس مجلس روسيا الناتو. ويشمل التعاون المشترك قضايا عدة مثل مكافحة الإرهاب والمخدرات والمساعدات الإنسانية وإجراء المناورات العسكرية المشتركة.

عودة للحرب الباردة

إن التوتر الراهن في العلاقات بين روسيا والناتو ليس وليد الأزمة الجورجية فقط، وإنما يعود إلى قيام الحلف بالزحف شرقاً باتجاه الحدود الروسية بإعلان نيته ضم جورجيا وأوكرانيا بعد أن ضم دول البلطيق الثلاث: لاتفيا ولتوانيا واستونيا، وأصبح على بعد 600 كيلومتر فقط عن العاصمة الروسية موسكو.

هذا بالإضافة إلى الدرع الصاروخي المضاد للصواريخ الذي تعتزم واشنطن نشره في الأراضي البولندية وهو الأمر الذي زاد من غضبة متخذ القرار الروسي إيذانا ببداية مرحلة فعلية جديدة من مراحل الحرب الباردة. وكانت بولندا والولايات المتحدة قد وقعتا، مؤخراً، على اتفاق لنشر 10 صواريخ اعتراضية فوق الأراضي البولندية كما تم الاتفاق على تزويد بولندا ببطاريات صواريخ باتريوت القادرة على إسقاط الصواريخ المهاجمة.

وأتت الخطوة الأخيرة بمثابة التكملة لخطوة سابقة اتفقت خلالها الولايات المتحدة مع جمهورية التشيك في يوليو الماضي على استضافة الأخيرة محطات رادار فائقة القدرة لرصد الصواريخ في مراحل مبكرة من انطلاقها من قواعدها. وبالخطوتين السابقتين تكون واشنطن قد حققت نجاحاً على طريق محاصرة روسيا الاتحادية وتحجيم قدراتها على شن هجمات بصواريخ إستراتيجية بعيدة المدى انطلاقا من أراضيها المطلة على شرق ووسط أوروبا، وهو ما يعني تقليص قدرة روسيا على الردع النووي وتهديد الأمن القومي الروسي بشكل مباشر.

وعلى الرغم من التأكيدات الأميركية بأنها لا تستهدف روسيا من خلال نشر نظامها الدفاعي الصاروخي في أوروبا وان تلك الخطوات ما هي إلا محاولة لحماية أوروبا والغرب بوجه عام من الخطر الإيراني المستقبلي في حال امتلاك إيران صواريخ بعيدة المدى، إلا أن الروس لم يقبلوا بهذا المبرر.

ومما زاد من تعقيد الأمور قيام أوكرانيا بتسريب نواياها الخاصة بالانضمام للنظام الدفاعي الصاروخي الأميركي وذلك عقب انسحابها خلال العام الحالي من اتفاق يسمح لروسيا بتأجير بعض محطات الرادار في أوكرانيا. وبانضمام العديد من دول البحر الأسود إلى حلف شمال الأطلسي وسعي الحلف إلى ضم كل من جورجيا وأوكرانيا يصبح الأسطول الروسي في البحر الأسود محاصراً من قبل الحلف في غضون سنوات قليلة.

هذه الحقيقة كانت روسيا تدركها منذ البداية عندما قام الناتو بضم عشرة أعضاء جدد من الكتلة السوفييتية السابقة، ولكنها كانت في وضع ضعيف لا يسمح لها بأن تبدي أي معارضة لتوسع الحلف باتجاه مناطق نفوذها السابقة، بل إنها قامت هي نفسها بالتقرب من الحلف عبر اتفاقيات للتعاون المشترك.

غير أن السنوات القليلة الماضية شهدت متغيرات على الساحة الدولية جعلت الروس في وضع أقوى من السابق في مواجهة الناتو ومخططاته، وكأن لسان حالهم يقول: كنا ضعفاء، وانتم اعتبرتم هذا الوضع مسلماً به. ولقد توسعتم ضد إرادتنا، ولكننا في هذه الأثناء ازددنا قوة. ونحن الآن نعارض هذا التوسع، فلا تتجاهلوا رأينا، ولا تعتبروا سكوتنا أمراً مسلماً به.

