رغم كل الزوبعة التي تثيرها الولايات المتحدة وحلفاؤها بشأن إحكام السيطرة على الموقف في أفغانستان، إلا أن الحقائق تأبى إلا أن تكشف زيف هذه المزاعم وهو ما تجلى مؤخرا في العديد من التطورات أشارت الى طول ذراع طالبان وكان آخرها ذلك التفجير الذي وقع الأسبوع الماضي في باكستان وأسفر عن مقتل أكثر من 70 شخصا وأعلنت طالبان مسؤوليتها عنه.
الى جانب التفجير الذي أودى بحياة ثمانية رجال شرطة بالشريط الحدودي وتبنته طالبان كذلك. ويعزز ذلك حقيقة عدم وجود إجماع مطلق على انعدام جدوى الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد أفغانستان فحسب، بل ذهاب مراكز الدراسات الإستراتيجية والجنرالات إلى أبعد من ذلك بكثير حين تؤكد أن هزيمة القوات الدولية باتت محققة على يد مقاتلي طالبان والقاعدة وأن جل ما بوسع القيادات السياسية في البلدان التي تنتمي إليها تلك القوات هو الإيعاز بالانسحاب بشرف وبأقل الخسائر الممكنة من المستنقع الأفغاني الذي حشرت نفسها فيه.
فلقد قدم جنرالات فرنسيون لقياداتهم، مؤخرا، تقريرا يفيد بأن «هذه الحرب في أفغانستان لا يمكن كسبها»، والتقرير عبارة عن وثيقة داخلية توجه انتقادات واضحة للقيادة السياسية التي أدخلت الجيش «في حرب عصابات» لا طائل منها إلا التعرض للمزيد من الخسائر البشرية والمادية وتفتيت الجبهة الداخلية في البلاد، وهي انتقادات موصولة بأخرى وجهها الخضر والشيوعيون لقرار إطالة الوجود الفرنسي في أفغانستان، «ذلك ان أهدافه ـ الوجود الفرنسي ـ عسيرة الفهم والتحقيق هي نفسها أهداف الحرب الاستباقية المرغوبة من قبل جورج دبليو بوش».
حرب عصابات
كما يرى المعهد الفرنسي للتحليلات الإستراتيجية أن القوات الفرنسية في أفغانستان «لا تشارك في ترسيخ السلام أو في بناء دولة جديدة، وإنما في مواجهة قائمة على حرب عصابات ضد حرب عصابات» ويشير المعهد إلى أن «النصر لا يقوم على تعزيز عدد الجنود، فالقوات السوفييتية نشرت عشرات الآلاف من الجنود ولم تتمكن قط من السيطرة على البلاد»، وهذا يقود إلى نتيجة مفادها أن افتقار قوات الناتو لرؤية سياسية أمر لم يعد غير مقبول وأنه محل انتقاد واستهجان الكثيرين، في الوقت الذي يتكشف فيه «عجز حكومة حامد قرضاي» والإرباك الذي تعنيه «الزعزعة المتنامية للجار الباكستاني».
كما يتساءل الجنرالات الفرنسيون حول «من هم حلفاؤنا على الأرض؟»، في إشارة إلى بعض الأميركيين الذين يرفضون الاعتراف بأي فارق بين الجماعات الطالبانية المختلفة، بينما تؤكد قوات «إيساف» أن «عنصر الوقت يسير دائما ضد المحتل ولصالح الذين يفكرون بالبقاء»، ويلاحظ الجنرالات الفرنسيون أيضا أن «الحرب تتغذى على تجارة الأفيون» وأنه من دون إستراتيجية جديدة، ستتحول أفغانستان إلى دولة فاشلة.
ربما لم يشهد التاريخ السياسي تناقضا بهذه الحدة بين توجهات القيادات السياسية العليا والمعطيات التي توفرها العمليات على الأرض للقيادات العسكرية، فبينما كان الهدف المعلن ل«عملية الحرب الدائمة» التي شنتها الولايات المتحدة في 7 نوفمبر 2001 ضد أفغانستان القضاء على تنظيم القاعدة قيادة وقواعد وبنى تنظيمية والإطاحة بنظام طالبان وكسر التحالف المتين بينهما.
فإن ما جرى على الأرض ولا يزال عكس ذلك تماما، بعد أن اعتبرت قيادة حركة طالبان خروجها من سدة الحكم في أفغانستان مجرد انسحاب تكتيكي مؤقت الهدف منه إعادة ترتيب الأوراق والإمساك بزمام المبادرة من جديد والبدء بشن هجوم معاكس ضد قوات الاحتلال الأميركي والقوات الحليفة لها في الناتو وقوات الحكومة الدمية التي نصبوها في كابول برئاسة حامد قرضاي.
