عاش طفولة طبيعية وهادئة رغم شظف العيش، تنقل فيها بين ازقة عجمان التي ولد فيها عام 1958، في روايته يعود بنا د. عبد الله الشامسي، مدير الجامعة البريطانية في دبي إلى سنوات خلت لم يبق منها سوى الذكريات، فيقول: ولدت في عجمان وعشت فيها سنوات الطفولة والمراهقة، حينها كانت امارتي صغيرة يتركز سكانها بدرجة أساسية حول الخور وكان عددهم لا يزيد على 5000 نسمة.

حيث كانت تتشكل من فريجين: شرقي يسكنه قرابة 1500 شخص يعمل جلهم في البحر، وغربي لم يزد عدد سكانه عن الشرقي بكثير وكان أهله تجارا، وكان والدي احدهم وكثيرا ما مخرت سفينته في عرض البحر باتجاه الهند واليمن وشمال افريقيا التي كان يزورها بغية التجارة، كما كان احد الطواشين يشتري ويبيع اللؤلؤ، وما زلنا حتى اللحظة نحتفظ بالمناخل والأوزان التي كان يستخدمها. لم تكن اسماء الجرف والنعيمية وغيرهما من مناطق عجمان معروفة حينها، ويمكن القول ان مساحة عجمان القديمة كانت تعادل 5% من مساحتها الحالية، وحدودها لم تتجاوز منطقة المرور القديم، وكانت الى جانب الفريجين الشرقي والغربي منطقة النخيل الواقعة خلف منطقة الحصن.

وحاليا تسمى «الرميلة» القريبة من حدود امارة الشارقة، واذكر ان اهالي عجمان كانوا يقضون نصف السنة على البحر ونصفها الآخر في منطقة النخيل التي كانت تعتبر مشتى، وكانت بيوتهم فيها «العريش» المبنية من سعف النخيل. لم يكن في عجمان سوى مدرسة واحدة هي «الراشدية» اسستها حكومة الكويت التي كانت تدعم الإمارات من هذا الجانب، وكانت الدراسة مشتركة، تمتد لثماني سنوات وتنتهي في الرابعة متوسطة، لينتقل الطالب بعدها الى الشارقة أو دبي لاستكمال المرحلة الثانوية، وبالنسبة لي ولأبناء جيلي فقد درسنا ثلاثة أيام فقط في الشارقة، بعدها اعلنا الإضراب حتى يتم تأسيس صف للثانوية في عجمان، وبالفعل تم تأسيس أول صف عام 1971 وكان عددنا نحو 20 طالبا وكنا اول دفعة تتخرج منه، وبعد ذلك بدأ إنشاء المدارس الأخرى.

وكان السبب يعود لصعوبة المواصلات وعدم وجود سيارات كما هو الحال حاليا، وكان الاعتماد على النقل المشترك، فكانت تأتي سيارة «لاند روفر» الى عجمان لنقل الأهالي الى دبي، سالكة طريق البحر مرورا من الشارقة، ورغم عدم توفر الشوارع لم تكن الرحلة الى دبي تزيد على 20 دقيقة.

حضور وقوة والدي في البيت رغم سفره وانشغاله بالتجارة أثر في شخصيتي واخوتي كثيرا، كان رمزا لاستقرار العائلة، وكانت قراراته نافذه ولا يمكن مخالفتها، وبالقدر نفسه والدتي التي كانت عمود البيت الأساسي، فلم نشعر يوما بالتقصير رغم مسؤوليتها الكبيرة، واعتقد أن حب والديّ واهتمامهما بالتعليم اثرا فينا كثيرا، بدليل أن أقل واحد فينا حاصل على درجة الماجستير في تخصصه.

ابان تخرجي من الثانوية العام 1967 لم تكن جامعة الإمارات قد افتتحت بعد، انما صدر مرسوم انشائها فقط، واول دفعة انتسبت للجامعة كانت في العام 1977، وقبل ذلك كان خريجو الثانوية يدرسون في الخارج على حساب الحكومة، وكنت واحدا منهم وارسلت الى أميركا، حينها كانت دفعتنا 40 طالبا من مختلف الإمارات. وكانت المرة الأولى التي اغادر الإمارات في رحلة طويلة، وقتها كانت الحكومة مسؤولة عن توفير مصاريف الدراسة، مع تخصيص راتب شهري لكل طالب، في حدود 455 دولارا أمريكيا.

الانتقال خلق صراعا في نفسي، منذ لحظة وصولي الى فلوريدا استعرضت شريط الإمارات بالكامل، وتأكدت أنه لا يمكنني العيش في المكان الجديد، وقمت بالاتصال بالسفارة طالبا العودة، حينها وقعت مشادة بيني وبين الملحق الثقافي، وفي اليوم التالي حاولت الحجز للعودة ولم اوفق، وطال الأمر أربعة أيام اخرى، خلالها راجعت نفسي وقررت البقاء وعشت في فلوريدا ثماني سنوات، وحقيقة لم اجد صعوبة في التأقلم.