ويمكن تلخيص المستجدات الدولية بالنقاط التالية:

- الورطة الأميركية في العراق وأفغانستان.

- تراجع الاقتصاد الأميركي

- حاجة الولايات المتحدة للدعم الروسي في العديد من القضايا وعلى رأسها الملف النووي الإيراني.

- تنامي القوة الروسية بانتعاش الاقتصاد الروسي مستفيداً من أسعار النفط المرتفعة.

- تحكم روسيا بإمدادات الطاقة للدول الأوروبية الحليفة لأميركا.

من الواضح ان روسيا لم تكن غافلة عن التطورات التي تجري على مقربة من حدودها وتستهدف النيل من مصالحها الإستراتيجية القومية وقد عبر عن ذلك خطابها السياسي الخارجي خلال الأشهر القليلة الماضية والذي تراوح بين توجيه اللوم للناتو وزعيمته الولايات المتحدة والتلويح بالعداء وصولا إلى استخدام القوة العسكرية باقتحام الأراضي الجورجية في أغسطس الجاري، في محاولة منها لتأكيد سيطرتها على مقادير الأمور في منطقة القوقاز.

وبذلك تكون روسيا قد أفهمت الولايات المتحدة ودول الناتو بأنها لن تتوانى في الدفاع عن مصالحها وخاصة في محيطها حيث الأمن القومي الروسي وموارد الطاقة وطرق نقلها. وكانت موسكو قد استبقت ذلك بإجراءات تستهدف استعادة هيبتها وعرض قوتها المتعاظمة من خلال استئناف طلعات القاذفات الاستراتيجية في أنحاء العالم ونشر الأسطول الروسي في مواقع بحرية استراتيجية في أنحاء مختلفة وفي البحر المتوسط على وجه الخصوص. ولم يكن رفع العلم الروسي فوق قاع المحيط المتجمد الشمالي إلا خطوة نحو إثبات الوجود أمام الغرب.

استغلال الورقة الإيرانية

من جانب آخر وعقب الاحتلال الأميركي للعراق والتضييق على إيران، وجدت روسيا التي فقدت حليفها العراقي الفرصة مواتية لاستغلال الورقة الإيرانية للمساومة عليها في وجه الزحف الأميركي المتخذ غطاء الناتو. وما من شك بأن روسيا استفادت كثيراً على الصعيدين الاقتصادي والسياسي من جراء استمرار حالة التوتر الإيرانية- الأميركية وما تبعها من ارتفاع عالمي لأسعار البترول.

واليوم تدرك الدول الغربية أنه لا يمكن حل مشكلة الملف النووي الإيراني بمعزل عن روسيا. وقد تم تدعيم الخزانة الروسية بأموال البترول وهي ذات الخزانة التي مولت التطوير العسكري السريع لروسيا الاتحادية، حيث تحول البترول إلى أداة فعالة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الروسية تجاه أوروبا الشرقية والغربية.

وفي الوقت نفسه اتجهت موسكو إلى تدعيم علاقاتها مع الصين ودول آسيا الوسطى من خلال تأسيس منظمة شنغاهاي التي ضمت روسيا والصين وأربع دول من آسيا الوسطى هي كازاخستان، وأوزبكستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، بالإضافة إلى توقيع اتفاقيات للتعاون الثنائي مع الصين.

غيران ذلك لا يعد كافيا بنظر الروس من خلال تتبع ما يجري في شرق أوروبا والقوقاز من تعرض دول المنطقة للحصار أو الاحتواء من قبل الولايات المتحدة وحلف الناتو، فقد صدرت عن موسكو إشارات أعادت إلى الأذهان أزمة صواريخ كوبا عام 1962 التي كانت قاب قوسين أو أدنى من إشعال فتيل حرب نووية بين القوتين العظميين وحلفائهما.