نفوذ طالباني كبير
وهذا ما كان، فلقد بدأت القوات الضاربة التابعة لحركة طالبان وتنظيم القاعدة عملية تعبوية حاشدة وناجحة تجاوزت حدود البلاد وجذبت إليها مقاتلين من جهات الأرض الأربع في ظل ما تتمتع به من احترام ونفوذ كبيرين ليس بين مختلف القبائل الأفغانية فحسب، وإنما بين القبائل الباكستانية أيضا، وصولا إلى امتدادات ما كانت تحلم بها الحركتان في البلدان العربية وحتى الأفريقية، حيث تبرز تجربة التعاون القائم بين الحركات الإسلامية التي تعمل على الأرض الأفغانية والباكستانية من جهة والحركات الإسلامية التي تعمل على الأرض العراقية.
أما عن الشق الثاني من هدف «عملية الحرب الدائمة» المتعلق بكسر لحمة التحالف الوطيد بين القاعدة وطالبان، فلقد أتى بعكس المراد منه تماما بعد أن أخذت العلاقة بين الحركتين تشق طريقها بقوة نحو وحدة حال غير مسبوقة، بحيث أصبح من الصعب التفريق بين سياستيهما وتكتيكاتهما وحتى أهدافهما.
يتحدث تقرير آخر أعده فريق دبلوماسي وعسكري أميركي عن أن أفغانستان باتت عند حافة التحول إلى دولة فاشلة، وأن الحرب الدائرة فيها قد تتحول إلى حرب منسية، وأنه إذا كان هناك إمكانية للحديث عن شيء من إحراز التقدم بعد أكثر من 6 أعوام من التدخل الأميركي ـ الأطلسي، فإن ذلك الحديث يتجه نحو التأكيد على أن ذلك التدخل بات يرزح تحت وطأة تهديد كبير وخطير من جانب قوات حرب العصابات وضعف الإرادة الدولية وتصاعد التحديات الإقليمية وتزايد أزمة الثقة بالحكومة الأفغانية، كما يعلق التقرير الإخفاق الكبير للقوات الأميركية في أفغانستان على شماعة الحرب في العراق ويدعو إلى الفصل بين الحالتين العراقية والأفغانية.
قصر نظر سياسي
لكن يبدو أن قصر النظر السياسي لواضعي كل هذه الدراسات والتقارير وغيرها، التي لا هم لها سوى أن توصي بزيادة عدد القوات الأجنبية في أفغانستان، لا يسمح لهم بالابتعاد عن الغرق في الحديث عن تفصيلة هنا وأخرى هناك في ظل غياب إستراتيجية شاملة لا سيما إذا عدنا بالذاكرة إلى بواكير الحرب الطاحنة الدائرة في أفغانستان والتي تنغص حياة السكان هناك.
واسترجعنا شريط ردود أفعال الإدارة الأميركية على الضربة الموجعة التي تعرضت لها في 11 سبتمبر 2001، والتي لم تخرج بالمرة عن ردود أفعال رعاة بقر تسيطر عليها، في هذه الحالة، مشاعر الثأر والانتقام وتلقين الدروس بعيدا عن أي نظرة علمية أو موضوعية للأحداث، مما يجعلهم يبقون يدورون في حلقة عنف حلزونية مفرغة لا جدوى منها ولا نهاية لها إلا مزيد من القتل والتدمير وهتك الحرمات.
وفي ذلك يؤكد الكاتب البريطاني باتريك سيل المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في مقالة له تحت عنوان «الحلف الأطلسي في المستنقع الأفغاني» إن الولايات المتحدة ارتكبت خطأ جسيما بشنها تلك الحرب ويقول: «بدلا من ملاحقة قادة القاعدة بصبر من قبل الشرطة وباستخدام أساليب مكافحة الإرهاب، شنت الولايات المتحدة الأميركية حربا شاملة على أفغانستان».
بالإضافة إلى أن مغامرة الولايات المتحدة غير المحسوبة وغير المحمودة في أفغانستان قد عززت من قوة طالبان والقاعدة على أرض مشهود لسكانها بعزة نفس وكبرياء لا يسمحان لهم بالخنوع أمام التدخلات الأجنبية التي تعرضت لها بلادهم منذ القرن الثامن عشر على يد البريطانيين، فإنها زرعت كذلك الكثير من الأسافين في العلاقات التي تجمع بين أعضاء حلف شمال الأطلسي أنفسهم.
حيث يبدو واضحا أن جميع البلدان التي لها قوات على الأرض ألأفغانية قد تبرمت في لحظة ما من المشاركة في تلك المغامرة إلى درجة أن هذا الموضوع الحساس بات يسيطر على أجندات كافة اجتماعات الناتو، الذي راح أعضاؤه يكيلون الاتهامات لبعضهم لجهة التقصير في إرسال مزيد من القوات.
