أظهرت الأزمة الراهنة في القوقاز والمتمثلة بالصراع المسلح بين روسيا وجورجيا مدى عجز مجلس الأمن الدولي عن اتخاذ قرار في قضية ما عندما يكون لأحد الأعضاء الدائمين في المجلس مصلحة فيها، فقد أحبط التلويح بالفيتو الروسي التوصل إلى أي قرار بشأن الحرب التي بدأتها جورجيا رغم المحاولات الأميركية والأوروبية بهذا الصدد.
والحقيقة هي أن هذا الواقع ليس جديدا، فمصالح الدول المهيمنة على مجلس الأمن من خلال تمتعها بحق النقض (الفيتو) هي التي تتحكم بقراراته بصرف النظر عن مدى أهمية وخطورة القضية التي يبحثها. والدول التي تحظى بهذا الامتياز هي: الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، وقد اكتسبت امتيازها هذا بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية عندما أوكلت للمجلس مسؤوليات ضمان السلم والأمن العالميين. يعتبر مجلس الأمن الهيئة الوحيدة التي تتمتع بالسلطة التنفيذية بموجب ميثاق الأمم المتحدة ، والمخولة باستخدام القوة في حالات تهديد السلم والأمن الدوليين بالخطر وفقاً للفصلين السادس والسابع من الميثاق.
ولقد جاء تشكيل مجلس الأمن ونظام حق النقض (الفيتو) لأي من الأعضاء الدائمين فيه عنصراً حاسماً وخطيراً بيد هؤلاء الأعضاء، يستعمله كل منهم وفقاً لمصالحة الخاصة. ولقد اختلف أثر استعمال هذا الحق بين ما كان عليه الوضع خلال مرحلة الحرب الباردة بين العملاقين آنذاك، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وما هو عليه الحال في الوقت الحاضر، بعد أن اختفى الاتحاد السوفييتي وأصبح العالم رهينة للاستراتيجية الكونية التي تخطط لها الولايات المتحدة الأميركية وتنفذها كقطب واحد يتمتع بالهيمنة العسكرية والاقتصادية على العالم.
في مرحلة الحرب الباردة كان التوازن في العلاقات الدولية يحول دون سيطرة دولة ما على مجريات الأحداث، ولقد تعرضت الأمم المتحدة إلى عدد من الحالات أثبتت فيها رفض المجتمع الدولي لأي هيمنة تنفرد بها دولة من الدول، ولعل أبرز هذه الحالات هي الحرب الكورية عام 1951 عندما حال الفيتو السوفييتي دون التدخل العسكري الأميركي في الحرب الكورية مما حمل الولايات المتحدة على اللجوء إلى الجمعية العامة آنذاك واستصدار قرار منها باسم «الاتحاد من أجل السلام» يخولها بما لم تستطع تحقيقه من خلال قرارات مجلس الأمن الذي كان يخضع لاستعمال حق النقض الفيتو من الاتحاد السوفييتي.
أما الآن وقد أصبح العالم ذا قطب واحد، فقد تغيرت معه تلك الاعتبارات وأصبحت مصلحة القوة المهيمنة المتسلطة الوحيدة تتحكم بالقرارات وفقاً لمصالحها فقط، فهي التي تملك حق القرار في معالجة الأحداث، وهي التي تنفذ القرارات بنفسها وفقاً لهواها وما تمليه عليها مصالحها فقط.
ومن هنا فقد برزت سياسة ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، فالحق يصبح باطلاً عندما يتعارض مع مصالح الدولة العظمة المهيمنة، والباطل يصبح حقاً عندما يخدم مصالحها ويحقق أهدافها، فانقلبت المعايير وحل مبدأ قانون القوة محل قوة القانون. إن الأدلة على عجز مجلس الأمن الدولي كثيرة، وأبرزها ما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي هي قضية عادلة وفق كافة المعايير.
ولكن عندما يتم اللجوء لمجلس الأمن الدولي من أجل إنصاف المظلوم، فإن هذا المجلس إما يقوم بتبني قرار خفيف اللهجة يضع اللوم على الطرفين بحيث يتساوى فيه الظالم والمظلوم أو تقوم الولايات المتحدة باتخاذ حق النقض الفيتو لإسقاط ذلك القرار نصرة لحليفتها الاستراتيجية إسرائيل. وهناك أمثلة أخرى كثيرة في التاريخ الحديث للمجلس مثل مشكلة كوسوفو والحرب في العراق والحرب في لبنان في يوليو 2006، حيث حالت مصالح بعض الدول دائمة العضوية دون التوصل إلى إجماع دولي يحفظ السلم والأمن الدوليين.
