الحرب الأخيرة في القوقاز حققت نتائج كثيرة وتركت تداعيات قوية على الساحات الثلاث، الداخلية في جورجيا وروسيا ، والإقليمية في منطقة القوقاز، والدولية وخاصة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، و كان أبرز نتائج هذه الحرب هي عودة القوة العسكرية الروسية للساحة الدولية بشكل أثار انبهار الكثيرين وقلق وتوتر البعض الآخر .
ولم تتمثل القوة العسكرية الروسية فقط في نجاح التكتيك والخطة ودقة القذف وقوة الضرب والحصار وتفوق الآلة العسكرية الروسية ، بل الأهم من ذلك أنها تمثلت في القرار بالضرب ذاته فلم يكن أحد يتوقع ، وخاصة في جورجيا وواشنطن أن تتخذ موسكو قرارها بهذه السرعة. وهذا يعني أن العسكرية الروسية لم تعد فقط قوية، بل وأيضا جاهزة و حاسمة في أي وقت، ومستعدة لخوض حروب واسعة النطاق في أي مكان في العالم.
لقد أثبت الرد الروسي القوي مدى قدرة روسيا على أداء مهمة حفظ السلام في منطقة القوقاز. هذه المهمة التي تسعى واشنطن عن طريق جورجيا لسلبها من روسيا بإدعائهما أن روسيا طرف في النزاع لا يحق لها إدارة قوات حفظ السلام، وهذا الرأي رفضته جميع الدول ما عدا واشنطن وجورجيا وأوكرانيا وبولندا وأستونيا، وهذا يعني استمرار احتفاظ روسيا بهذه المهمة.
ولم تنجح ادعاءات ساكاشفيلي بأن روسيا تهاجم أراضي جورجيا، وادعاءاته هذه تعني أنه مازالت لديه النية لمهاجمة أوسيتيا وأبخازيا. لقد كان ساكاشفيلي يتعامل و كأنه الطفل المدلل لدى الغرب في القوقاز ، كما اعتبر نفسه ممثلا لواشنطن في المنطقة، لكنه بعد هزيمته وفشل مغامرته العسكرية بدأ يشعر بالوحدة ، خاصة بعد تقاعس واشنطن وحلف الناتو عن دعمه أثناء الحرب، وبعد التعامل العقلاني للاتحاد الأوروبي ولدول أوروبا الكبيرة مع الأزمة.
خطة أميركية
ولم يعد لدى أحد الآن شك في أن ساكاشفيلي شن هذه الحرب بتوجيه مباشر من واشنطن ، بهدف السيطرة وفرض الهيمنة الأميركية على منطقة القوقاز، والحد من نمو القوة الروسية والسيطرة على منابع الطاقة وخطوط إمداداتها للغرب، ووقف التقارب الروسي الأوروبي، وهذه الأهداف وضعت منذ سنوات ومن أجلها حشدت واشنطن وحلف الناتو كميات كبيرة من السلاح في جورجيا ، وهناك معلومات تشير إلى أن هذه الحرب كانت تديرها مجموعة في واشنطن يقودها نائب الرئيس ديك تشيني ووزيرة الخارجية رايس.
وقبل الحرب بأيام قليلة كانت كوندوليزا رايس في جورجيا تحضر مناورات عسكرية مشتركة بين أميركا و جورجيا ، وحتى الآن غير معروف الدور الذي قام به المائة وخمسين خبير عسكري أميركي مقيمون في وزارة الدفاع الجورجية أثناء الهجوم على أوسيتيا الجنوبية ، وإن كان الجميع شاهدوا الطائرات الأميركية التي نقلت المئات من الجنود الجورجيين من العراق إلى جورجيا أثناء الحرب.
لقد كان الهدف ليس احتلال أوسيتيا الجنوبية بل جر روسيا لحرب واسعة في القوقاز لاستنزاف قوتها وطاقتها، و لا يمكن أن يصدق أحد أن واشنطن وحلف الناتو سيحترمان مصالح روسيا طوعا بل، لن يحدث هذا إلا بالقوة وبتحالف روسيا مع حلفاء كبار أقوياء مثل الصين من خلال منظمة شنغهاي للتعاون.
