يحفظ الباحث والشاعر سلطان بن غافان بذاكرته حكايات تراثية كثيرة، لا ينفك من روايتها على ابنائه والمحيطين به، يحاول فيها العودة لماض قديم سمته البساطة.
لم تغب الازياء الشعبية عن ذاكرته التي تحمل الكثير من الشعر واغنيات البحر، فكلما ولج سوقا قديمة، يبدأ بالتنقيب عنها بين مصفوفات الازياء الحديثة. وباقترابنا منه لمسنا جذور الازياء الشعبية، حيث بدأ حديثه بوصف كامل لزي الرجل والمرأة الاماراتيين، فقال: »تميز زي الرجل بالبساطة والوقار، وتوافقه مع العادات والتقاليد الإسلامية، حيث يخلو من التطريز الذي يعتبر نوعا من الزينة الخاصة بالنساء، ويكاد يكون موحداً إلا من فوارق بسيطة، وقديماً كان اهم أنواع أقمشة ملابس الرجال: الكرة، والبفتة، وبو تفاحة، واللاس، والشربت، والصوف الذي كان نادراً نظراً لارتفاع ثمنه.
الكندورة .. أصالة وكبرياء: واعتاد الرجل الاماراتي منذ القدم لبس الكندورة العربية أم فروخة المصنوعة من قماش اللاس أو الشربت في فصل الصيف، وتصنع الفروخة التي لا يتجاوز طولها 40 سم من الزري، ويطرز صدرها بالقيطان الذي اعتادت المرأة على غزله بيدها. والكندورة البيضاء هي المفضلة للرجال وتكون طويلة وفضفاضة وتناسب جو المنطقة الحار، وفي الشتاء يفضل البعض ارتداء الكندورة ذات الألوان الداكنة المصنوعة من الصوف، واحيانا كانت تستورد من الكويت وقطر الى جانب الكوت »الجاكيت« الذي يستورد من إيران والعراق ولم يكن سعره يتجاوز 20 روبية. وقديما كانت تصبغ الكنادير بوضعها في الحناء قبل تفصيلها وحياكتها لتكتسب لون الحناء، أو بوضعها في منقوع ورق اللوز بعد غليه لتكتسب اللون الاصفر.
وتوضع على الرأس غترة بيضاء تسمى »الدسمال« التي تستورد من السواحل خاصة اليمن، وأحيانا يستخدم الغترة البصراوية ذات اللون الأحمر والأبيض، ويوضع فوقها العقال الأسود المصنوع من الصوف، وتحتها القحفية (الطاقية) التي تساعد على تثبيت الغترة والعقال على الرأس، وفي بعض المناطق يلف الرجال الغترة على رؤوسهم بدون عقال وتسمى العصامة، أما الشال فيصنع من الصوف أو الحرير ويستخدم في الشتاء. وتحت الكندورة يرتدي الرجل »وزاراً« وهو قطعة مستطيلة الشكل تبلغ مترين طولاً ومتراً عرضاً يلفها حول نصفه السفلي، وعادة ما كان التجار يستوردونه من الهند، أما المقصر فيلبس أثناء الصيف ويصنع من قماش »الشربت« وهو نوع من القماش الخفيف، كما يلبس الرجل في قدميه النعال وهو عبارة عن حذاء بسيط، ومن أشهر أنواعه: صراري، وبو صقف، والنعال الهندي، وتغلب الألوان السوداء والبيضاء على أحذية الرجال.
البشت .. هيبة للرجال
ويعتبر البشت من أكثر ملابس الرجال شهرة وأهمية في الخليج عموما، وهو لباس عربي إسلامي أصيل، ولا يكتمل لباس الرجل الإماراتي بدون البشت الخفيف صيفاً بينما يكون أكثر سماكة شتاءً، وبعضها كان يستورد جاهزاً من السعودية خاصة من الإحساء والرياض، والبعض الآخر ينسج محلياً عن طريق خلط شعر الماعز مع صوف الخروف، ويغزل بالمغازل.
ومن ثم يضرب ويرتب على هيئة بكرات كبيرة ويسدى ويخاط لدى النساج، وعادة ما يرتدي الرجال البشت الذي كان قديما محصورا في الألوان السوداء والبيضاء والبني الفاتح والغامق، عند ذهابهم إلى المجالس والأسواق وأوقات الصلاة، ويحرصون على التطيب بالعطور والتمنطق بالخنجر المعقوف والعصا عند الخروج، وكان يعاب على الرجل الخروج بدونها.
وما كاد بن غافان ينهي وصفه، حتى بدأ ينشد بعضا من اغنيات البحر التي تتغزل بصانعات الكندورة الرجالية، حيث قال:
بسألك يا الكندورة
عن من حاك ودرز
قالت حسين الصورة
اللي في »الرايح« طرز
ازياء النساء ..عفة واحتشام
وقديما اهتمت المرأة الاماراتية بأزيائها كثيرا وكانت محط رعايتها طوال الوقت، ومن أبرز أنواع الأقمشة التي استخدمتها المرأة - القطني، والأطلس التي تحتفظ برونقها وزهاء ألوانها مدة طويلة، والصاية، وبو نسيعه، وحلواه ساخنة، وبو طيرة، وبو قليم، وصالحني، ودرب الموتر، وكامري، والحسني وبنطر، وبو غليم، وبو زحلوفه، وبو فراشه، وشربتي، ومنها ما عرف باسمه من مصدره مثل المزراي والمخور »المزين بالخيوط الفضية أو الذهبية« وغالباً تكون هذه الأقمشة مشجرة، حيث كان القماش ذا اللون الواحد نادراً.