ومن أبرز القصص التي تعتبر وصمة عار في جبين المجلس ما حدث في عام 1986 عندما دعمت الولايات المتحدة في عهد ريغان عصابات الكونترا التي كانت تخوض حرباً ضد حكومة نيكاراغوا اليسارية، مما أدى إلى سقوط 29 ألف قتيل ودمار شامل لذلك البلد. وكان أن لجأت نيكاراغوا إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي لمقاضاة أميركا لدورها المباشر في الحرب، فحكمت المحكمة لصالح نيكاراغوا وطالبت واشنطن بوضع حد لجرائمها مع دفع التعويضات.
غير أن واشنطن ضربت عرض الحائط بقرارات المحكمة، فقامت ماناغوا باللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة فلم يعترض على القرار سوى دولتين هما أميركا وإسرائيل. وتجرأت نيكاراغوا بعد ذلك فطلبت من مجلس الأمن تبني قرار بسيط يطالب الدول باحترام القانون الدولي، ولكن الولايات المتحدة كانت لها بالمرصاد، حيث استخدمت الفيتو لإسقاطه.
في ضوء هذا الوضع المشين لمجلس الأمن الدولي وعجزه عن معالجة القضايا الملحة التي تهدد السلم في العالم، أخذ البعض يتساءل ما إذا كان مجلس الأمن يعتبر الآلية المثلى لمعالجة التحديات المعاصرة. هذا التساؤل لم يصدر فقط عن مراقبين محايدين وإنما صدر عن الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان وحتى عن الولايات المتحدة وإن كان من منطلق مختلف، حيث دعيا إلى إصلاح الأمم المتحدة ومنحها صلاحيات أكبر في حل النزاعات.
وكان أبرز الإصلاحات التي طرحت هو توسيع عضوية مجلس الأمن الدولي بزيادة الأعضاء الدائمين فيه. يذكر أن المجلس يتألف من 15 عضواً، خمسة دائمين وعشرة غير دائمين يتم انتخابهم كل سنتين ويراعى التوازن الإقليمي في اختيارهم. والضغط باتجاه ضم أعضاء دائمين جدد للمجلس يأتي من البرازيل وألمانيا والهند واليابان.
فهذه الدول التي يطلق عليها مجموعة «جي 4» تقول إن حجمها ومكانتها وحقيقة أنها تمثل ديمقراطيات كبيرة تبرر حصولها على مقاعد دائمة في المجلس. وهي تطالب المجلس بأن يعكس حقائق المجتمع الدولي في القرن الحادي والعشرين .
وحتى لو تم قبول الأعضاء الجدد المقترحين في المجلس، فإن التأثير المحتمل الذي قد يكون لهم على عملية إصلاح المجلس لا يزال موضع شك، فالأعضاء غير الدائمين يواجهون عقبات تمنعهم من تحقيق نتائج مهمة خلال فترة عضويتهم في المجلس. وهم يشتكون في أغلب الأحيان من أنهم ليسوا سوى متفرجين في هذا المنتدى الدولي الذي تناط به مسؤولية اتخاذ القرارات المصيرية في العالم.
فثقل عملية صنع القرار يبقى بيد الأعضاء الدائمين الذين يملكون صلاحية استخدام الفيتو ضد أي قرار يتناقض مع مصالحهم. وهو ما يعني أن الفيتو يستطيع أن ينسف أي قرار حتى لو كان يحظى بأغلبية 14 عضواً في المجلس، وهذا يتضح من حقيقة أن قرارات المجلس قليلة ومتباعدة. وحتى لو تم قبول عضوية مجموع الدول الأربع، فإن تأثيرها سيكون بالحد الأدنى إذا لم تمنح حق الفيتو.
والسؤال هنا هو: هل ستمنح هذه الدول حق الفيتو؟ هذا الأمر مستبعد بشكل كبير، فهو سيتطلب أن تقوم الدول الخمس دائمة العضوية بالتخلي عن جزء من سلطتها، وهو ما تتردد في القيام به حتى الآن. ولو سلمنا جدلاً بأن هؤلاء الأعضاء الجدد سيمنحون حق الفيتو، فإن من المشكوك به أن يكون لهم تأثير كبير على نجاح مجلس الأمن نفسه بالنظر إلى غياب أي شكل من الاتحاد بين صناع القرار الحاليين.