الرد الروسي القوي الذي لم يستطع الإعلام الغربي إخفاءه أو حتى التقليل من شأنه كعادته هو الذي غير المفاهيم و الموازين وأيضا المواقف لدى الكثيرين ، وليس صحيحا - كما يصور البعض - أن جورجيا دولة ضعيفة وجيشها متواضع . فقد كشفت هذه الحرب عن امتلاك الجيش الجورجي لأسلحة حديثة حصل عليها من عدة جهات بوساطة أميركية، سواء من إسرائيل أو أوكرانيا وبلغاريا وغيرهم ، بل ثبت لشهود عيان أيضا أن هناك الكثير من الجنود الأجانب ضمن صفوف الجيش الجورجي، ولم تنكر واشنطن وجود أكثر من ألف عسكري أميركي في جورجيا يتولون تدريب وإعداد جيشها.
الخوف من الشعب
على الساحة الداخلية في جورجيا طرحت الهزيمة القوية والسريعة متغيرات هامة ، و بات واضحا أن هذه المغامرة الطائشة كانت أقصى ما يمكن أن يقدمه الرئيس ساكاشفيلي، الذي ثبت فشله الذريع ليس فقط في تقدير قوة روسيا ورد فعلها بل أيضا في تقدير قوته أيضا ، وأصبح على يقين من أن أية مغامرة أخرى سيخوضها لن تمر بدون عقاب قاس من روسيا، كما تيقن نظام ساكاشفيلي والشعب الجورجي أيضا من أن استعادة أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا لجورجيا قد بات أمرا مستحيلا تماما ، ولا حتى بالطرق الدبلوماسية ،
وذلك بعد المأساة الإنسانية التي تسبب فيها الهجوم الجورجي على أوسيتيا والتي أدت لمقتل أكثر من ألف وخمسمائة مواطن أوسيتي في أقل من نصف يوم، وتشريد الآلاف الذين دمرت منازلهم وتدمير المدارس والمستشفيات ، لقد تركت هذه المأساة في قلوب الشعب الأوسيتي والأبخازي أيضا كراهية كبيرة ليس فقط لساكاشفيلي ونظامه، بل لجورجيا وشعبها.
أيضا في داخل جورجيا كان لهذه الهزيمة أثرها الشخصي على ساكاشفيلي نفسه الذي بات في حالة توتر بسبب تحرشه بالجارة الكبيرة روسيا، وبسبب تخلي الغرب عنه وهو في شدة الأزمة . وقد بدا هذا عليه واضحا أثناء الحرب وهو يطالب الغرب وواشنطن بالتدخل ، وأيضا في انتقاداته الحادة للأوروبيين أثناء المؤتمر الصحافي الذي عقده بحضور وزيرة الخارجية الأميركية رايس.
وليس أدل على قلق ساكاشفيلي من الغضب الداخلي المتصاعد ضده من إعلانه الأحكام العرفية وحالة الطوارئ في جورجيا، تحسبا لأي تحرك شعبي. كما قام بترحيل أسرته فورا إلى الولايات المتحدة، وأمر بفرض حراسات أمنية مشددة على منازل أقاربه وأصدقائه المقربين.
أزمة في أوكرانيا
على المستوى الإقليمي أثبتت هذه الحرب أن روسيا هي الدولة الوحيدة القادرة على حفظ النظام وضمان استقرار الأمن في منطقة القوقاز بحكم كونها الأكبر والأقوى، والأكثر قبولا من جميع دول المنطقة باستثناء جورجيا وأوكرانيا، وأصبح من حق أية دولة في المنطقة تخشى الاعتداء عليها أن تطلب الحماية بثقة من الجارة الكبيرة القوية روسيا، وما صدر عن الرئيس الأوكراني يوشينكو من تصريحات معادية ومنتقدة لروسيا أثناء الحرب كشف عن ضعف وانقسام كبير داخل النظام الحاكم في أوكرانيا،
حيث رفضت رئيسة الوزراء تيموشينكا ، التي كانت بالأمس ألد أعداء موسكو ، فرض أية قيود على تحركات الأسطول الروسي البحري تجاه سواحل جورجيا، وتصاعدت الأزمة بين الرئيس والحكومة ، بينما أيدت المعارضة الأوكرانية الموقف الروسي وخرجت المظاهرات ترفض أية مواقف عدائية من الرئيس يوشينكو ضد روسيا.