استمرت دراستي للغة الإنجليزية سبعة اشهر، عدت بعدها الى الإمارات في اجازة أربعة اشهر، ثم عدت الى أميركا لمواصلة دراستي، وحصلت على البكالوريوس في الرياضيات، إلى جانب البكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة «جورجيا تك» في اتلانتا. لم يخطر ببالي سلوك طريق الدراسات العليا، وآثرت العودة مع قبولي للماجستير في «جورجيا تك».

قررت العمل في القوات المسلحة عام 1982، وقابلت احد مسؤولي سلاح الهندسة في وزارة الدفاع بأبوظبي، تحدثنا وطلب عودتي في اليوم التالي للخضوع للامتحان الذي يحدد على اساسه قبولي، وقتها كان الذهاب من عجمان الى ابوظبي شاقا جدا، وللحقيقة لم ترق لي فكرة العودة فقد تخرجت بمرتبة الشرف من جامعة محترمة. أطلعت والدي على الوضع واخبرته برغبتي مواصلة دراسة الماجستير، وفي اليوم التالي توجهت الى وزارة التربية والتعليم بدلا من الدفاع، والتقيت الأستاذ محمد خميس والأستاذ احسان الدقي المسؤول عن البعثات، قدمت على منحة دراسية ونلت الموافقة فورا، وخلال شهر كنت في اميركا مرة أخرى.

وبعد عودتي الى اميركا بثلاثة أشهر اتصل والدي يبلغني حاجة جامعة الإمارات الى معيدين، توجهت إليها وكان حينها الأستاذ الدكتور شبيب المرزوقي رئيسا لها، وعملت فيها معيدا وهو ما أثر في شخصيتي واحدث نقلة نوعية في حياتي فأصبحت اعتمد على نفسي في كل شيء.

في ديسمبر 1983 عدت الى الإمارات وعملت في جامعة الإمارات 7 شهور، وكنت قد انهيت الماجستير ثم توجهت الى بريطانيا لاستكمال الدكتوراه التي انهيتها في نوفمبر 1988، وانتقلت من معيد الى دكتور، وبعد ست سنوات نلت الترقية الأولى واصبحت استاذاً مشاركاً، وبعد خمس سنوات أخرى اصبحت استاذ دكتور وفي العام 2002 حصلت على درجة «الأستاذية» وبقيت في جامعة الإمارات حتى 2007 حيث انتقلت للعمل مديرا للجامعة البريطانية في دبي، واصبحت مهامي مختلفة وباتت إدارية اكثر منها تدريسية.

اقامة العلاقات الاجتماعية داخل وخارج الأسرة تمثل لب اهتماماتي، وهذا ساعدني في تكوين شبكة واسعة من الأصدقاء التقيهم بشكل دائم، ومنذ صغري احب الرياضة وخاصة كرة القدم، وقد أسست مع مجموعة من الأصدقاء فرقا كثيرة اثناء الدراسة في اميركا واوروبا وفي جامعة الإمارات، والى جانب الرياضة أميل للعمل التطوعي فأنا عضو في جمعية المهندسين وعضو مؤسس في لجنة الإمارات لمقاومة التطبيع وشغلت امينها العام أربع سنوات، وكذلك عضو في جمعية اعضاء هيئة التدريس في جامعة الإمارات ورئستها ثماني سنوات، ولي مساهمات في قضايا اجتماعية عدة.

مهارات عديدة

يقول فيه د.حسن درويش، استاذ الهندسة المدنية في جامعة الامارات: ''اعرفه منذ زمن، وقد عملت معه في عديد المجالات ووجدت بانه يتمتع بمهارات قيادية. وهو انسان ودود، وصادق في تعاملاته مع اصدقاءه، ومخلص في عمله وقريب من الطلبة، وهو باحث متفرس دائم البحث عن الجديد وقد عملت معه في ذلك، كما انه رجل مهني يحترم الاخرين ويستمع لهم ولا ينفرد بقراراته ودائما يحثهم على العمل ضمن فريق واحد''.

متميز في كل شيء

أما د. عبد المجيد الخاجة، استاذ الميكروبيولجي الطبية في جامعة الإمارات، قال: اعرفه منذ زمن طويل وهو اخ وزميل عزيز، من علاقتي الاجتماعية والعلمية به وجدته متميزا في كل شيء، وهو نشيط اجتماعيا وعلميا ونقابيا ايضا، ومحبوب من الجميع الى درجة بعيدة، وهو من العقول النيرة والمتميزة على مستوى الدولة، وللحقيقة يعد مكسبا لأي ادارة أو مؤسسة يعمل بها، ومهما قلت فيه سأبقى مقصرا بحقه.

غسان خروب