تكتب الصحافة عن اللقطاء ومجهولات النسب وأطفال التفكك الأسري سواء بالعثور عليهم أحياء أو جثثا، ولكن ما عثرنا عليه كان أمرا تحجم الصحافة المحلية عن الحديث عنه في العادة. إن فتاة من نتائج «التفكك الأسري» بكامل ربيع عمرها جاءت تشكو سوء معاملة المجتمع لها. كل ما تريده أن يعاملها المجتمع كإنسانة تستحق أن تعيش بكامل إنسانيتها أيضا.

وقد جرت العادة أن تقتصر مهمة الصحافي على الحديث عن مجهولي النسب او التفكك الأسري أطفال أجنة، أو حديثي الولادة، وربما اكبر قليلا. ولكن مؤخرا حضرت إلى مكتب «البيان» في عمان إحدى الطالبات الجامعيات مع زميلة صحافية أخرى جلبتها لتشجعني على الكتابة عن الضياع الذي لا ينفك يفتك بحياة اللقيطة منذ قرار والديها التخلي عنها، وحتى انقضاء أجلها.

إن الاعتقاد السائد أن الطفل ومنذ أن تتحفظ عليه مؤسسات الدولة ستكون كل أموره المالية الاقتصادية والنفسية بل والاجتماعية بخير، اعتقاد يحتاج الى إعادة نظر. وأنا أنصت الى حديث «نهى شريف» وهي اسم رغبت الفتاة في إطلاقه على نفسها تجنبا للاحراج ؟ كما قالت - لم أصدق ما كنت أسمع. إن المسلّمات الحياتية التي لا يفكر المرء بها ويعتبرها من الأساسيات التي لا يجوز حتى التفكير بفقدانها لدى البعض مطالب يصعب تحقيقها، وتحتاج الى نضال طويل لتوفيرها.

نحن هنا نتحدث عن فتيات صغيرات طردن من مراكز الرعاية عند بلوغهن الـ 18 عاما، بل ان بعضا منهن طردن قبل بلوغهن السن القانونية، فوجدن أنفسهن في الشارع بما فيه من وحشة وضياع. جاءت بكل ما تحمله من دماثة وابتسامة دافئة، وبدأت تحدثني ببراءة الأطفال - وقد تجاوز عمرها اليوم العشرين عاما بقليل كيف أن حياتها سابقا كانت صعبة. لقد صدمت في داخلي وقلت: ما زالت حياتك يا ابنتي أصعب.

اقتصر حديثها عن حياتها طفلة وتحديدا منذ سن 13 وحتى 17 سنة، فهي اليوم طالبة جامعية تكفلت إحدى الأسر الأردنية بتمويل دراستها خاصة وأنها طالبة متفوقة. تقول في تلك السنوات كدت أقتل نفسي أكثر من ثلاث مرات، ولكن في كل مرة كان الله سبحانه وتعالى، يحميني من نفسي.

تقصير الوالدين

فجأة، ودون سابقا إنذار طُردت «نهى شريف» من دار الرعاية التي كانت تتبناها بعد أن تخلى عنها والداها طفلة صغيرة، ونقلت قسرا إلى جمعية أقل شأنا بكثير، لاتهامها وهي الطفلة التي لم يتعد عمرها بعد الـ 13 عاما بأن لها ميولا سياسية قد تتحول عندما تنضج الى مشكلة يصعب حلها. ولدت نهى من أبوين قررا التخلي عن أسرتهما وقذفا أطفالهما السبعة في الشارع فحملهم مواطنان الى إحدى دور الرعاية، وهناك بدأت المعاناة.

المفارقة المبكية في قول «نهى» أن أباها الذي تعرفت عليه قبل عامين تقريبا أبلغها مؤخرا أن لها «أختا أوروبية» ثم ضحك. تقول الفتاة: إنه اليوم يعيش حالة سكر وعربدة دائمة، مشيرة الى انه ارتبط بعلاقة محرمة مع إحدى الراقصات الاوكرانيات فانجبت منه طفلة تعيش هي الاخرى في احدى دور الرعاية اليوم. إن هذا الرجل وحده رمى الى الشارع ثمانية اطفال معظمهم اليوم فوق سن البلوغ، ولكن لم تسلم من ضياع الشارع سوى نهى.