أما الوضع على الساحة الدولية فيعتبر أكثر سوءا ليس لجورجيا وساكاشفيلي فقط، بل للولايات المتحدة الأميركية نفسها، حيث لم ينخدع الأوروبيون الكبار بصرخات الاستغاثة الكاذبة التي أطلقها ساكاشفيلي طالبا العون ، ولا حديثه المستمر بلغة إنجليزية بلكنة أميركية واضحة، ولا تعمده وضع علم الاتحاد الأوروبي خلفه دائما أما الكاميرات، رغم عدم وجود أية صلة له بالاتحاد ،
ورفضت الدول الكبيرة مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا واسبانيا توجيه أي لوم أو إدانة لروسيا، بل أكثر من ذلك طلبت إيطاليا إعادة النظر جيدا في فكرة ضم كل من جورجيا وأوكرانيا للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو ، ولم ينخدع أحد بأكاذيب ساكاشفيلي حول وجود نية لدى روسيا للسيطرة على خطوط نقل الطاقة لأوروبا ، ولم يبق لساكاشفيلي في أوروبا سوى بعض أصدقاء واشنطن أمثال بولندا وأستونيا ونظام يوشينكو في أوكرانيا، وهم بلا حول ولا قوة .
تراجع في أميركا
أما في واشنطن فقد هدأت صيحات الاستنكار والتنديد والهجوم على روسيا بعد أن انقسم الرأي العام الداخلي، وظهرت توجهات ترفض تماما تورط الولايات المتحدة في أية خلافات مع روسيا ، وانقسم الإعلام الأميركي لدرجة الصدام ، حيث وصف «نيل أورايلي» معلق شبكة فوكس شبكة «إن بي سي» علنا بأنها طابور خامس لفلاديمير بوتين في الولايات المتحدة، بسبب رفضها لموقف الإدارة الأميركية المؤيد لجورجيا، وتراجع المرشح الجمهوري جون ماكين عن هجومه على روسيا،
مشيرا إلى أنه يرفض إرسال جنود أميركيين لجورجيا ، وكتب الكثير من المحللين الأميركيين أمثال روبرت وود و مغرانيان وجورج فريدمان من مركز ستراتفور للأبحاث في واشنطن يقولون إن الولايات المتحدة لا تملك أية أوراق ضغط على روسيا . وقال فريدمان لصحيفة نيويورك تايمز «من الأفضل لواشنطن، والحالة هذه أن تفكر جيدا في مصالحها مع روسيا».
وهكذا أعادت الحرب في القوقاز لروسيا مكانتها العالمية التي يتوقع الكثيرون لها أن تنمو أكثر في المستقبل القريب بعد أن أكسبت هذه الحرب قادة روسيا وجيشها وشعبها ثقة كبيرة في أنفسهم وفي مصداقية السياسة التي تسير عليها روسيا.
إضاءة
* توقعت هذه الحرب منذ شهور ، وكنت أعلم أن هناك من يسعى لقطع إمدادات الطاقة الروسية عن أوروبا. . سيلفيو بيرلسكوني ـ رئيس وزراء إيطاليا .
* لا يمكن خلق تحالف أوروبي ضد روسيا ، ونحن مع موقف بوتين ، وعلينا إعادة النظر في ضم جورجيا وأوكرانيا لحلف الناتو. . فرانكو فراتيني ـ وزير خارجية إيطاليا .
* أوروبا بحاجة لإبقاء الاتصالات مع روسيا ، وعلينا ابتكار لغة جديدة للتفاهم معها .. برنار كوشنير ـ وزير خارجية فرنسا .
* هذه الحرب افتعلتها جورجيا ، ولا يجب التسرع في التفكير في ضمها لحلف الناتو .. غيرهارد شرويدر ـ مستشار ألمانيا السابق .
* من الأفضل لواشنطن أن تلم لسانها وتفكر جيدا في مصالحها مع روسيا..
جورج فريدمان ـ نيويورك تايمز
د. مغازي البدراوي