ففي خضم الضغوط الروسية من اجل وقف نشر الصواريخ الأميركية في شرق أوروبا وإيقاف زحف الناتو، تم في يوليو الماضي تسريب تلميحات إعلامية عبر وكالات الأنباء الروسية عن إمكانية إعادة تشغيل روسيا لمحطة التنصت الضخمة التي كانت مقامة في لورديز بكوبا وأغلقتها عام 2001 وظهرت تلميحات أخرى حول إمكانية نشر قاذفات استراتيجية روسية في كوبا وهو ما يجعلها على بعد 90 ميلاً فقط من جنوب الولايات المتحدة.

وفي رسالة كانت لها دلالاتها قام هوغو شافيز رئيس فنزويلا المناوئ لأمريكا بزيارة إلى روسيا في يوليو الماضي حيث عقد صفقات لشراء أسلحة روسية بمليارات الدولارات، أما الأهم فكان إعلان الرئيس الفنزويلي استعداد بلاده لاستضافة الأسطول الروسي وبحث إقامة قواعد عسكرية روسية في فنزويلا.

ولا تعد أميركا اللاتينية بعد القوقاز وأوروبا الشرقية ميدانا مرتقبا وحيدا للمواجهة بين الناتو وروسيا، فخلال زيارة الرئيس السوري بشار الأسد الأخيرة لموسكو تم تسريب أنباء عن وجود خطط روسية لنشر صواريخ اسكندر في سوريا مع توقعات بإمكانية إقامة قواعد بحرية أو جوية فيها، وربما يتم أيضاً نشر تلك الصواريخ في كالينينجراد المطلة عل بحر البلطيق، وأشارت توقعات أخرى إلى وجود خطط لتزويد إيران وسوريا بنظم صاروخية للتأثير في الإستراتيجية الأميركية بالشرق الأوسط.

شرخ في الناتو

لقد أحدثت الحرب الروسية- الجورجية شرخاً في حلف الناتو، حيث نادت الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات صارمة ضد روسيا منها وقف التعامل معها في إطار مجلس روسيا الناتو وطردها من مجموعة الدول الصناعية الثماني ومنعها من الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية والإسراع بضم جورجيا إلى الحلف، بينما دعت بعض الدول الأوروبية إلى عدم التسرع في اتخاذ قرارات ضد روسيا قد تكون لها عواقب وخيمة على الحلف.

فقد أكد وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير رفض بلاده استخدام لغة إملاء الشروط مع روسيا وعدم التسرع في قبول عضوية جورجيا في الناتو وعارض وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند طرد روسيا من مجموعة الدول الثماني، وكذلك فعل وزير الخارجية الألماني فرانك شتاينماير الذي قال إن من الخطأ استبعاد روسيا ومحاصرتها.

أما الدول الأعضاء في حلف الناتو التي سارعت إلى تبني المطالب الأميركية فهي دول البلطيق الثلاث التي انضمت حديثاً إلى الحلف بالإضافة إلى أوكرانيا وبولندا، فهذه الدول تعرف روسيا جيداً ولا تزال أيام الاتحاد السوفييتي حاضرة في ذاكرتها.

ويعتقد مراقبون غربيون أنه إذا استمر الوجود العسكري الروسي في الأراضي الجورجية ومحيطها على النحو الذي يحاصر جورجيا بصورة خانقة، فإن سكاشفيلي سيسقط وسيستبدل بزعيم آخر يبدي استعداده للتفاهم مع الروس. وستكون موسكو بذلك قد أظهرت قدرتها على الإطاحة بنظام موال للغرب في محيطها من دون قيامها بغزو شامل أو احتلال كامل لأراضي البلد المجاور ومن دون أي مقاومة من الناتو.

ولا شك بأن الناتو سيعيد حساباته من جديد فيما يتعلق بضم دول جديدة من الجمهوريات السوفييتية السابقة وسيعيد قادة دول أوروبا الشرقية التفكير في اندفاعهم نحو الغرب والبدء بالتكيف مع الطموحات الروسية. ولهذا السبب نجد الولايات المتحدة عاقدة العزم الآن على حماية نظام سكاشفيلي من السقوط، لأن سقوطه سيعني سقوط المشروع الأميركي في القوقاز.

ضرار عمير