تقول: «أخي كذا وأخي الآخر كذا واختي الله يستر عليها...» وصفت كثيرا الحالات الإنسانية البائسة التي يعيش فيها اخوانها واخواتها اللواتي أصبحن راقصات أو مومسات فيما قذف الأخوة الى المجهول. وبعد اكتشاف الميول السياسية لدى «نهى» أوصى بعض المسؤولين أن يجري نقلها إلى جمعية أخرى لأسباب لا يمكن ذكرها تتعلق بمستوى حرية الصحافة. «إذا الحل في التخلص منها باكرا». تقول نهى نقلا على لسان أحد المسؤولين. وتضيف: «عندما نزلت الى الشارع ولم يتعد عمري الـ 13 عاما كنت أظن أن الناس كلهم اقربائي، لم اعتقد ان هناك اشخاصا قد يبتسمون لك لانهم يريدون شرا بك».

تأثيرات التفكك الأسري

نهى اليوم ليست ككل الفتيات فهي طالبة جامعية في سنتها الثانية وترغب أن تعيش بسلام كأي فتاة، ولكن الكثير من فتيات التفكك الاسري مجهولات النسب وقعن فريسة الانحراف فتحولن إلى راقصات وساكنات بيوت دعارة، بل إن بعضهن فتحن بيوت دعارة لأنفسهن.

برغم كل ما عانت منه، فإن «نهى» تحب الحياة، وترغب في تحسين وضعها، لكن لا تعلم من أين تبدأ وماذا تعمل، فالمجتمع ينظر اليها نظرة ريبة ويرى فيها عبئا لا يود أن يكون مسؤولا عنه. والفتاة ذات العشرين عاما تنقلت بين مراكز الايتام وعاشت أياما ذاقت فيها من الويلات ما لم يقدر عقلها الصغير على تحمله. ولما نضجت وتحولت شابة بكامل آمالها وطموحاتها لم يكن لديها ما لدى الفتيات الاخريات، فقد كان فراشها الشارع وغطاؤها السماء.

كانت تسرق من القوت ما يبقيها على قيد الحياة، ورغم كل ذلك، فإن كل من يراها يدرك كم تحمل نهى من المرح وحب الحياة إنها مرحة جدا، طيبة القلب، وتجلب السعادة والبسمة لمن حولها، ولكن من حولها لا بيادلونها الحياة. لقد كانت تذوق وأقرانها شتى أنواع الأذى النفسي. تقول: أقل ما كانت المسؤولات يصفننا بها اننا أطفال شوارع .. أبناء حرام .. وأن الشارع أولى بنا، إضافة الى التعذيب البدني كالضرب المبرح وذلك على يد العاملين في الدار. تقول: كان يوم الجمعة بحسب وصفها يوم «قيامة»، إذ تقوم الدنيا وتقعد على رؤوس الاطفال الصغار فهو يوم تصفية حسابات مجهولة مع اطفال لا حول لهم ولا قوة.

منحى ظلامي

إن قضية مجهولات النسب او ساكنات بعض الجمعيات ودور الرعاية اتخذت منحى ظلاميا بعيدا عن أي معنى ايجابي فما تعرضت له هؤلاء البنات يشير الى خلل كبير يصعب جبره في ظل المعطيات الراهنة، خلل عبر عنه مدير مرصد البيئة والإنسان محمد شبانة بالنقص الحاد في التشريعات الضابطة لحقوق الطفل النزيل في دور الرعاية في الأردن، وعدم وجود عاملين أكفاء، إضافة الى غياب الرقابة الفعلية للمؤسسات الحقوقية ومؤسسات وزارة التنمية الاجتماعية.

وحمّل شبانة مسؤولية ما يجري لهذه الفئة لمؤسسات الدولة التي قال إنها عجزت عن أداء دورها المفترض في مجال رعاية الأيتام او مجهول النسب. وأضاف أن ظاهرة تشرد الفتيات يمكن احتواؤها في حال تطبيق القوانين والأعراف الدولية في مجال حقوق الطفل على وجهها المتكامل.

ويرى الدكتور محمد عبد الكريم استشاري الأمراض العصبية والنفسية أن المؤسسات المعنية غالبا ما تتشدق بتوفر جمعيات رعاية وحماية أسرة في إقليمها على مستوى رفيع، لكن عمل هذه الجمعيات على أرض الواقع مهمش وثانوي. بدوره نفى مدير مديرية الأسرة والحماية في وزارة التنمية الاجتماعية محمد الخرابشة وجود أي تجاوزات بحق خريجات جمعيات الرعاية من قبل القائمين على تلك الجمعيات ووزارة التنمية الاجتماعية. وقال إن العاملين يتمتعون بقدرات وكفاءات جيدة تمكنهم من القيام بواجبهم خير قيام.

لقمان اسكندر