وطالما حرصت المرأة الاماراتية التي اعتادت قديما على حياكة ملابسها وتطريزها بخيوط التلي بيدها، على لبس الكندورة العربية المشجرة أو المزراية أو المخورة، أما الثوب فكانت تلبسه في المناسبات والأعياد، بينما تلبسه الفتيات الصغيرات بمناسبة ختم القرآن الكريم »التومينة«، وأشهر أنواعه الميزع، وبو الآنات، وبو الفرقوا، ودح المايه، وبو قفص، وتكون ألوانه أحمر وأخضر وأسود، وعادة يكون للثوب ذيل طويل، وتكمل المرأة زينتها بالسروال الذي يصنع من قماش قطني يسمى »أبو النف« أو »بو كريبة«، ويزين أسفله بالبادله (خيوط من الخوص والفضة وخيوط عادية من الأحمر والأسود تغزل باستخدام الكاجوجة).
الشيلة والعباية
وتغطي المرأة رأسها بالشيلة أو »الوقاية«، التي كان يطلق عليها قديماً اسماء: دورة، وبو المعاريض، ومدقدق، وقاعة المنخل، وملافع، ودموع فريد، ونيل، وبو دقه. وهنا ينشد علينا بن غافان بيتا من الشعر يتغزل في الشيلة، حيث قال:
لبسوها وقيه الهله
من وراها الراس ينشافي
وعند الخروج من البيت كانت المرأة تتوشح بـ »السويعية« وهي عباءة (العباية) سوداء اللون ومزينة بالزري، وكانت تستورد من بعض دول الخليج. أما العروس فكانت تلبس الكندورة المزراية والثوب الميزع ووقاية دورة وسروال قطني عليه بادله.
البرقع .. تقليد أصيل
واعتادت المرأة الاماراتية على تغطية أهم معالم وجهها بالبرقع، وهو نوع من القماش السميك يشبه »الورق« ذهبي اللون يميل إلى السواد مع مرور الزمن وكثرة الاستعمال، ويثبت على الوجه بواسطة خيوط حمراء مجدولة تسمى »خيوط الشبج«، وتستبدل في المناسبات والأعراس بخيوط فضية أو ذهبية ويزين البرقع بالمشاخص »أبو النجوم«، ويثبت على الوجه بالكلاليب، ويختلف حجم البرقع في الامارات من منطقة لأخرى.
التجار والحواي
في ذلك الوقت كانت اقمشة الملابس الرجالية والنسائية تباع في محل واحد، وكان لدينا في أم القيوين عدد من التجار الذين كانوا يشترون الاقمشة من الهند وايران، من أبرزهم المغفور له عبد الله العطار، وأحمد محمد حسين، وعبد الله رمضان وغيرهم، وكانت المرأة لا تدخل من الباب الرئيسي للمحل إنما تطل على التاجر من »الدريشه« أو النافذه. والى جانبهم كان هناك اشخاص يبيعون الأقمشة في الفرجان يطلق عليهم اسم »الحواي«، ومن ثم تغير إلى »ليلامش« بعد احتراف الباكستانيين والهنود لها.
وكان هناك أكثر من ثمانية خياطين في أم القيوين أذكر منهم المرحوم العره، وبن جعفر، ورشيد راشد، وفي الستينات كانوا يستخدمون ماكنة خياطة تدار بالاقدام وتسمى »كرخانة«. وفي الاربعينات كان لام القيوين سوق للاقمشة يعرف باسم »بانيان« ويقع في الجهة الغربية من سوق أم القيوين الحالي، الا انه أصبح اثرا بعد عين.
ويذكر لنا بن غافان ان اهل الامارات عند خروجهم الى المصايف في فلج المعلا القريبة من أم القيوين، وشعم وغليلة براس الخيمة، والعين والباطنة، وعمان التي اعتاد بن غافان وعائلته الرحيل اليها صيفا بمسيرة ستة أيام على الجمال، كانوا يتهادون بالملابس بالمقابل يردون الى بيوتهم محملين بالتمور واللوز والطيور والحنة وغيرها، والتي تسمى في عمان بـ »الشفايا«.
إضاءة
ولد الباحث والشاعر سلطان بن غافان في ام القيوين عام 1953، ودرس في مدرسة الامير الثانوية، وبعد تخرجه منها في الستينات عمل في الديوان الاميري بام القيوين، ثم اكمل تعليمه في المعهد الديني بعجمان، ليتوجه بعده الى وزارة الصحة بدبي التي عمل فيها من 1972 وحتى 1979.
وفي العام ذاته انتسب لجامعة الامارات التي تخرج فيها بتخصص خدمة اجتماعية، وكان واحدا من ابناء الدفعة الثالثة التي خرجها المغفور له الشيخ زايد، ثم انتقل للعمل في وزارة التربية التي تقاعد منها عام 2007، ليبلغ بذلك مجموع سنوات خدمته 35 عاما، وهو عضو في بيت الالعاب الشعبية التابع لدائرة الثقافة والاعلام بالشارقة.
غسان خروب