هذه المعضلة تشير إلى أن مجلس الأمن معيب في ذاته، والسبب في ذلك لا يكمن في حقيقة أنه يمثل النخبة، بل العكس هو الصحيح. فهو يمثل جميع دول العالم ويسعى إلى تحقيق الأمن الجماعي. هكذا كان الهدف من إنشائه بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث كان للقوى العظمى آنذاك مصلحة مشتركة في تجنب وقوع حرب أخرى، ولذا وحدت جهودها لكي تتصرف كحارس جديد للسلام في العالم. غير أنه، وكما رأينا في التاريخ المعاصر، فإن مصالح اللاعبين الكبار أصبحت متباعدة جداً مما حول المجلس إلى متفرج على الأحداث.
وقد شلت الأمم المتحدة تماماً خلال الحرب الباردة عندما وضع ستار حديدي بين الشرق والغرب. وحتى بعد إزالة الستار الحديدي، ظهر مجلس الأمن عاجزاً تماماً عن منع وقوع الحروب الصغيرة وجرائم الإبادة والتطهير العرقي في التسعينات. فقد أصيب بالشلل التام في حرب الإبادة في رواندا وفي أزمة البلقان عندما رغبت روسيا بحماية حليفها التقليدي صربيا.
ثم ظهر عجزه بصورة أوضح في الفترة التي سبقت الغزو الأميركي للعراق عندما فشل في اتخاذ قرار بمنع الحرب أو تأييدها. وبالمحصلة، فإن هذا المجلس الذي أنشئ لضمان عدم انفراد أي قوة عظمى وتحكمها بالقرارات الدولية المتعلقة بالسلم والحرب، بات ينظر إليه باعتباره عديم الأهمية من قبل الجميع.
ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي وزواله كقوة عظمى، أخذت الانتقادات تنهال على الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي باعتبارهما ألعوبة بيد الولايات المتحدة التي تسيدت العالم بلا منازع. والجانب الأكبر من الانتقاد يوجه للمجلس، وهو السلطة التنفيذية في الأمم المتحدة، لسماحه بالانتهاكات الإسرائيلية لقرارات المجلس بينما لا يتسامح إزاء الدول الأخرى عندما تقوم بذلك. وفي الواقع أن الولايات المتحدة هي التي تستخدم الفيتو بكل حرية لإحباط أي قرار من المجلس يدين الممارسات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.
وفي الوقت نفسه، تلوم واشنطن المجلس على عدم اتخاذه قرارات في قضايا ترى فيها الولايات المتحدة مصلحة تخدم السلم والاستقرار الدوليين كما حدث في كوسوفو وفي العراق، وهو ما دفع الرئيس بوش إلى التساؤل حول ما إذا كان مجلس الأمن «سيخدم الهدف الذي تأسس من أجله أم أنه سيصبح عديم الأهمية؟»
هنا تكمن معضلة أخرى للمجلس، فهل يخاطر في أن يصبح عديم الأهمية في نظر الراعي الأكبر للأمم المتحدة والقوة العسكرية الأكبر في العالم أم يخاطر بفقدان مصداقيته في أعين بقية العالم ويتصرف كأداة بيد الولايات المتحدة؟ مما لا شك فيه أن تجاهل الولايات المتحدة لمعارضة مجلس الأمن للحرب على العراق قد قوض شرعية هذه المؤسسة الدولية. ولكنه مع ذلك يواصل مهامه في حفظ السلام بوجود أكثر من 70 ألف جندي من قوات حفظ السلام الدولية منتشرين في مناطق مختلفة من العالم.
إذن ما الذي يمكن فعله لاستعادة ثقة العالم بمجلس الأمن الدولي كأداة فاعلة في حفظ السلام والاستقرار؟ ربما يكمن الحل في إيجاد نوع من التوازن في هذا التجمع الدولي بحيث لا يبقى القرار بيد مجموعة صغيرة من الدول، ولكن علينا أن نتذكر بأن مجلس الأمن ليس كياناً يمثل الأخلاق والمثل العليا بحيث أن أعضاءه يتركون مصالحهم القومية عند الباب ليتوصلوا إلى قرار جماعي يغلب المصلحة العامة على المصالح الفردية.
مع ذلك، فإن العالم قد يكون أكثر خطورة من دون مجلس الأمن الدولي، فمصلحة الإنسانية تتطلب وجود مكان تستطيع فيه الدول أن تناقش مشاكلها وهمومها المشتركة التي تمس البشرية جمعاء كقضايا الحروب و التلوث والاحتباس الحراري وأزمات الغذاء، كما أن وجود المجلس يحول إلى حد ما دون اتساع نطاق بعض النزاعات الحدودية بين الدول ويعمل كهيئة رقابية من أجل حفظ السلام والاستقرار.
ضرار عمير