ولقد أصبحت مألوفة تلك النقاشات في البرلمانات الغربية حول تكاليف وخسائر الحرب في أفغانستان ويكاد لا يمضي يوم إلا ونسمع دعوة هنا وأخرى هناك تطالب بوضع حد لهذه المغامرة والانسحاب من أفغانستان. ومع وصول كل دفعة من جثامين القوات الأجنبية المقاتلة في أفغانستان إلى بلدان المنشأ التي غادروها لآخر مرة أحياء، تندلع دائما موجات احتجاجية تطالب بإنهاء هذه المهزلة.
سؤال يفرض نفسه
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو كم من الخسائر الإضافية يحتاج القادة الغربيون حتى يدركوا حقا أن هذه الحرب ليست حربهم لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون، وحتى يتخذوا القرار المناسب بوقف هذا التدخل العبثي وتهيئة الظروف السياسية والاقتصادية المناسبة للولوج إلى عملية سياسية حقيقية تأخذ بعين الاعتبار واقع وتطلعات جميع مكونات المجتمع الأفغاني؟
يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال العسير سيطول انتظارها، لأن التحليلات الإستراتيجية الأقرب إلى الواقع تشير إلى أن هذه الحرب قد بدأت للتو، الأمر الذي يحيل أي إجابة محتملة عن ذلك السؤال إلى إشعار آخر غير معلوم، ذلك أن الاعتراف بالهزيمة من جانب حلف الناتو يبدو شبه مستحيل وقد يقود إلى تفكك هذه المنظمة الأطلسية بعد أن تكون مصداقيتها قد مرغت في وحل المستنقع الأفغاني.
بينما تحقق حركة طالبان وتنظيم القاعدة النصر العسكري تلو الآخر، فبعد أن سيطرا على جنوب أفغانستان ها هما لا يتقدمان بكل ثقة نحو العاصمة كابول فحسب، بل ويحددان كافة قواعد الاشتباك أيضا، بطريقة لا تسمح للقوات الدخيلة بالتقاط أنفاسها وتجعلها لا تملك إلا اللجوء إلى سياسة ردود الفعل بعيدا عن أي فرصة للفعل والمبادرة الحقيقيين.
ويبدو أن مشكلات قوات الناتو في أفغانستان ليس لها حدود إذا اضفنا إلى كل ما سبق عاملين استجدا على المنطقة وزادا من تعقيداتها الإقليمية، الأول يتمثل في استقالة الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف مكرها بعد أن شغل طوال السنوات التسع السابقة موقع الحليف الرئيسي لواشنطن وساعدها الأيمن في المنطقة في حربها ضد ما تسميه الإرهاب.
وبهذه الخطوة الإستراتيجية التراجعية تكون الولايات المتحدة قد خسرت كل ما ادعت أنها قدمت سعيا وراءه في أفغانستان على غرار تفتيت القاعدة وطالبان والقبض على أسامة بن لادن أو قتله والحيلولة دون وصول السلاح النووي إلى الجماعات المسلحة وتوسيع رقعة نفوذها، فكل ذلك راح ينسل، منذ إعلان الاستقالة، من بين أصابع القائمين على الأمن القومي الأميركي ومقدرتهم على مواصلة تحمل تبعات احتلال أفغانستان.
تأثيرات القوقاز
العنصر الثاني الذي استجد سلبا أيضا على حرب واشنطن في أفغانستان والذي لا تقل درجة سلبيته وخطورته عن الأول يتمثل في تجدد التوتر في منطقة القوقاز، ومحاولة موسكو الناجحة في تثبيت زعامتها على هذه المنطقة التي تشكل حدا فاصلا بين الأمن القومي الأميركي والأطلسي من جهة والأمن القومي الروسي من الجهة الأخرى والتي زادت أهميتها بعد توقيع اتفاق نشر عناصر من الدرع الصاروخية الأميركية على الأراضي البولونية.
ذلك أن المشكلة الجورجية الأوسيتية الأبخازية سيكون لها تداعياتها على الوجود العسكري الأميركي ـ الأطلسي في أفغانستان، حيث من المتوقع أن تزيد حدة سياسة الحياد السلبي المتبعة من جانب كل من موسكو وطهران حيال ما يجري في أفغانستان، خاصة وأن الروس يدركون تماما معنى الاكتواء بالنار الأفغانية، فضلا عن أن للإيرانيين يدا طويلة في المناطق الغربية من أفغانستان بحكم الامتدادات العقائدية والقبلية التي تجمع بين طرفي الحدود.
باسل أبو حمدة

